• ١٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

المجتمع المتوازن.. عبادياً

د. محمود البُستاني

المجتمع المتوازن.. عبادياً

إنّ التوازن العبادي لا يفترض خلوّ الحياة المشتركة من الشدائد بل يقترن بها غالباً: نظراً لطبيعة التجربة العبادية التي تتطلب عملاً جادّاً يصارع قوى الشر داخل النفس وخارجها، ولذلك فإن سمات المجتمع الإسلامي تظل في شطر منها ملامح رجال (أشداء) على الكفار وسائر قوى الشر، وفي شطر منه ملامح رجال (رحماء) فيما بينهم...

وإذا كانت ملامح (الرجال الرحماء) فيما بينهم تتمثل في العلاقات الخاصة والعامة، فإنّ ملامح (الرجال الأشداء) على قوى الشر، يمكن رسمها وفق ما يلي:

 

العلاقات الداخلية:

يواجه الإسلاميون في حياتهم المشتركة فيما بينهم شدائد متنوعة إلا أنهم يتجاوزونها من خلال مصارعة قوى الشر داخل أعماقهم من جانب ويتجاوزونها من خلال (الصمود أو الصبر) من جانب آخر...

كلّ واحد منهم يحاول عدم إيذاء الآخر، ويؤثره على نفسه، ويسامحه إذا ألحق به الأذى، ويتسابق إلى الاعتذار إذا أصدر منه الأذى...

هذه الآليات من السلوك تتطلب (جهاداً) و(صراعاً) مع قوى الشر داخل أعماقهم، فالإيثار يعني: مصارعة الحاجات النفسية كـ(حب المال أو الراحة أو العلوّ إلخ..) وحينما يتغلب الإسلاميون على (هوى النفس) حينئذٍ يكونون قد مارسوا عملية الجهاد دون أدنى شك...

إنّ كلّ واحد منهم يهرع إلى مساعدة الآخر: فيجوع ليشبع غيره، ويجهد جسميّاً ونفسيّاً ليسعد غيره، وهكذا... إنهم من أنفسهم في تعب، والناس منهم في راحة...

وهذا المبدأ هو الآلية الاجتماعية التي تطبع المجتمع الإسلامي، حيث تعني أنّ الشدة أو التعب هي السمة الاجتماعية للإسلاميين: من حيث علاقات بعضهم مع الآخر...

ومن حيث علاقاتهم مع القوى الخارجية، تظل آلية (الصمود) أو (الصبر) هي السمة التي تطبعهم، إنّهم يواجهون شدائد الفقر والمرض والكوارث الطبيعية إلخ بالصبر عليها وبالصمود حيالها، كالجبل الذي لا يستغلّ...

ومن الواضح، أنّ مواجهة الشدائد من خلال مصارعة قوى الشر ومواجهة الشدائد من مرض وفقر إلخ... مواجهة ذلك بالصمود: تحقق توازناً عباديّاً ينجم من الإحساس بممارسة ما هو مطلوب عباديّاً بغضّ النظر عن اقترانها أو خلوّها من الشدة...

والأمر نفسه فيما يتصل بالشدائد التي تواكب المجتمع الإسلامي في:

 

العلاقات الخارجية:

ونقصد بها الشدائد التي يواجهها المجتمع الإسلامي قبالة الأعداء. الإسلاميون يمارسون عملية (جهاد) مستمر حيال قوى الشر الخارجية...

إنّهم يحملون السلاح ويتجهون إلى سوح الجهاد، لا يستريحون من معركة تفرض عليهم حتى يتجهوا إلى معركة جديدة يفرضها العدو، يجاهدون في سبيل الله صفّاً كأنهم بنيان مرصوص، يستبشرون بالموت، ينتظرون إحدى الحسنيين الشهادة أو النصر، يعانون الشدائد المتنوعة، من قهر وتشريد وسجن وتعذيب وتمثيل إلخ...

إنّهم كذلك منذ أن نشأ مجتمعهم الإسلامي، مروراً بمواجهتهم لمختلف مجتمعات الأرض المعادية لهم طوال التاريخ، وانتهاءً بحياتنا المعاصرة، حيث تظل سمة الجهاد والصبر حيال الشدائد هي التي تطبع مجتمعهم...

