• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

القلب المتقي في القرآن الكريم

السيد عادل العلوي

القلب المتقي في القرآن الكريم

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج/ 32).

(ذلك) خبر لمبتدأ محذوف يعني (الأمر كذلك) أي القضيّة حقاً كذلك يكون بأنّه من يعظّم ويقدّس شعائر الله فإنّ ذلك من علامة تقوى قلبه، و(الشعائر) جمع شعيرة بمعنى العلامة، فـ(شعائر الله) العلائم التي وضعها الله لتذكّر الإنسان بربّه:

(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (البقرة/ 158).

(وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (الحج/ 36).

فالجبل المنسوب إلى الله، والجمل المنسوب إلى الله يكون من شعائر الله، وكلّ شيء ينسب إليه سبحانه فهو علامة تشير إلى عظمته وصفائه وأسمائه الحسنى، فتعظيم وتقديس واحترام وتقدير شعائر الله سبحانه، وشعائر أنبيائه وأوليائه الكرام (عليهم السلام)، ذلك كلّه من تقوى القلوب، ثمّ إضافة التقوى إلى القلوب يعني أنّ حقيقة التقوى والاجتناب والاحتراز عن محارم الله عزّ وجلّ وغضبه إنّما هو أمر معنوي يقوم بالقلب والنفس والروح المدبّرة للبدن، فليست التقوى قائمة بالأعمال الجوارحية لأنّها تشترك بين الطاعة والعصيان، فإنّ لمس البدن في النكاح المحلّل والمحرّم واحد، وقتل النفس في الجناية والقصاص واحد، والصلاة قربةً ورياءً واحدة، وإنما كان أحدهما حلالاً طيباً صالحاً دون الآخر، إنّما هو باعتبار أمر معنوي وباطني، وهو تقوى القلب أو عصيانه.

فإذا وضع الله علامة فعلينا أن نطيعه ونقيم علائمه ونعظّم شعائره، فإنّ ذلك من حقيقة العبودية، ومن أتى بالواجبات الإلهية وترك المحرّمات وتورّع عن المآثم وتحرّز عن غضب الله، فإنّ ذلك من تقوى القلوب.

عن الإمام الرضا (ع)، قال: الإيمان فوق الإسلام درجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين العباد شيء أقلّ من اليقين.

يدلّ على أنّ التقوى أفضل من الإيمان وأعلى درجة، والتقوى من الوقاية وهي لغةً: بمعنى فرط الصيانة، واصطلاحاً: صيانة النفس عمّا يضرّها في الآخرة، وقصرها على ما ينفعها فيها، ولها مراتب ثلاثة:

الاُولى: وقاية النفس عن العذاب المخلّد بتصحيح العقائد الإيمانية.

والثانية: التجنّب عن كلّ ما يؤثم من فعل أو ترك، وهو المعروف عند أهل الشرع.

والثالثة: التوقّي عن كلّ ما يشغل القلب عن الحق، وهذه درجة الخواصّ بل خاصّ الخاصّ.

والمراد هنا أحد المعنيين الأخيرين وكونه فوق الإيمان بالمعنى الثالث ظاهر على أكثر معاني الإيمان، وإن أُريد المعنى الثاني فالمراد بالإيمان إمّا محض العقائد الحقّة أو مع فعل الفرائض وترك الكبائر بأن يعتبر ترك الصغائر أيضاً في المعنى الثاني. وقيل: باعتبار أنّ الملكة معتبرة فيها لا فيه، ولا يخفى ما فيه.

قال بعض المحقّقين: اعلم أنّ العلم والعبادة جوهران لأجلهما كان كلّما ترى وتسمع من تصنيف المصنّفين وتعليم المعلّمين ووعظ الواعظين، بل لأجلهما أُنزلت الكتب وأُرسلت الرسل، بل لأجلهما خلقت السماوات والأرض وما فيهما من الخلق، وناهيك لشرف العلم قول الله عزّ وجلّ:

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق/ 12).

فمن علم بقدرة الله وبعلمه المحيط سيتّقي الله في كلّ الأحوال. ولشرف العبادة قوله سبحانه:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات/ 56).

فحقّ للعبد أن لا يشتغل إلّا بهما، ولا يتعب إلّا لهما، وأشرف الجوهرين العلم، كما ورد عن الرسول الأكرم (ص): "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم".

والمراد بالعلم هو الدين، أعني معرفة الله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قال الله عزّ وجلّ:

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) (البقرة/ 285).

وقال تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا) (النساء/ 136).

ومرجع الإيمان إلى العلم وذلك لأنّ الإيمان هو التصديق بالشيء على ما هو عليه، ولا محالة هو مستلزم لتصوّر ذلك الشيء كذلك بحسب الطاقة، وهما معنى العلم، والكفر ما يقابله وهو بمعنى الستر والغطاء، ومرجعه إلى الجهل، وقد خصّ الإيمان في الشرع بالتصديق بهذه الخمسة ولو إجمالاً، فالعلم بها لابدّ منه وإليه الإشارة بقوله (ص): "طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ ومسلمة"، ولكن لكلّ إنسان بحسب طاقته ووسعه:

(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) (البقرة/ 286).

فإنّ للعلم والإيمان درجات مترتّبة في القوّة والضعف والزيادة والنقصان بعضها فوق بعض، كما دلّت عليه الأخبار الكثيرة.

وذلك لأنّ الإيمان إنما يكون بقدر العلم الذي به حياة القلب، وهو نور يحصل في القلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الله جلّ جلاله:

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (البقرة/ 257).

(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) (الأنعام/ 122).

وليس العلم بكثرة التعلّم، إنّما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه.

وهذا النور قابل للقوّة والضعف والاشتداد والنقص، كسائر الأنوار:

(وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) (الأنفال/ 2).

(وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه/ 114).

كلّما ارتفع حجاب عن القلب ازداد نوراً، فيقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره، فينشرح صدره، ويطّلع على حقائق الأشياء، وتتجلّى له العيوب، ويعرف كلّ شيء في موضعه، فيظهر له صدق الأنبياء (عليهم السلام) في جميع ما أخبروا عنه إجمالاً وتفصيلاً على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكلّ مأمور، والاجتناب عن كلّ محظور، فيضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة:

(نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) (التّحريم/ 8).

(نُورٌ عَلَى نُورٍ) (النّور/ 35).

وكلّ عبادة تقع على وجهها المطلوب فإنّها تورث في القلب صفاءً يجعله مستعدّاً لحصول نور فيه وانشراح ومعرفة ويقين، ثمّ ذلك النور والمعرفة واليقين تحمله على عبادة أخرى، وإخلاص آخر فيها يوجب نوراً آخر وانشراحاً أتمّ ومعرفة أخرى ويقيناً أقوى، وهكذا إلى ما شاء الله جلّ جلاله، وعلى كلّ من ذلك شواهد من الكتاب الكريم والسنّة الشريفة.

قال الإمام الكاظم (ع) في حديث لهشام: قال عيسى بن مريم... يا عبيد السوء، اتّخذوا مساجد ربّكم سجوناً لأجسادكم وجباهكم، واجعلوا قلوبكم بيوتاً للتقوى، ولا تجعلوا قلوبكم مأوىً للشهوات، إن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حبّاً للدنيا، وإنّ أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا.

 

المصدر: كتاب حقيقة القلوب في القرآن

ارسال التعليق

Top