• ٣٠ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٤ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

المؤمن الرسالي

المؤمن الرسالي

(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس/ 20-27).

 

المسؤولية الرسالية

أراد الله (سبحانه وتعالى) للمؤمنين جميعاً أن يكونوا رساليين، يحملون هَمّ الدَّعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح، واعتبر ذلك جزءاً من هُويّتهم وشخصيّتهم ومظهراً من مظاهر الإيمان الحقيقي: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 71).

والولاية بين المؤمنين والمؤمنات - كما جاء في الآية السابقة - تعني أنّه ليس من حقِّ أحدنا أن يغضب إذا وُجِّهَت إليه النصيحة، أو إذا نُبِّه إلى خطأ يرتكبه، أو نُهي بالأسلوب المناسب عن معصيةٍ يفعلها، أو أُمِر بالتزام أمرٍ واجبٍ قد تركه.. كما لا يصحّ أن يقول لناصحه: «هذا ليس من شأنك»، بل واعتبر الله (سبحانه وتعالى) أنّ الأُمّة الإسلامية إنّما تكون خير الأُمم حين تلتزم بالحالة الرسالية، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) (آل عمران/ 110).. وهي بالتالي تفقد هذا الموقع المُتقدِّم وتتقهقر حين يتخلّى كلّ فردٍ منّا عن مسؤوليته الرسالية، ويعتبر أنّها من مسؤولية علماء الدِّين فقط، بينما لم يُحدِّدها القرآن بهذه الدائرة.

 

الإنسان الرسالي

وقَدَّمَ القرآن الكريم عدّة نماذج للشخصية المؤمنة الرسالية، التي لا تشعر بالراحة حين تجد الضلال والفساد والباطل يسود في المجتمع، حتى ولو حفظت نفسها عن كلّ ذلك، لأنّ الإنسان الرسالي ينظر لنفسه كفرد ضمن مجموعة، وأيّ خلل في المجتمع لابدّ وأن يترك أثره عليه، أو على أقرب الناس إليه، فكيف يسمح للخلل بأن يستمر ويتمدَّد؟ هذا بالإضافة إلى أنّ الله (سبحانه وتعالى) قد ألزم كلّ مؤمن بأن يتحمّل مسؤولياته تجاه المجتمع.

ومن هذه النماذج قصّة ذلك الرجل المؤمن الذي جاء مُسرِعاً وبهمّة عالية ومن أبعد موقع من المدينة حين عَلِم بأنّ ثلاثةً من المرسلين قد كُذِّبوا، وواجههم الناس بالتهديد والوعيد، بدلاً عن شُكرهم والأخذ بنصائحهم.

وهكذا بدأ هذا الرجل محاولاته لتغيير موقف أهل المدينة من المرسلين، وإقناعهم بأنّ مصلحَتهم في اتّباع ما جاءوا به، وأنّهم لم يطلبوا لأنفُسهم أيّ شيء.. لا مال، ولا شُهرة، ولا مقام.. فالدافع وراء هذه الدَّعوة هدايتهم إلى توحيد الله والعمل الصالح، وفي كلّ ذلك خير لعاقبة الإنسان في الآخرة.

وصار يُبيِّن لهم أنّ الشِّرك بالله اتّباع للوَهْم والباطل، فالخالق هو الله، ومُدبِّر الأُمور ومَن بيده كلّ شيء هو الله، لا هذه المعبودات التي يُشركون بها مع الله، لأنّها إمّا أن تكون من نسج مخيّلتهم، أو مخلوقات حقيقية كالملائكة، أو الكواكب والنجوم، أو الشمس، أو بعض الكائنات الحيّة كالعجل والأفعى.. وكلّها لا تملك قوّةً ذاتية بحيث تفعل ما تشاء، بل هي مخلوقات تكتسب قدرتها من عندِ الله، ولو أراد الله بالإنسان ضرّاً لم يكن لهذه المخلوقات أن تفعل شيئاً يُعارِض إرادة الله، أو يحدّ من قدرة الله.

فماذا كان موقف أهل تلك المدينة؟ لقد أقدموا على جريمة كبرى حين عَدوا على ذلك الرجل فقتلوه، لأنّهم ما كانوا يملكون الدليل والمنطق للردّ على كلامه، ووجدوا أنّ أسهل طريقةٍ لمواجهته هي بالتخلُّص منه!

ويخبرنا الله (عزّوجلّ) أنّه وعلى الرغم ممّا تَعرَّض له هذا الرجل المؤمن الرسالي من أذىً بلغ حدّ القتل، إلّا أنّه - وبقلبه الكبير وحبّه الخيرَ للناس - بقي خائفاً على المصير البائس الذي ينتظر قومه، مُتألِّماً من موقفهم المعاند، مُتمنِّياً لو أنّهم صَدَّقوه واتَّبعوا المرسلين، ومُتحسِّراً على سوء اختيارهم الذي سيقودُهم في نهاية المطاف إلى نزول العذاب عليهم في الدُّنيا: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) (يس/ 28-29)، ثمّ لِمَا سيلاقونه في الآخرة من عذابٍ شديد.

هكذا أراد الله (عزّوجلّ) للمؤمنين أن يكونوا مثل هذا الرجل الرسالي، أصحابَ قلوبٍ كبيرة، يحبّون الخيرَ للناس، ويَسعَون للإصلاحِ في مجتمعاتهم، ويُضحّون في هذا الطريق، ويتحمَّلون في سبيله الأذى، لأنّه الطريق الذي يحبُّه الله، وهو طريق الأنبياء والمرسلين.

ارسال التعليق

Top