• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

تنمية القراءة لدى الأطفال

تنمية القراءة لدى الأطفال

في عصر الإلكترونيات والألوان الصارخة.. وفي الوقت الذي تلتهم فيه ألعاب الفيديو والكمبيوتر أوقات الأطفال، وقدراتهم.. ومع انشغال الأسرة وغياب القدوة في شكلها التربوي الملائم.. ولأنّنا أمة كتاب.. يصبح السؤال الهام هو: كيف يمكننا تنمية عادة القراءة عند الأطفال؟ وكان هذا اللقاء مع الأستاذة الدكتورة فايزة يوسف عبدالمجيد، عميدة معهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس بالقاهرة..

·      هناك من ينادي بإقصاء (الفصحى الصريحة) من كلّ كتابات الأطفال بحجة أنّ أدب الأطفال لا تصلح له إلا "لغة الطفل" فما هي لغة الطفل وما الفارق بينها وبين الفصحى؟

-         لغة الطفل ما هي إلا فصحى مُحَرّفة، أو هي الفصحى في ثوبها العامي.. وبالتالي فإنّ لغة الطفل التي ينادي بها البعض ليست لغة منفصلة عن لساننا العربي القويم المبين.. وهنا خطأ كبير أحب أن أنبه عليه.. وهو اعتماد الكثير من كُتّاب الأطفال على التقرير الذي قدمه المرحوم الأستاذ إسماعيل القباني – وكان مستشاراً فنياً لوزارة المعارف – في عام 1947 والذي جاء فيه "علينا أن نتخذ لغة الأطفال من العامية كوسيلة للتعليم في أوّل الأمر في مرحلة الرياض والمدارس الأولية.. ونبذل بعد ذلك بعض العناية لتهذيب هذه اللغة العامية بالتدريج وتزويد الطفل بالكلمات العربية الصحيحة بين الحين والحين".. هذا خطأ فاحش.. فاللغة العربية – لغة القرآن – قد يسرها الله تعالى للذكر، ولكن يجب أن تكون متفقة مع القاموس اللغوي للطفل في مراحله التربوية المختلفة.. وأن تقدّم بطريقة ملائمة لمداركه.. سواء كانت قصصاً أو أناشيد أو غير ذلك من أدب الطفل.

·      إذن ليست هناك هذه الفجوة التي يتعلل بها البعض ما بين لغة الأطفال واللغة الفصحى؟

-         هذا أمر غريب.. وخطأ تربوي فاحش أن نربي الطفل على مخاصمة لغته.. أو على أقل تقدير، على التهيب منها.. وإذا كانت فترة الذاكرة الذهبية للطفل في هذه المرحلة تتسع لحفظ كتاب الله تعالى – بكلِّ ما فيه من فصاحة وبيان – فكيف لا تتسع هذه القدرات الذهنية لاستيعاب بعض كلمات القصص أو الأناشيد.

وأحب أن أقول لك.. إنّ الكتابة للأطفال لا يجب أن يلجها إلا الموهوبون من الأدباء.. فهي أصعب أنواع الكتابة الأدبية.. لأنها تجمع كلّ المواهب في الأديب لغوياً وتربوياً وفنياً.. ومن المعروف أنّ "التعليم في الصغر كالنقش في الحجر"..

والعالمون بلغتنا يعلمون أنّ هناك آلاف الألفاظ التي يستخدمها الطفل بصورة عامية وهي فصيحة أصلية.. مثل "حكاية – حلاوة – بصّ – شاف – طيارة – حمامة – بطة – صبح – جمل – باب – كتاب – عسكري.. إلخ".

وهناك كلمات قليلة لها وظيفة أساسية في الاستخدام اللغوي، ولا يمكن الاستغناء عنها، وقد رأى التربويون أن تستخدم في ثوبها الفصيح، دون غيرها من العامية، وليس عسيراً على الأطفال أن يدربوا على استخدامها في ثوبها الفصيح (هذا – هذه –التي – الذين – نحن – ماذا – لماذا) كما يجب أن نستخدم كلمة "أيضاً" بدلاً من "كمان" "وبعد ذلك" بدلاً من "بعدين" وهكذا..

