• ٢٧ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٤ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

دور القيم التربوية في بناء المجتمع المسلم

السيد مهدي الرباني*

دور القيم التربوية في بناء المجتمع المسلم

لا شكّ أنّ التصور الذي يحمله الإنسان ونظام القيم الذي يرتبط به، يترك أثره في سلوكه سلباً أو إيجاباً، وينعكس ذلك الأثر – بطبيعة الحال – على سير المجتمع وبناء الحضارة برمته.. فما هي آثار القيم الإسلامية في بناء الشخصية وبناء المجتمع؟

نجيب على هذا السؤال من خلال محورين:

 

أ‌-       آثار القيم التربوية الإسلامية في الشخصية الإنسانية:

تعريف الشخصية:

عرف بعضهم الشخصية: بأنها "وحدة متكاملة الصفات والمميزات، الجسمية والعقلية والاجتماعية والمزاجية التي تبدو في التعامل الاجتماعي للفرد، والتي تميزه عن غيره من الأفراد تمييزاً واضحاً، فهي تشمل دوافع الفرد وعواطفه وميوله واهتماماته وسماته الخلقية وآراءه ومعتقداته، كما تشمل عاداته الاجتماعية وذكاءه ومواهبه الخاصة ومعلوماته وما يتخذه من أهداف ومُثل وقيم اجتماعية". وقد عرف علم النفس الشخصية بأنها: "نظام متكامل من مجموعة من الخصائص الجسمية والوجدانية النزوعية والإدراكية التي تعين هوية الفرد وتميزه عن غيره من الأفراد تمييزاً بيناً".

إذا تأملنا هذين التعريفين تبين لنا أنهما يرتكزان على البعد الذاتي الفردي الذي يجعل كلّ فرد من الأفراد في إطار مجتمع معيّن يتميز عن غيره من الأفراد في مجموعة من السمات والخصائص المتصلة بمختلف جوانب الشخصية. والذي أريد أن أبينه هنا في حديثي عن أثر القيم التربوية في بناء الشخصية، هو تلك الخصائص العامة التي يصنعها الإسلام بطبيعة الفلسفة التي يقدمها للإنسان، والقيم التي يدخلها إلى بنائه النفسي، بحيث كلّ فرد من أفراد المسلمين مهما تكن خصائصه، الوراثية الجسمية، البيولوجية والفيزيولوجية، فإنّه يأخذ حظه من الآثار التي تولدها التربية الإسلامية في شخصيته، والتي يصبح بفضلها كائناً يجمعه قاسم مشترك مع غيره من الأفراد داخل نفس المجتمع.

إنّ أوّل شيء تثمره القيم التربوية الإسلامية في البناء الشخصي للإنسان المسلم هو تقوية صلته بالله عزّ وجلّ، إلى الدرجة التي تجعله يراقبه في السر والعلن، في كلّ حركاته وسكناته، فهو لا يقدم على شيء إلا وهو يراعي حرمة الله ويرجو له وقاراً.. ومعنى ذلك أنّ المسلم في علاقته بربه، يستشعر الخشية والخوف منه، في نفس الوقت الذي يتوجه إليه بالرجاء.. وذلك الخوف وهذا الرجاء يملآن قلبه بشعور عارم من التحرر من جميع المخاوف، لأنّه يشعر بقوة أنّ الله وحده هو مالك أمره ومقرر مصيره، وإليه يرجع الأمر كله، هو الذي يملك تبارك اسمه أن يضره وأن ينفعه، أما غيره فأسباب عرضية ليس لها من الأمر شيء. وهكذا فإنّ المسلم الذي يتشبع بقيم الإسلام يتحرر من الشعور بالخوف على الحياة، أو الخوف على الرزق، أو الخوف على المكانة والمركز، فالحياة بيد الله، ليس لمخلوق قدرة على أن ينقص هذه الحياة ساعة أو بعض ساعة: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) (التوبة/ 51).