ومع أنهم يعانون الشدائد من قبل أعدائهم، ومع أنهم أشداء عليهم في المعارك، إلا أنّهم (رحماء) عليهم في سياقات إنسانية، إنّهم لا يجهزون على قتيل ولا يتعقبون فارّاً من المعركة ولا يقتلون الأسير، ولا يمثّلون بعد، ولا يغدرون بمستأمن، ولا ينقضون الميثاق مع العدو... إلخ.

هذه هي سمات المجتمع (الشديد) على العدو، و(الإنساني) في تعامله في الآن ذاته... ومن قبل لحظنا ملامحه المرتبطة بمواجهة الشدائد، ملامح (الصمود) حيالها... وقبل ذلك لحظنا ملامحه المرتبطة بعلاقات بعضه مع الآخر، حيث يتميز رجاله بكونهم (رحماء) فيما بينهم... وهذه الملامح جميعاً لا تنفصل عن ملمح آخر هو:

 

المجتمع المتعبد:

هذا المجتمع (المتراحم) فيما بينه، (الصابر على الشدائد)، (الشديد) على عدوّه، (الإنساني) حياله في حالة ضعف العدو، (الملتزم) بمواثيقه في حالة الهدنة.. هذا المجتمع إنما يمارس هذه العلاقات، انطلاقاً من الالتزام بمبادئ الله تعالى، وفي مقدمة هذه المبادئ: التواصل المباشر مع الله تعالى متمثلاً في صلواته ودعاءاته و... إلخ، إن أفعاله الاجتماعية لا تنفصل عن (علاقاته المباشرة) مع الله تعالى، ... إنّه المجتمع (المقاتل) في النهار، ولكنه (القوّام) في الليل، إن رجاله يمارسون الصلاة (جماعة) تعبيراً عن وحدة العلاقة الإسلامية حتى في حالة انشغالهم بالمعركة يصلّونها (قصراً) مع احتفاظهم بالسلاح...

إنّ أصوات صلواتهم تتعالى حيث يصلّون الصلوات المندوبة (مجتمعين) وليس (جماعة) إنّهم يجتمعون في خيمة المعركة ليلاً، منتهزين هذه الفرصة حتى لا ينفصلوا لحظة عن الله تعالى، ... مع كونهم (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح/ 29)، إنّ (سيماء) هؤلاء الرجال وصلتها بالسجود، مضافاً إلى مطلق ركوعهم وسجودهم وابتغائهم فضلاً من الله ورضواناً تعدّ ملامح تعبدية تميّز المجتمع الإسلامي عن سواه من حيث كونه يتعامل مع الله، ومن حيث كون (تعامله الاجتماعي) في نطاق علاقاته الداخلية والخارجية لا ينفصل عن التعامل مع الله تعالى أيضاً، ... إنها جميعاً تمثّل "شبكة": يقف على هرمها (تعاملهم مع الله) – أي ممارسة مطلق السلوك من أجل الله تعالى – ويقف في صدارتها (تعبّدهم) لله تعالى، ويقف في قاعدتها: نفس الفعل الاجتماعي المتمثل في علاقات المسلمين بعضهم مع الآخر، وفي علاقاتهم الخارجية، وفي علاقاتهم مع مطلق ما يحيط بهم...

إذن: المجتمع الإسلامي (في نطاق الملتزمين بمبادئ الله تعالى) تتجسّد ملامحه في كونه: مجتمعاً (متعاملاً مع الله تعالى)، (متعبّداً) له تعالى، (متراحماً) فيما بين منتسبيه، (شديداً) على العدو، إنسانيّاً في تعامله (صابراً) على شدائد الحياة، متحملاً مسؤوليته الاجتماعية، مجاهداً في تحقيق ذلك... ومن ثمّ، يحيا (متوتراً) و(متوازناً) في آنٍ واحد، متوتراً من حيث تحمّله للمسؤولية، متوازناً من حيث ممارسته للطاعة، فضلاً عن كونه (متوازناً دنيويّاً) من حيث المعطيات المترتبة على نمط تعامله مع الجماعات الأولية أو الثانوية التي تطبعها سمة (التعاون) على البرّ والتقوى...

 

المصدر: كتاب الإسلام علم الاجتماع/ موسوعة الفكر الإسلامي (3)

ارسال التعليق

Top