• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

التوبة.. مستلزماتها وآثارها

يوسف مزاحم

التوبة.. مستلزماتها وآثارها
اهتم الإسلام اهتماماً خاصاً بمسألة توبة الإنسان إلى ربه.. فقد حثت الآيات الكريمة والروايات الشريفة على التوبة لدرجة أمر الله سبحانه الجميع بها بقوله عزّ من قائل: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور/ 31).
كما اهتم الأنبياء والأولياء والصالحون بها وإن اختلف نوعها لدى كل منهم. فقد ورد في الحديث الشريف مثلاً:
"التوبة حبل الله ومدد عايته، ولابدّ للعبد من مداومة التوبة على كل حال، وكل فرقة من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من اضطراب السرّ، وتوبة الأصفياء من التنفس، وتوبة الأولياء من تلوين الخطرات، وتوبة الخاص من الاشتغال بغير الله، وتوبة العام من الذنوب...".
وقال (ص): "توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في كل يوم مائة مرة".
فما هي التوبة؟ وكيف يتوب المرء إلى ربه؟
 
معنى التوبة:
قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام/ 54).
وقال سبحانه (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ...) (النساء/ 17).
وقال أيضاً: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ...) (الزمر/ 54).
وقال النبي (ص) في معرض حديثه مع أصحابه عن التوبة:
"ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله.. لخلق الله خلقاً حتى يذنبوا ثمّ يستغفروا الله فيغفر لهم.. إنّ المؤمن مفتن تواب".
فالواضح إذاً من خلال الكثير من الآيات والروايات أنّ التوبة أوبة وإنابة، وهي عبارة عن تراجع الإنسان عما اقترفه وأقدم عليه من فعل سيء، قبيح، يمقته الله ولا يرضاه.. فيندم الإنسان على فعلته تلك ويتراجع عنها منيباً إلى ربه، تائباً من فعلته، محاولاً التخلص من التبعات والآثام التي لحقته ولزمته، فيلجأ إلى ربه يرجوه مستغفراً أن يمحو عنه سيئته التي اقترفها، ويغفر له الذنب الذي سجل عليه ولحقه، واعداً ربّه بأنّ لا يعود إلى الذنب ثانية..
ومن الطبيعي عند الله الرؤوف بعباده أنّ التائب من ذنبه كمن لا ذنب له، إذ إنّ التائب حقيقة لا يتوب ولا يقدم على التوبة إلا إذا تميز ببعض المواصفات، فهو:
1-    يؤمن حقيقة بالله واليوم والآخر وبمراقبة الله له وتسجيله السيئة عليه، وإلا لم يبال بما فعل ولما اهتم ورجع إلى ربّه يستغفره.
2-    يؤمن برحمة الله ولم ييأس منها، فهو الربّ الغفور الرحيم، يغفر له ذنبه ويرحمه لسوء حاله.
3-    يقر بين يدي ربّه بحقيقة العبودية لذات الربوبية.
قال تعالى: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان/ 71).
 
