• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

التعاون والتضامن في كتاب الله تعالى

عمار كاظم

التعاون والتضامن في كتاب الله تعالى

قال الله سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة/ 2). مهما بلغت قدرات الإنسان في هذه الحياة وكثرت إمكاناته، فهو يحتاج إلى الآخرين في تدبير شؤونه. نعم، قد تتفاوت الحاجات من إنسان إلى آخر، فالحياة لن تتكامل إلّا بأن يبذل كلّ مَن فيها ما عنده للآخرين، وهي لن تعرف نموّاً ولا استقراراً إذا قرّر كلّ من فيها أن يعزل نفسه عن الآخرين.

وقد عمل الإسلام على تعزيز أواصر التعاون داخل المجتمع، فهو حمّل كلّ فرد يملك طاقة أو علماً أو خبرة أو مالاً أو رأياً أو قوّة، مهما كان حجم ما عنده، مسؤولية أن يجود به على الآخرين ولا يبخل به عليهم.. فطاقات الإنسان وإمكاناته وقدراته التي أودعت عنده ليست له وحده، بل للآخرين فيها نصيب، فلا يجوز له أن يحتكرها لنفسه وأن يكون أنانياً بخيلاً فيها.. ومن هنا، كانت دعوة الله للناس: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، فعلينا أن نتعاون في موارد البرّ للوصول إلى التقوى.. فالتعاون في حسابات الله سبحانه ليس خياراً، بل هو مسؤولية، هو واجب، فالله لم ينعم على عبد من نِعمة، إلّا وقد ألزمه فيها الحجّة، وسيسأل الإنسان عمّا إذا كان أفاد من يحتاجون إليها. وإلى هذا، أشار الله سبحانه عندما قال: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (التكاثر/ 8).

أمّا مَن يعيش الأنانية، يفكّر في نفسه وعائلته، ولا يسأل عن حاجات الناس الآخرين ولا يسعى إلى سدّها، فهو في نظر القرآن الكريم مكذّبٌ بالدِّين: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (سورة الماعون)

وفي الحديث: «أيّما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة وهو يقدر على قضائها فمنعه إيّاها، عيّره الله يوم القيامة تعييراً شديداً، وقال له: أتاك أخوك في حاجة قد جعلت قضاءها في يدك، فمنعته إيّاها زُهداً منك في ثوابها. وعزّتي، لا أنظر إليك اليوم في حاجة، معذَّباً كنت أو مغفوراً لك». ولا يقف الأمر عند هذه الحدود، لأنّ هذه اللامبالاة تجاه الناس، سوف تنعكس سلباً على الحياة، فالله لن يبارك بالطاقات والنِّعَم التي يمتلكها الإنسان ولا يقوم بمسؤوليته في خدمة الناس الذين يحتاجون إلى مساعدته، فقد ورد: «إنّ لله عباداً اختصّهم بالنِّعَم، يقرّها فيهم ما بذلوها للناس، فإذا منعوها، حوّلها منهم إلى غيرهم».

إنّ علينا استعادة الصورة الإيجابية التي قدّمها المسلمون بعد الهجرة إلى المدينة، وهم لا يحملون معهم شيئاً ممّا يحتاجون إليه، يومها استقبلهم أهل المدينة، وتقاسموا فيما بينهم الطعام والمال والبيوت والعمل، فبنوا أنصع صورة للمجتمع الإسلامي الذي أراده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). هذه الصورة التي عبَّر عنها القرآن الكريم بقوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر/ 9).

ارسال التعليق

Top