• ٩ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٨ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الطيبات في القرآن الكريم

أسرة البلاغ

الطيبات في القرآن الكريم

(اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (غافر/ 64).    لقد وهب الناس في هذه الحياة ألواناً من الطعام والشراب مختلفة، صافية، لذيذة،... وكلّ هذه الأطعمة والأشربة مظاهر لفضل الله الذي لا ينتهي ورحمته بالعباد، فالناس يستطيعون أن يعيشوا بخير على لون واحد من الطعام والشراب، ولكن الله تعالى وهبهم نعماً لا تحصى من الخضار والفاكهة، وأنواع مختلفة من اللحوم وغيرها... والمؤمن الذي يعرف أن كلّ هذه النعم من الله تعالى، يتفكر فيها ويشكر الله في كلّ مرة يجلس فيها لتناول وجبة طعام.

    

    - بماذا تجعلنا الفاكهة التي تقدم خلال وجبة الطعام نتفكر؟

    في آيات كثيرة من القرآن، يذكر الله تعالى أنّه أنعم على الناس بأنواع كثيرة من الطعام، وهذه الأطعمة تكون موجودة أمام أي شخص يجلس لتناول وجبة. فطاولة الطعام تمتلئ بمختلف أنواع الخضروات المزروعة، والعديد من المنتجات الحيوانية، والإنسان بطبيعته مفطور على حب التمتع بهذه الأطعمة، فكل واحد منها ألذ من الآخر، وهي في نفس الوقت ضرورية للبقاء على قيد الحياة. فلنتفكر فيما لو أن هذه الأطعمة المغذية والضرورية للبقاء على قيد الحياة، كانت بدون نكهة أو كان طعمها رديئاً، أو لو كانت مضرة بالرغم من طعمها الطيب، أو لو كان هناك عدد قليل من الأطعمة نتغذى بها فقط من أجل البقاء على قيد الحياة.. إن رحمة الله هي السبب الوحيد الذي أمام أطعمة بهذا الشكل الذي نشاهده على المائدة، وليس أمام طعام وشراب غير ذي نكهة.

    حتى لو فكر الإنسان بالفاكهة وحدها سوف (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) (إبراهيم/ 32)، يدرك النعم العظيمة التي تظهر لنا. والإنسان الحي الضمير الذي يرى أنواعاً كثيرة من الفاكهة على طاولة الطعام سيفكر فيما يلي:

    ·       بأنّه من قلب تراب داكن تنبت فاكهة بألوان متعددة وشذى متنوع، ومحتويات نظيفة تماماً وكل واحد منها له طعم طيب. وهذا فضل عظيم منحه الله للناس.

    ·       وبأنّ الموز والتنغرين والبرتقال والبطيخ بنوعيه الأصفر والأحمر، وغيرها من الفواكه كلها مخلوقة في أغلفتها الخاصة بها، فقشرتها تحميها من التلف والفناء، وتحفظ لها شذاها، فبعد فترة قصيرة من تقشيرها تتحول الفاكهة إلى اللون الأسود وتفسد.

    ·       عند تفحصها واحدة واحدة يظهر أن كلّ نوع من أنواع الفاكهة له ميزة دقيقة. فالبرتقال والتنغرين مثلاً مقطعة؛ لأنها لو كانت قطعة واحدة لكان من الصعب تناول مثل هذه الفاكهة الكثيرة العصارة. لكن الله تعالى قد شكلها على هيئة شرائح من أجل راحة الناس. ومما لا جدال فيه أن هذا التصميم الرائع الخالي من النقائص الذي يلبي حاجاتنا، آية من خلق الله العملي سبحانه وتعالى.

    ·       والفراولة على سبيل المثال، فاكهة مميزة جدّاً بطعمها وشكلها. فبالأشكال التي عليها تبدو وكأنها صممت تصميماً فائق الدقة، وبلونها الأحمر المنعش المتوّج بأوراق خضراء، تشكل الفراولة واحدة من أسمى آيات الإبداع الرباني.. وحلاوة شذاها وطعمها ولكونها خالية من البذور الكبيرة ولا قشرة لها مما يسهل أكلها، فإنها تذكر الإنسان بفاكهة الجنة، وفي كونها تنبت بمعظم أجزائها في التراب، ثمّ يكون لها هذا اللون الجميل الملفت، دلالة عظيمة من الله تعالى الذي خلقها، فأظهر إبداعه وحكمته وعلمه فيما خلق.

    ·       ووجود أنواع مختلفة من الفاكهة في كل موسم موضوع آخر حري أن نتفكر فيه، ففضل ونعمة من الله على الناس أنه في فصل الشتاء الذي يكون الناس فيه بأمس الحاجة إلى فيتامين ج، توجد فاكهة غنية بهذا الفيتامين مثل التنغرين والبرتقال والغريب فروت، فيما تتوفر في الصيف أنواع الفواكه التي تطفئ العطش، مثل البطيخ بنوعيه الأحمر والأصفر، والدراق والكرز.

    ·       وقد أهدانا الله سبحانه وتعالى تلك الصورة الخلابة للفاكهة على إغصانها أو حيثما زرعت. فمنظر المئات من حبات الفاكهة على غصن جاف أشبه بالعظمة وهي مربوطة إليه بإحكام، ومملوءة بالعصارة من داخلها، وما يظهر منها وكأنّه جرى تلميعه بشكل خاص دليل آخر أن كل واحد من أنواعها قد خلقها الله. فعلى سبيل المثال عناقيد العنب تبدو وكأنها قد وضعت على أغصان الدوالي واحدة واحدة. والله تعالى قد خلق كل واحد منها بشكل فريد وشكّل لها مظهراً على الأغصان يجعلها تروق للناس. ولهذا السبب خلال وصف الجنة في القرآن يذكر الله أنّ الفاكهة فيها تكون جاهزة للقطاف، وذلك في قوله تعالى: (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا) (الإنسان/ 14).

    وبالطبع ما ذكر هنا هو غيض من فيض، فنعم الله أكثر من أن تحصى، ومن يدرك ذلك على مائدة الطعام يتذكر آية كريمة أخرى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل/ 17-18).

 

    المصدر: كتاب التفكُّر العميق

ارسال التعليق

Top