• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الإنسان والتربية النفسية

السيد حسين الصدر

الإنسان والتربية النفسية

قال تعالى في سورة لقمان: (وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا) (لقمان/ 18).

المرح الذي يكون عبارة عن العجب، المرح الذي يكون نتيجة لنسيان الإنسان لنفسه ولواقعه ولحقيقته ولبدايته ولنهايته!.. لابدّ للإنسان أن يعرف حقيقته ولابدّ أن لا ينسى قول الله – سبحانه وتعالى – في سورة طه:

(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طه/ 55).

هذه الأرض التي تمشي عليها مرحاً، فلماذا العُجب؟.. ولماذا تعتقد أنّك قادر على ما تريد؟.. ولماذا الزهو أكثر من اللازم؟.. ثمّ كيف ينسجم هذا المرح وهذا الزهو مع التواضع المطلوب؟.. كيف ينسجم مع (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)؟..

بعد ذلك يريد منا الله – سبحانه وتعالى – أن نكون فرحين بطاعته، فرحين بعبادته، أن نكون سُعداء باستقامتنا، بعبادتنا ونزاهتنا، أن نكون مَرِحين بمقدار صدق العبودية ما بيننا وبينه، أن نكون مَرِحين بمقدار التزامنا بالأوامر الإلهية والنواهي الربّانية.. هذا والحقيقة أنّ الإنسان لابدّ أن يكون دائماً مُتّهماً لنفسه، أن يكون بين الخوف والرجاء، ولهذا يقول الله – سبحانه وتعالى في سورة النساء: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) (النساء/ 49).

فهذا المرح نتيجة العُجب وتزكية النفس، نتيجة أنّك تتصور أنّك كامل ومُنقّى ومُزكّى.. إذن أين الخوف والرجاء؟!.. إذن أين قول الرسول (ص) مُخاطباً الأُمّة:

"لو أتيتم بعبادة الثقلين فلا تُدلوا على الله شيئاً، ولو أتيتم بذنوب الثقلين فلا تيأسوا من رحمة الله".

يقول الشاعر:

ما أظنُّ أديمَ الأرضِ*** إلّا من هذهِ الأجسادِ

ودائماً عندما يحكم الإنسان على نفسه ويُزكّيها، فهو أكبر دليل على جهله وغروره، وعلى عدم معرفته لنفسه، وعدم علاقته السليمة مع ربِّه (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) فلماذا تمشي مَرَحاً وتمشي الخُيَلاء؟!.. ولهذه يقول الإمام محمّد الباقر (ع):

"ثلاثة هنَّ قاصمات للظهر، أوّلاً: رجل استكثر عمله، وثانياً: ونسي ذنبه، وثالثاً: وأعجب برأيه".

وهذه الثلاثة هنّ دواعي المشي في الأرض مَرَحاً، يتصوّر أنّ عمله كثير وعبادته كثيرة، وأن ليس له ذنب، وأنّ رأيه أصوب الآراء، والحال، أنّ الله – سبحانه وتعالى – هو الذي يزكِّي الأنفس، وهو الأعلم بحقيقة الإنسان، هو الأعرف بواقعه وحقيقته وبدايته ونهايته، يقول الله – سبحانه وتعالى – في سورة النجم: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم/ 32).

لأنّ المقياس الداخلي، مقياس القلب وهو عنده – سبحانه وتعالى – وحده، فَرُبَّ أعمالٍ وليست لله.. ورُبَّ عبادةٍ وليست لله.. ورُبَّ مساعٍ وليست لله.. ولهذا، فالمقياس عند الله: (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى).

فإذا كان المقياس عنده، فلماذا الخُيَلاء؟!.. ولماذا العُجْب؟!.. ولهذا على الإنسان أن لا يزكِّي نفسه ويبقى بين الخوف والرجاء ولا يعجب بعمله، والمفروض أن يدع أعماله هي التي تُزكِّيه عند الله – سبحانه وتعالى – بمقدار ما فيها من إخلاص!.. رَوِيَ عن الإمام الصادق (ع):

"أتى عالم لعابد، فقال له: كيف صلاتك؟.. فقال: مثلي يُسأل عن صلاته، وأنا أعبد الله – سبحانه وتعالى – منذ كذا وكذا!.. قال له العالِم: فكيف بكاؤك؟.. قال العابد: أبكي حتى أُجري دموعي... فقال له العالم: فإنّ ضحكك وأنت خائف خير من بكائك وأنت مُدِلٌ إنّ المُدِلَّ لا يصعد من عمله شيءٌ".

وهذا القول مطابق لقول النبي (ص) مخاطباً الأُمّة:

"لو قدمتُم على الله بعبادة الثقلين، فلا تدلوا على الله شيئاً، ولو أتيتم الله بذنوب الثقلين، فلا تيأسوا من رحمته".

ولهذا تقول الآية الكريمة:

(وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا).

فالآية تعطي معنى أعمّ من السير وهو: أنّ السلوك في الحياة لابدّ أن يكون سلوكاً متزناً، والسلوك في الحياة بكل جوانبه، يعني سلوكك العام في حياتك، سيرك في حياتك سواءاً كان هذا السير، سيراً على الأقدام أو كان هذا السير، سير فكري أو سير أخلاقي أو سير عبادي!.. لابدّ أن يكون متّزناً.. ولابدّ أن يكون على ضوابط إلهية.. وأن لا يكون وفق دواخل نفسية!.. والمَرَح من الدواخل النفسية، نعم، إذا كان المرح ضمن الضوابط الإلهية.. فهو شيء جيِّد!.. "المؤمن هشٌّ بشٌّ" وكان رسول الله (ص) لا يُرى إلّا مبتسماً، وهكذا الأئمة الأطهار، وهكذا الصحابة الصالحين.

أمّا الآية تريد أن توجّه الأُمّة وخصوصاً الشباب، لأنّها وصية قرآنية إلى الشباب، يريد الله – سبحانه وتعالى – أن يكون السير في الحياة الدنيا سيراً متوازناً، سواءاً كان فكرياً، وأخلاقياً، سلوكياً في علاقة الإنسان مع نفسه، عائلته، مجتمعه، ومع الآخرين ككل، ولهذا تأمر الآية الكريمة:

(وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحَاً).

لأنّها خلاف واقع الإنسان وما ينبغي له وخلاف الصياغة الربّانية لعباد الرحمن، يقول – سبحانه وتعالى – واصفاً عباده في سورة الفرقان: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا) (الفرقان/ 63).

هذه كيفية سَير المؤمنين ومشيهم، فإنّهم يمشون بالوقار والسكينة والطاعة والخشوع والتواضع، من دون تكبُّر واستعلاء، لا مرحين ولا مُفسدين، ويقول الإمام الصادق (ع) – في مشي الرجل المؤمن –:

"هو الرجل يمشي على سجيّته التي جُبِلَ عليها، لا يتكلّف ولا يتصنّعُ".

 

المصدر: كتاب التواضع.. إنسانيّة.. وعبوديّة

ارسال التعليق

Top