وهنا، نؤكد على أنّ هذه الثمار الطيبة للقيمة الإيمانية، رد قاطع على من يخوضون في الأمور بغير علم ولا كتاب منير، فيدعون أن أسلوب الدين الإسلامي في زرع الخوف من الله ومن الحساب في الآخرة يتعارض مع بناء الشخصية الحرة النامية المستقلة. فهؤلاء الأشخاص ينكرون ضرورة توفر عنصر الخوف في التربية، لارتباط ذلك بطبيعة الإنسان. وإذا كان لابدّ من الخوف، فليكن ممن بيده ملكوت كلّ شيء، ولنسد أبواب الخوف بعد ذلك.

وليس هذا ما يقرره المؤمنون بالدين فحسب، بل هذا ما يعترف به المنصفون من المتدينين والمنكرين على السواء. فمن الملحدين من يرى الدين خرافة، ولكن الخرافة لا تستقيم بدونه، ويقول الأديب الفرنسي الشهير "فولتير" ساخراً: "لم تشككون في الله، ولولاه لخانتني زوجتي وسرقني خادمي"، ويقول ثالث: "إني لا أعتقد في وجود جهنم، ولكن أعتقد أنّ الفكرة عنها قد باعدت بين كثير من الناس، وبين ارتكاب الشر".

إنّ من الآثار الواضحة لصلة الإنسان بربه، ذلك التركيز لفكر الإنسان وجهوده وطاقاته حول محور واحد هو الولاء لله ولرسوله وملة الإسلام، فهذا التركيز هو الدرع الواقي من التشتت والانشطار الذي يضرب الذات بعنف في غياب الإيمان بالله. وتزداد المسألة وضوحاً إذا أخذنا بعين الاعتبار خصائص مرحلة الشباب، التي يفيض فيها الأفراد حيوية وعنفواناً، مما يولد لديهم ميلاً جارفاً إلى الاندفاع والإنفعال والمجازفة، ومن هنا فهؤلاء الشباب في حاجة إلى كثير من التروي والتحلي بالصبر والاتزان في اتخاذ المواقف.

وإذا كانت القيم التربوية الإسلامية وعلى رأسها القيمة الإيمانية، تترك أثرها في النفس والجسم، طمأنينة وسكينة، فإنّها في ترابط عضوي مع تلك الآثار، تخلف أثرها الواضح في عقل الإنسان المسلم بفضل ذلك النسيج المحكم من الحقائق التشريعات وأنماط السلوك التي يتصل بها كيان المسلم. يقول د. عماد الدين خليل مشيراً إلى ذلك التحول النوعي الذي طرأ على عقل المسلم لدى اتصاله بالقرآن: إن "نسيج القرآن نفسه، ومعطياته المعجزة، من بدئها حتى منتهاها، في مجال العقيدة والتشريع والسلوك والحقائق العلمية، تمثل نسقاً من المعطيات المعرفية كانت كفيلة، بمجرد التعامل المخلص الذكي المتبصر معها، أن تهز عقل الإنسان وأن تفجر ينابيعه وطاقاته، وأن تخلق في تركيبه خاصية التشوق المعرفي لكل ما يحيط به من مظاهر ووقائع وأشياء.

إنّ أثر القيم الإسلامية في الشخصية لا يخص، كما سبقت الإشارة إليه، جانباً من جوانب النفس دون الأخرى، بل إنّ ليهيمن عليها حتى لا يدع دقيقة من دقائقها، إن تلك القيم الشاملة لا تجعل المسلم صادقاً في معاملاته وممارساته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية، متعاوناً فيها على البرّ والتقوى، عفيفاً معتدلاً في تعامله معها وحسب، ولكنها لتنفذ إلى أعماق نفسه فتغرس فيها رهافة في الحس وشفافية في الذوق والضمير.. بحيث تصوغ الشخصية الإنسانية صياغة ربانية تمس كلّ موطن من مواطنها، وتهز كل وتر من أوتارها، لينخرط الإنسان بكل كيانه وطاقاته في رفع البناء الذي أمره الله برفعه، على هدى من الله.