كيفية التوبة:
في الحقيقة كثيراً ما يذنب الناس ويتوبون ثمّ لا تقبل توبتهم، وما ذلك إلّا لابتعادهم عن شروط التوبة الواجب توفرها لقبول توبتهم من ترك الذنب وعدم تكراره أو الاصرار عليه والندم والاصلاح وغير ذلك..
فرفض التوبة إنما يعود لاستمرار حالة السوء وحالة الجهالة التي عبرت عنها الآية الكريمة، وغالباً ما يقارن حالة الجهالة تكرار الذنب والاصرار عليه وعلى المعصية، أو تأخذ صاحبها العزة بالاثم، أو على الأقل يقارن الجهالة قلة السعي أو عدمه للتخلص من التبعات والآثار والعواقب السلبية والوخيمة للمعصية السابقة. ولذا ورد في الحديث الشريف:
"التائب إذا لم يستبن أمر التوبة فليس بتائب: يرضي الخصماء، ويعيد الصلوات، ويتواضع بين الخلق، ويتقي نفسه من الشهوات، ويهزل رقبته بصيام النهار".
وعن النبي (ص):
"إذا تاب العبد ولم يرضِ الخصماء فليس بتائب.. ومن تاب ولم يغير مجلسه وطعامه فليس بتائب.. ومن تاب ولم يزد في العبادة فليس بتائب.. ومن تاب ولم يغير لباسه فليس بتائب.. ومن تاب ولم يقصر أمله ولم يحفظ لسانه فليس بتائب..".
وعن الإمام علي (ع): "إنّ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ: أوّلها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود إليه أبداً، والثالث أن تؤدي إلى الخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة، والرابع أن تعمد إلى كل فريضة (عليك) ضيعتها فتؤدي حقها، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم.. والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية..".
وبالعودة إلى الآيات نرى أنها تقرن التوبة بأمور: الاصلاح، العمل الصالح، الإيمان، كما في قوله تعالى:
(إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا...) (مريم/ 60).
(إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا...) (الفرقان/ 70).
(وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) (الفرقان/ 71).
(فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ...) (المائدة/ 39).
(.. ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ...) (الأنعام/ 54).
(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه/ 82).
(.. ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا...) (الأعراف/ 153).
 
التسويف بالتوبة:
فالتوبة المقرونة بالإيمان والصلاح والاصلاح والعمل الصالح والهداية فضلاً عن الاسراع بها هي التي يتقبلها الله سبحانه: (.. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ...) (النساء/ 17)، وقد ورد في المأثور: "عجلوا بالصلاة قبل الفوت، وبالتوبة قبل الموت".
ومن لم يسارع إلى التوبة دخل في عداد المسوّفين لها، خصوصاً إذا اخرها حتى يدركه الموت أو يحضره، وهنالك ليس معلوماً أبداً أن تناله رحمة الله بالتوبة لأنّه قد خلّى بين نفسه وبين الركون إلى حالة الجهالة التي انغمس فيها ومعها بالسيئات والشهوات والملذات في غفلة عن ذكر الله وذكر الآخرة، وكذلك عندها يُنسى من رحمة الله والعياذ بالله، فلا ينفعه عندها الانتباه، لحظة الموت ولحظة لا ينفع الندم.
قال تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ...) (النساء/ 18).
فعندها ليس لذلك الإنسان إلا (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) الزمر/ 56-58).
 
آثار التوبة:
لعل من أهم وأنفع آثار التوبة على التائب أمرين: ستر الله على التائب، وتبديل سيئاته حسنات.. قال تعالى عن دعاء الملائكة قولهم: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ... * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ...) (غافر/ 7-8).
وقال تعالى عن التائبين: (إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان/ 70).
وعن النبي (ص): "من تاب تاب الله عليه، وأُمرت جوارحه أن تستر عليه، وبقاع الأرض أن تكتم عليه، وأُنسيت الحفظة ما كانت تكتب عليه".
وعنه أيضاً (ص): ".. يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عزّ وجلّ فيكون هو الذي يلي حسابه.. حتى يوقفه على سيئاته كلها، كل ذلك يقول: أعرف، فيقول سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم، أبدلوها لعبدي حسنات، فترفع صحيفته فيقولون: سبحان الله! ما كان لهذا العبد سيئة واحدة".
وعن الصادق (ع): "إذا تاب العبد توبة نصوحاً أحبه الله تعالى فستر عليه في الدنيا والآخرة".
وعن الرضا (ع): "التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
وبعد هذا هل للإنسان عذر في عدم الإسراع لإجابة دعوة ربه في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا...) (التحريم/ 8).
خصوصاً وأنّه ورد في معناها: "أن يتوب الرجل من ذنب وينوي أن لا يعود إليه أبداً" وأنها "ندم بالقلب واستغفار باللسان والقصد على أن لا يعود".
 
المصدر: مجلة نور الإسلام/ العدد 47 و48 لسنة 1994م

ارسال التعليق

Top