وهذه ليست مشكلة صعبة.. باختصار ليست هناك فجوة على الإطلاق بين لغة الأطفال والفصحى.. إنما الفارق في مواهب الذين يكتبون، ولا يدركون القاموس اللغوي للطفل، ولا كيفيته في تركيب الجملة.

 

المشكلة والحل:

·      هناك أيضاً بعض الصعوبة في نطق لغتنا بسبب وضع الكلمة في سياقها من الإعراب.. خاصة ولغتنا لغة صوتية.. فما الحل؟

-         الحل بسيط جدّاً.. وهو أن يتم (الضبط بالشكل) في كلِّ ما يكتب للطفل.. وهذا له الأثر الأكبر في تقويم لسان الطفل.. وتربيته اللغوية السليمة.. وبعد ذلك سيجد أنّ علوم النحو والصرف ما هي إلا تطبيق لصحة النطق التي تعلمها منذ الصغر، وإذا كانت هناك بعض الاستثناءات كالتنوين أو غيره فإنّ ذلك يتم التدريب عليه في دروس التهجي والإملاء خلال سنوات التعليم الأولى، ودون ذلك سوف تتعطل القدرة اللغوية للأطفال كثيراً.

·      وكيف يمكننا تنمية عادة القراءة عند الأطفال؟

-         تنمية عادة القراءة عند الأطفال لابدّ أن تبدأ من البيت، منذ السنوات الأولى في حياة الطفل، ولابدّ أن نحبب الطفل إلى الكتاب، ونحبب الكتاب إلى الطفل، فنشجع فيهم امتلاك الكتب، وتصفحها واحترامها.. وهناك العديد من الوسائل والأساليب للنجاح في هذه المهمة، وهي تختلف من أسرة إلى أسرة، ومن طفل إلى آخر.

مثلاً.. يجب أن تحتوي مكتبة الأسرة على ركن خاص بالأطفال، وأن يضع كتبه في هذا الركن بنفسه، ولا تدري كم تمثل هذه العملية من أبعاد نفسية عند الطفل، فغريزة حب التملك مسألة أثيرة عند الطفل، كذلك يمكن أن نشتري له بعض الألعاب على شكل كتاب ليألف هذا الشكل ويتعود عليه.. وأهم من هذا بعد أن يتعلم الطفل القراءة والكتابة أن نتخيّر له الجذاب والجميل والمفيد من الكتب.. وحبذا لو قمنا بحكاية القصة التي يحتوي عليها الكتاب قبل أن يقرأها بأسلوب جذاب.. فسوف يكون الطفل سعيداً ونهماً عند قراءة القصة التي سمعها من أبويه..

كذلك يجب تشجيع الطفل على القراءة.. ومنحه الجوائز والمكافآت على كلِّ جديد في قراءته.. وتشجيعه على المساهمة في مكتبة المعهد أو المدرسة، ودفعه بأسلوب غير مباشر على الاشتراك في أندية ومسابقات القراءة في مدرسته أو معهده.. كما أنّ هناك نصيحة "مجرّبة" لكلِّ من يريد أن يألف ولده القراءة وأن يكون الكتاب قريباً من نفسه.. ألا وهي مصاحبة الطفل "للمصحف الشريف" منذ الصغر.. هذه "الهدية".. سوف تجعل للكتاب مكاناً خاصاً ومكان خاصة في نفس الطفل.. بل سترفع الكتاب والقراءة فيه إلى مرحلة القداسة فيما بعد..

 

د. فايزة يوسف/ عميدة معهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس

المصدر: مجلة المجتمع/ العدد 1205 لسنة 1996م

ارسال التعليق

Top