 

ب‌-  أثر القيم التربوية في بناء المجتمع والحضارة:

لقد رأينا في المحور السابق كيف أنّ القيم التربوية الإسلامية قد صنعت من الأفراد الذين تشبعوا بها كائنات فذة، تحمل من عناصر القوة والحيوية ما استطاعوا بفضله أن يواجهوا تبعات الحياة ومشاق السير في دروبها الوعرة... فإذا كان المجتمع ليس في حقيقته سوى مجموعة الأفراد الذين يتألف منهم، فمعنى ذلك أننا بإزاء مجتمع متماسك البنيان، راسخ الأركان، سائر إلى الأمام، مضطرد النمو، لأنّ الإسلام يعتمد في بنائه للمجتمع على أفراد أقوياء النفوس ممتلئين بالعزم والقدرة على الثبات. فكلما كان الطابع الغالب على المجتمع طابع هؤلاء الأفراد الأفذاذ، كلما  كانت شبكته الاجتماعية شبكة متينة الإحكام.

ومن هنا نخلص إلى الحقيقة التي يقررها القرآن في قضية التغيير الحضاري، وهي أنّ الإنسان هو الأساس في ذلك التغيير، مصداقاً لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرّعد/ 11).. فسنة البناء والتغيير تمر من خلال جهد البشر وتفاعلاتهم. وحديث رسول الله (ص): "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". هذا الحديث يعرض لنا صورة المجتمع الإسلامي في غاية التضامن والترابط والتساند، حتى لكأنهم كالجسد الواحد الذي يتأثر مجموعة بتأثر أي عضو فيه.

وحتى لا يصيب التخلخل ذلك البنيان، فإن هناك جهازاً دقيقاً يحرسه داخل كلّ فرد مسلم، إنّه جهاز المحاسبة للنفس.. هناك النفس اللوامة التي أقسم بها العزيز الجبار، لعلوها وعظم شأنها، ولضرورتها في استمرار الحياة سليمة، واستمرار مجراها هادئاً صافياً من الأكدار.. فالكدورات التي ترين على المجتمع وتهز بناءه، إنما مصدرها النفوس التي تأصلت فيها أدواء الأنانية والأثرة، والكذب والحسد والخيانة.. فإذا ما خلصت النفوس من تلك العلل والأمراض، فإنّ أفراد المجتمع يكونون متعاونين على البرّ والتقوى، أي على كلّ ما تصلح به الحياة وتسعد به النفوس، من جلب للمصالح والمنافع والخيرات التي تخدم المجتمع في حركته نحو تحقيق أهدافه.. فسياسة الأمة وتسيير دواليبها وأجهزتها في ميادين التعليم والقضاء والزراعة والتجارة والصناعة، لا مفر لها من الاعتماد على رصيد القيم التربوية.

إنّ المجتمع المسلم لا يتألف من أفراد متقوقعين على أنفسهم، مستغرقين في ذواتهم، لأنهم يدركون أن ذلك يتنافى مع الغاية من الوجود التي لا تتحقق بغير التعاون واستشعار آصرة الأخوة. لقد حدد الإسلام العلاقات بين أفراد المجتمع، وأرسى قواعدها بإحكام، بحيث تؤدي إلى أمن المجتمع واستقراره وطمأنينته.

ويمكننا أن نقول: إن كلّ الآداب والأخلاق والتشريعات التي جاءت في القرآن الكريم ذات صبغة اجتماعية واضحة، وإنّ الهدف منها تنظيم الحياة في المجتمع الإسلامي على أساس مبادئ العدل والمساواة والحق التي جاء بها الإسلام. إنّ مجتمعاً تسري في أوصاله مثل تلك القيم، لا يمكن أن يتسرب إليه الوهن والاختلال، لأنّ أفراده لا يكتفون بالوقوف عند حدودهم، فذلك حد أدنى، بل إنّهم ليتجاوزون ذلك إلى تقديم العون إلى بعضهم بعضاً، وتفريج كرب بعضهم بعضاً، عملاً بما دعا إليه رسول الله (ص): "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومَن فرّجَ عن مؤمنٍ كربةً مِنْ كربِ الدنيا، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة".

