• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الحوار فاعلية

محمد محفوظ

الحوار فاعلية

الحوار قبل أن يكون أُطراً وهياكل، هو روحية واستعداد نفسي، يرتبط بوجداننا وقيَمنا الإسلامية، التي أسست لهذا الخيار في كلّ جوانب وشؤون حياتنا.

والحوار لا يستهدف شيوع حال الفوضى في الآراء والمواقف، وإنما تضييق مساحات الخلاف والنزاع، وإبراز عناصر الوحدة والائتلاف. فمن ساحة الحوار تنتج الوحدة، وبالحوار تضمحلّ الخلافات، وتزول أسباب الصراع العُنفي. ومن دون إرساء دعائم الحوار المتواصل مع تعبيرات الأُمّة ومؤسساتها وفاعلياتها المتعددة، يتم التعامل مع العديد من القيم والمبادئ كتهويمات أيديولوجية مجردة عن وظيفتها الحضارية، وبعيدة كلّ البُعد عن النسيج المجتمعي.

وهكذا، فإنّ الإنسان لا يجسد قيَمَه إلّا بالمزيد من الحوار. حوار الإنسان مع ذاته، وحواره مع دوائره الاجتماعية المتعددة، وحواره مع ظواهر الطبيعة لمعرفة أسرارها لتسخيرها بما يخدم العمران والتقدم الإنساني.

والحوار بين الأديان والتعبيرات السياسية ومكونات الأُمّة الفكرية والاجتماعية، هو مشروع مفتوح على كلّ التجارب، ويُفيد من كلّ الممارسات والمكاسب الإنسانية، لذلك فإنّ عملية الحوار مطلوبة لذاتها، وبحاجة إلى عمل الجميع من أجل إرساء دعائم وتقاليد الحوار الحضاري في فضائنا المعرفي والسياسي.

وتنبع فاعلية الحوار من أنّه يجعل كلّ الآراء والقناعات والمواقف في ساحة التداول، لتقيمها وتمحيصها وتطويرها. ولا ريب في أنّ لهذه العملية التداولية تأثيرات إيجابية في الصعيد المجتمعي، حيث إنّها تحرك الراكد، وتسائل السائد، وتبحث في آفاق وفرص جديدة ممكنة، وفي المحصلة النهائية تكون عملية الحوار فاعلية مجتمعية متميّزة.

ونستطيع القول وبقناعة تامة، إنّ النص القرآني، هو نص حواري بامتياز، فتحدّث عن كلّ الموضوعات والقضايا من دون موانع وعقبات، واستخدم في ذلك أدق التعبيرات وأبلغها دلالة ومعنى، وأكّد في آياته ضرورة التفكر والتعقل والتدبّر والنظر والتأمل، ووبّخ أولئك النفر الذين يسيرون بلا هدى وبصيرة، أو يقلّدون الآخرين من دون علم ومعرفة، إذ قال تعالى: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (يونس/ 89).

وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف/ 179).

وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ) (الزّمر/ 17-18).

وعلّمتنا التجارب أنّ غياب الحوار كاستراتيجية لتنظيم العلاقات بين مجموع المكونات الدينية والثقافية الموجودة في عالم الإنسان، يهدد الجميع بانقسامات وتشظّيات تُصيبهم وتُدخلهم في دهاليز القهر والعُنف المتبادل.

لذلك من الضروري أن نؤمن، إيماناً عميقاً، بأنّ الحوار هو سبيلنا جميعاً لحل مشكلاتنا، وتجاوز موروث الحقد والضغينة.

ولكي نصل إلى المستوى الأخلاقي لممارسة الحوار بعيداً عن المُسبَقات الفكرية أو المواقف الجاهزة، نحن بحاجة إلى مجاهدة النفس، والتغلّب على الأهواء والنوازع الضيقة، والانعتاق من كلّ أشكال التعصّب الأعمى للذات أو لأفكارها وقناعاتها، والسعي الحثيث نحو الاقتراب من الآخر، ومحاولة فهمه بشكل مباشر. وذلك من أجل أن يكون الحوار في الداخل العربي والإسلامي، هو الأصل والثابت الذي لا نُحيد عنه، مهما كانت النوازع، ومهما كانت المشكلات التي تحول دون ذلك.

"إنّ تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة، فئات أو أفراداً، يفضي مع مرور الزمن إلى تقلّص شقة الخلاف بينهم، وذلك لدخول هذه الأطراف في استفادة بعضها من بعض، حيث إنّ هذا الطرف أو ذاك قد يأخذ في الانصراف عن رأيه متى تبيّن له، عند مقارعة الحجة بالحجة، ضعف أدلّته عليه، ثم يتّجه تدريجياً إلى القول برأي مَن يخالفه، أو يأخذ، على العكس من ذلك، في تقوية أدلّته متى تبينت له قوة رأيه، مستجلباً مزيد الاهتمام به من لدن مخالفه، حتى ينتهي هذا المخالف إلى قبوله والتسليم به، وهكذا، فإذا أنزل الخلاف منزلة الداء الذي يفرّق، فإنّ الحوار ينزل منزلة الدواء الذي يشفي منه".

وإنّ الضرورة الحضارية تفرض علينا وعياً مزدوجاً لعملية الحوار الديني والثقافي، وعي مستوى الحوار الثقافي والإنساني الذي وصلت إليه المجتمعات المتقدمة بين دولها وتياراتها ومدارسها الفلسفية والفكرية والسياسية.

