• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الإنسان.. قيمة

عمار كاظم

الإنسان.. قيمة

إنّ القضية المحورية في منهج القرآن هي إنسانية الإنسان واحترامها، وتعريفه حقّه تجاه ربّه وبني نوعه، والحفاظ على تلك الحقوق من خلال تعامل خالق الوجود والمجتمع والسلطة معه، ونظرته إلى ذاته. فالذي لا يفهم قيمته الإنسانية في هذا الوجود لا يستطيع أن يحقِّق لذاته قيمة لدى الآخرين في الأسرة والمجتمع والدّولة. ويحدِّد القرآن هذه القيمة الإنسانية من خلال حديثه عن كيفيّة تعامل خالق الوجود معه، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُم فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُم عَلَى كَثِير مِمَّن خَلَقْنا تَفْضِيلاً ) (الإسراء/ 70).

والقرآن حين يتحدّث عن الإنسان يتحدّث عنه كقيمة إنسانية، وليس أجهزة ماديّة تُمارِس عملها بالطّرق البايولوجية والفسيولوجية، وإن أعطى هذا الجانب حقّه. فهو تعامل مع الإنسان بإنسانيّته، الإنسان العاقل المُدرِك، الإنسان المُريد المختار، الإنسان الأخلاقي الذي يستحسن الخير والحبّ والجمال، ويستقبح القبح والشرّ في سلوكه والموضوعات من حوله، ويستشعر قيمتها في وعيه ووجدانه.

وحينما يتصرّف الإنسان كعقل وشعور وجداني، وإرادة ومشاعر، ويتحرّك ويعمل من حول قيم الحقّ والخير والجمال، يكون قد تحرّك من خلال إنسانيّته..

فهو يستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يُحقّ الحقّ ويُبطِل الباطل..

ويستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يرفض الظّلم والعدوان على الآخرين، ويميِّز بين العدل والظّلم، فينصر المظلوم ويردع الظّالم..

ويستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يتصرّف كعاقل مُدرِك مع الأشياء والوقائع، وما يواجهه من مواقف وأفكار واطروحات تعاملاً عقليّاً..

ويستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يواجه آلام الآخرين فيتحسّس تلك الآلام، ويشاركهم محنتهم..

ويستطيع أن يفهم أنّه إنسان عندما يستعمل إرادته وعقله، عندما يواجه إثارات تقوده فيها الغريزة والشّهوة والإنفعال، ليتحرّك من غير إرادة ولا إختيار، ثمّ يعود له وعيه..

فعندما تتوارى المشاعر والأحاسيس الإنسانية من نفسه، ويغيب العقل والإرادة فلا يُفرِّق بين الحقّ والباطل، ولا يميِّز بين الحَسن والقبيح في فعله وقوله ولا يقف إلى جانب المظلوم والمضطهد، ولا تتحرّك في وجدانه مشاعر الرّحمة تجاه المعذّب والمحروم، ولاتعيش في نفسه مشاعر الحبّ والخير للآخرين، ولايقابل الإحسان بالإحسان..

عندما تتكاثف تلك الحالات الظّلاميّة في نفس هذا الكائن، يفقد إنسانيّته فيتحوّل في مفهوم القرآن إلى حيوان، لايستحقّ إسم الانسان. (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلاّ كالأنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) (الفرقان/ 44). (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَيُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذَانٌ لاَيَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلُونَ * وَللهِ الأَسْماءُ الحُسْنى فَادْعُـوهُ بِها وَذَرُوا ا لّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُون) (الأعراف/ 179 ـ 180).

والقرآن في هاتين الآيتين يوحي لنا بأنّ انسانيّة الانسان لاتتكامل إلاّ عندما يؤمن أنّ هناك أسماءً من الحقّ والعدل والعفو والرّحمة والإحسان والحبّ والخير والجمال... هي أسماء الله التي سُمِّيت بها ذاته وصفاته وأفعاله، فيتّجه نحوها ويجسِّد مفاهيمها قيماً سلوكيّة في حياته. فيصنع الحياة بوحي من تلك القيم، وبذا تتسامى ذات الانسان نحو الربّانيّة وتكتمل في الربّانيِّين الّذين اتّبعوا الدِّين، لذا يدعونا الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن نحقِّق إنسانيتنا بالتخلّق بتلك الصِّفات التي سمّاها القرآن الحُسنى، فقال:«تخلّقوا بأخلاق الله».

ويأتي البيان النبويّ ليوضِّح العلاقة بين الإيمان والالتزام بالقيم الأخلاقيّة، فيقول: «أكملكم إيماناً أحسنكم خلقاً». وعندما يسود الحبّ والسّلام، وتشرق شمس العدل في كلّ أفق من ربوع الأرض، ويلتزم الإنسان بقيم الحقّ والعدل، ويتعامل الناس بالصِّدق والرّحمة، ويتسامون نحو الرّبّ ومبدأ الوجود، يستطيع هذا الكائن أن يقول أنا إنسان. والإنسان الحضاري هو الانسان الذي يسعى القرآن لصنعه هو إنسان الحقّ والعدل والحبّ والرحمة.

ارسال التعليق

Top