• ١٠ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الصديقون في المجتمع المسلم

د. ياسر العيتي

الصديقون في المجتمع المسلم

(أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (الحديد/ 19).

لقد جعل الله الصديقين الذين يتحلَّوْن بأعلى درجات الصدق في مرتبة تلي مرتبة الأنبياء مباشرة فقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء/ 69)، فلماذا رفع الله من يتمتع بدرجة الصدق إلى هذه الدرجة العالية؟ إن من أهم مكونات الذكاء العاطفي الانسجام الداخلي. إنّ الإنسان الذي يعيش في حالة صدق وانسجام بين مبادئه وسلوكه.. بين أقواله وأفعاله.. بين سره وعلنه.. يتربع على عرش من الشعور الرائع بالسعادة والانتصار لا يماثله في الروعة أي شعور.

إنّ التناقض يربك الإنسان، ويؤثر على توازنه، ويهز شخصيته، أما الصدق والانسجام فيفجر طاقات الإنسان الدفينة ويوجه إمكانياته كلها باتجاه الأهداف والمبادئ التي يعيش من أجلها. إنّ الإيمان والكذب لا يجتمعان أبداً، وأنا عندما أتحدث عن الكذب هنا لا أقصد به مجرد الكذب باللسان، أي أن يخبر الإنسان الآخرين بغير الحقيقة وهو يعلم ذلك، فربما يكون هذا أهون أنواع الكذب. إنّ الكذب الذي يدمر شخصية الإنسان وشخصية المجتمع وشخصية الأُمّة بأسرها هوالتناقض الصارخ بين المبادئ والسلوك، بين الأقوال والأفعال، بين الظاهر والباطن. الكذب هو أن تناقض حقيقة الحال لسان المقال، وهو أمر يمقته الله أشد المقت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف/ 2-3)، فالمسلم الذي يقول في صلاته الله أكبر، ثمّ يتَّبع شهوات الطمع والغش والظلم وأكل الحرام والنظر إلى الحرام إنما يقول بلسان مقاله الله أكبر وحقيقة حاله الشهوات أكبر، أي إنّه يحتاج إلى أن يكون أكثر صدقاً مع ربه ومع نفسه ومع الناس. والتاجر الذي يلوم موظفي الدولة لأنّهم يرتشون في حين يدفع الرشوة صباح مساء دون أن يرف له جفن يحتاج إلى أن يكون أكثر صدقاً مع ربه ومع نفسه ومع الناس. والمسلم الذي يتأفف من سوء أوضاع المسلمين ثمّ لا يستعد لبذل أي جهد لإصلاح نفسه فضلاً عن إصلاح غيره يحتاج إلى أن يكون أكثر صدقاً مع ربه ومع نفسه ومع الناس. والشعب الذي يلوم حكامه ويسبهم في السر، ولكنه في العلن لا ينصحهم ولا يدلهم على أخطائهم، ولا يظهر لهم إلا الهتاف والتصفيق يحتاج إلى أن يكون أكثر صدقاً مع ربه ومع نفسه ومع الحكام. يقول (ص): "إنّ الصدق يهدي إلى البر، وإنّ البر يهدي إلى الجنة، وإنّ الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النار، وإنّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً". نعم الصدق يهدي إلى البر والنماء والخير في الدنيا والآخرة، والكذب يهدي إلى النار والخسارة والدمار في الدنيا والآخرة. إنّ الأُمم التي يسود الصدق علاقاتها الاجتماعية والسياسية تصبح أكثر قوة ونماء من الأُمم التي ينتشر فيها الكذب والنفاق، والأُمم التي تكون أكثر صدقاً وانسجاماً مع مبادئها وقيمها (ولو كانت على باطل) ستنتصر على الأُمم التي تكون أقل صدقاً وانسجاماً مع مبادئها وقيمها (وكانت على حق) هذا قانون رباني ينطبق على جميع الأُمم مسلمها وكافرها. اليوم ما لم يصبح المسلمون أكثر صدقاً مع ربهم ومع أنفسهم فإنّ الهزائم ستتوالى، لأنّ القوانين الإلهية لا تستثني أحداً. إنّ المجتمعات التي يسود فيها الكذب والنفاق والرياء واللف والدوران هي التربة المناسبة للمفسدين والكاذبين، ففيها يولدون ويتكاثرون ويعيشون طويلاً، أما المجتمعات التي تسود فيها روح الصدق والصراحة والوضوح والاستقامة فإنّها لا تتحمل وجود المفسدين والكاذبين، فيها وهي سرعان ما تكشفهم، وتتخلص منهم كما يتخلص الجسد السليم من الجراثيم. إنّ غنى المجتمع يأتي من تنوع الأفكار واختلافها، وحينما يسود المجتمع الكذب والنفاق يختفي الإبداع المتولد عن الاختلاف والحوار الصادق والصريح، وهكذا يصبح المجتمع مسطحاً لا عمق فيه، رمادياً لا ألوان فيه، جامداً لا حركة فيه، وفي مجتمعات كهذه تقل الأفكار والحلول وتكثر المشاكل والأزمات، ومن هذه المجتمعات تفوح رائحة الضعف، فتجذب إليها الطامعين والمحتلين.

نعم قد يكون الصدق صعباً ومكلفاً لكنه أقل كلفة بكثير من الكذب، لأنّ الكذب يؤدي في النهاية إلى الدمار والهلاك في الدنيا والآخرة معاً. وسواء كنا نتحدث على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمعات فهناك خياران لا ثالث لهما: إما أن يدفع الفرد أو المجتمع ضريبة الصدق عن طيب خاطر عملاً والتزاماً وإخلاصاً وبذلاً وتضحيات؛ فيجني السعادة والقوة والاستقرار والانتصار، أو أن يجن ويتكاسل عن دفع تلك الضريبة وعندها سيدفع ضريبة الكذب رغماً عنه أضعافاً مضاعفة من الخسارة والضعف والذل والهزيمة.

سرْ في الأنامِ ولا تَقِفْ متردّداً *** فالنَّاسُ تتبعُ إن صَدَقْتَ خطاكَ

لا تعتزلْ دنيا الأنام ترفُّعاً *** بل فارفعِ الدُّنيا إلى علياكَ

إنَّ المبادئ لا تعيشُ بفكرةٍ *** من كاتبٍ فوقَ السُّطور يفنِّدُ

لكنَّها تحيا بعزمةِ صادقٍ *** في صدرِهِ موجُ العقيدةِ يزبدُ

المؤمن يعيش حالة الصدق مع ربه ومع نفسه ومع الناس، فعندما يقول الله أكبر، يكون حب الله في نفسه أكبر من حب الشهوات، ويكون خوف الله في نفسه أكبر من حب الشهوات، ويكون خوف الله في نفسه أكبر من خوف الطواغيت.. وكذا يعيش حياته في قمة العبودية لله أي في قمة السعادة والحرية والإنسانية.

 

المصدر: كتاب مافوق الذكاء العاطفي/ حلاوة الإيمان

ارسال التعليق

Top