ووعي واقعنا العربي والإسلامي وتلمّس الممكنات المتوافرة لانطلاق هذه العملية الحضارية والعقبات التي تحول دون ذلك.

ومن خلال هذا الوعي المزدوج لعملية الحوار الثقافي تتأسس الظروف الموضوعية والذاتية لانطلاق مبادرات نوعية في هذا المجال.

ومن دون هذا الوعي تبقى الكثير من الخطوات شكلية ولا تخرج في كثير من مفرداتها عن موضعة الاستهلاك ورمي الكرة في مرمى الطرف المختلف والمغاير. وفي هذا الوضع تتجلى في الحياة الثقافية كلّ الأشكال الخادعة والمستعارة لعملية الحوار الثقافي.

ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ الحوار الديني والثقافي الذي يأتي في سياق وعي اللحظة التاريخية لواقعنا العربي والإسلامي ومتطلّباته الحضارية، ووعي اللحظة التاريخية التي تعيشها المجتمعات المتقدّمة، فإنّ هذا الحوار يُعد نواة صلبة للعمل الثقافي الجاد الذي يتراكم ويتواصل لخلق حالة ثقافية بصفات جديدة وعقلية حضارية تمارس القطيعة المعرفية مع تلك العقلية الضيّقة التي لا ترى في الوجود إلّا لونين إما أسود أو أبيض.

وليس ما أقوله هنا إسقاطاً لمفهومات غريبة عن تطلّعات حياتنا الثقافية، وإنما هي من تطلّعاتها الجوهرية ومطامحها الأولى.

وبالتالي فإنّ الحوار الديني والثقافي ليس تصدّعاً في الذات الثقافية، بل هو إثراء لها، وإضافة نوعية إلى بنائها وسياقها المعرفي.

وإنّ أهم ما تُمارسه عملية الحوار هذه أنّها ترفع الأوابد عن الإبداع وآفاق الثقافة الجديدة.

وعلى كلّ حال من الأهمية بمكان على كلّ الصعد والمستويات، ألا تدفعنا اختلافاتنا الدينية والفكرية والسياسية إلى القطيعة والجفاء والتباعد، وإنما يجب أن تكون هذه الاختلافات مدعاة إلى الحوارات العميقة، لا لكي نتنقل في قناعاتنا، وإنما من أجل أن نتعرف إلى وجهات نظر بعضنا البعض، ومن أجل إزالة الاحتقانات النفسية المصاحبة للاختلافات الفكرية والسياسية، ولكي يتم تنشيط دور القواسم المشتركة بين الجميع، بحيث الاختلافات لا تلغي المشتركات وتحول دون ممارسة دورها ووظيفتها في الحوار والتعاون والتضامن.

إنّ ما يشهده الواقع العربي والإسلامي من أحداث وتطوّرات خطيرة، تؤكد ضرورة إعادة الاعتبار إلى الفريضة الغائبة في هذا الواقع، وهي فريضة الحوار والتعارف والتواصل الإنساني المتعددة والمتنوع. فالحوار هو طريق إجلاء الحقائق والوصول إلى صيغ لتفعيل المشترك الإنساني، وسبيلنا للحفاظ على مكتسبات الأُمّة والوطن.

لقد عانت شعوبنا الويلات وما زالت تعاني من جرّاء التعصب وسوء الظن والنزوع الاستبدادي والعقلية المتحجّرة التي تساوق بين أفكارها ومشروعاتها، وبين الحقّ والحقيقة.

إنّ الدرس العميق الذي يجب أن نستفيده من تجارب العديد من الدول العربية والإسلامية، التي عانت وما زال بعضها يعاني من العُنف والتطرف والقتل المجاني، هو: أنّ الفريضة التي يجب أن يتّجه الجميع إلى إحيائها هي فريضة الحوار. فهي وسيلتنا لصون الحُرمات، وحل المشكلات، وتحول دون الكارثة والتدمير الشامل.

والحوار هو سبيلنا إلى التجدد والتطور، والهويات الثقافية لا تقوم على المطابقة والتماثلية المميتة، وإنما على التعدد والتنوع المفضي إلى إثراء المضمون الحضاري لمفهوم الهوية الثقافية. وبالحوار يتكامل منطق الاختلاف ومنطق الاعتراف، وصولاً إلى تأسيس دينامية اجتماعية جديدة، تتجه صوب التطلّعات الكبرى للوطن والأُمّة.

ولنتذكر دائماً وصية الحكيم لقمان لابنه حينما قال: "يا بني، كذب مَن قال إنّ الشر بالشر يُطفَأ، فإن كان صادقاً فليوقد نارين ولينظر، هل تطفئ إحداهما الأخرى، بل يُطفئ الخير الشر، كما تطفئ الماء النار".

وإنّ الحوار العميق والجاد بين مجموع القوى والتعبيرات المتوافرة في الأُمّة والوطن، هو الذي يوفر الأرضية المناسبة لترجمة وتنفيذ الكثير من المشروعات السياسية والمجتمعية.

بمعنى أنّ الحوار يُساهم بشكل أساس بتذليل عقبات الواقع، التي تمنع من تنفيذ الكثير من الطروحات والمشاريع. وفي المقابل فإنّ الاستبعاد والإقصاء، يقضي على كلّ الممكنات المناسبة للّقاء والائتلاف، كما أنّ هذا المنطق يحرك كلّ غرائز ونزعات الخصام والتباغض والكره بكلّ أشكاله ومستوياته.

 

المصدر: كتاب حوار الأديان وقضايا الحرية والمشاركة

ارسال التعليق

Top