والحقيقة التي ينبغي أن تظل حاضرة في الأذهان، هي أنّ المنهج التربوي الإسلامي كيان مترابط الأجزاء، تتشابك فيه العقيدة مع العبادات، وهذه مع الأخلاق، والكل يعطينا تلك الثمرة الطيبة التي هي الإنسان المسلم، وبالنتيجة المجتمع الإسلامي الفاضل. وعلى سبيل المثال، فالصلاة هي إحدى الوسائل التي يجسد بها المسلم قيمة العبودية لله عزّ وجلّ، يرغب الإسلام في إقامتها مع الجماعة ويرفع درجاتها، تأكيداً لروابط المسلمين وتعزيزاً للتعارف فيما بينهم.. وقس على ذلك بقية الفرائض.

 

أثر القيم المادية في بناء الشخصية والمجتمع:

أ‌-       أثرها في بناء الشخصية الإنسانية:

إذا كان نظام القيم التربوية في الإسلام يجمع شتات الإنسان ويركز طاقاته وإمكانياته حول مركز واحد هو الولاء لله عزّ وجلّ وابتغاء وجهه الكريم، فإنّ نظام القيم التربوية المادية يعصف بقوى الإنسان ويذهب بها طرائق قدداً، ويلحق بها تشوهات مريعة يتحول معها الإنسان إلى كائن مستلب، غريب عن نفسه وغريب عن الكون الذي يحيط به... فيصيبه الدوار والغثيان، ويشعر بالعبثية وانعدام معنى الحياة. إنّ الشخصية الإنسانية في ظل القيم المادية، وقد فقدت صلتها بخالق الوجود، تنجرف مع تيار التطور والتغير دون ضوابط ولا قيود، وذلك لأن أداة الاختيار والتمييز في هذه الشخصية من عقل وضمير وإرادة، فلت زمامها وفقدت السيطرة على نفسها، شأنها شأن الساعة التي أصابها خلل جعل عقاربها تتحرك بسرعة في كلّ اتجاه، فلم تعد صالحة لمعرفة الزمن، وهكذا فقدت هذه الشخصية القدرة على الاختيار السوي، فاندمجت تأخذ من هنا وهناك أي فكرة أو أي شيء دون قاعدة أو مبدأ.

وعندما يجد الإنسان نفسه وحيداً، مقفراً قلبه من نور السماء، فإنّه يشعر بالخواء القاتل الذي يسحقه بغير رحمة، وعندها لابدّ أن يفعل أي شيء يوهمه بالإشباع والاطمئنان، ولن يجد أمامه غير الارتماء في أحضان الملذات يكرع منها كالكلب المسعور.

والواقع أن بذل الجهد من طرف المنظرين الغربيين لإحداث التجانس بين الرغبات المتضاربة، هو ضرب من العبث وطلب المحال، فالرغبات الفردية التي لا يشدها أصل غير اللهاث وراء الإشباع المادي، لا يمكن أن تتجانس، لأن ذلك يتعارض مع الإشباع المادي نفسه. إنّ الإنسان المادي يمضي في تيار الشهوات إلى أن يسقط صريع المرض النفسي القاتل، الذي لم يزده الترف ووفرة المتاع المادي إلا تفاقماً، لأنّه كائن لا انتماء له بالمعنى الحقيقي للانتماء.

وإذا  كانت الرؤية الإسلامية للحياة ونظام القيم المنبثق منها، يؤديان بطبيعتهما إلى إقامة الانسجام والتكامل بين الإنسان والكون، بحيث يسيران بإيقاع متوازن، جنباً إلى جنب، نحو تحقيق مراد الله في الوجود، فإنّ الرؤية المادية (ونظامها) القيمي يقودان حتماً إلى ارتطام الإنسان بالكون، إذ العلاقة بينهما تصور في إطار المنظور المادي، في صورة الصراع الرهيب.. وكأن كلاّ منهما قد وضع في استقلال عن الآخر... وأن ما يجري بينهما خلال عصور التاريخ هو عملية سطو وعداء لا علاقة توافق وإخاء. لقد كان لهذا التصور الغريب عن حقيقة وجود الإنسان في هذا الكون، أثره المدمر على موقف الإنسان من العمل وما يتمخض عنه من إنتاج، وقد تمثل ذلك الأثر في تخريب الإنسان ما تفتقت عنه عبقريته العقلية، وما أنتجته يداه، فأصبح (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) (النحل/ 92).

لقد أصبحت فكرة الصراع هي التي تحكم حركة الإنسان المادي، الصراع مع كل شيء، مع نفسه، ومع الكون، ومع الآخرين، ولا مفر له من ذلك ما دام سجين النظرة المادية.

ولا ننس، ونحن بصدد أثر القيم التربوية المادية في الشخصية الإنسانية، أنّ الإنسان المادي بعد أن أرقته ليالي العذاب ورحلة المعاناة والشقاء، بدأ يتحسس الطريق التي تعيد إليه نفسه الضائعة ومعناه المستلب.. ولكن لسوء حظه أنّه كثيراً ما يسقط في شراك الأدعياء والدجالين الذين يقذفون به في دوامة الشقاء من جديد، ولكن في أشكال جديدة تخلب الأنظار. وفي أحسن الأحوال فإنّ الغربيين قد انتهوا إلى دين لا يمتد ظله إلى أكثر من الأخيلة والأحاسيس النفسية المجردة، فلا هو يملك سلطاناً على ما وراء ذلك، ولا هم يريدون أن يملك أي سلطان خارج حدوده النفسية هذه، ولكنهم اعتمدوه قيمة روحية قد تساعد في تخفيف الآلام النفسية التي يتعرض لها الإنسان الأوروبي، خلال مغامراته واندماجه وسط أمواج عاتية من الإباحية واللذة المطلقة.

ب‌-  أثر القيم التربوية المادية في بناء المجتمع والحضارة:

إنّ ذلك التفكك الذي عاناه، ويعانيه الإنسان الغربي على مستوى نفسه التي أرهقها الشرود عن الصراط المستقيم، كان لابدّ أن ينعكس على جهاز المجتمع أو التنظيم الاجتماعي بالتهلهل والتحلل، حيث إنّ المجتمع لا يعدو أن يكون أشتاتاً من الناس الذين لا تجمعهم وحدة، ولا ينتظم عقدهم خيط واحد، إن كلّ الأمراض والنواقص النفسية من انحلال وتهالك على الملذات المحرمة والحسد، وسوداوية النفس تنتهي بخنق المجتمع وامتصاص طاقاته، ووقف تطلعاته نحو الأفضل.

لقد ضربت النظرة المادية نفس الإنسان الغربي وتركتها صفصفاً مهجورة من قيم الخير والاستقامة، وخرّبت بذلك المجتمع وقوّضت دعائمه وجففت منابع الخير والصلاح فيه، فقد ظهر بعد قرن كامل من الصراع المرير، أنّ الإنسان بطبيعته عاجز تماماً عن إيجاد القيم المجردة عن المصالح الذاتية، لأن حبه لمصلحته حجب عنه حقيقة نفسه، وحال بينه وبين فهمها في شموليتها، وبالتالي بينه وبين وضع نظام القيم التي تستجيب لتلك الشمولية. وكان من نتائج الفرويدية تقويض دعائم الأسرة ونسق ضوابطها، بسبب الفوضى الجنسية التي طبعت علاقات الأفراد، ومن خلال الانحرافات التي أغرقت الناس في مستنقع الأمراض الجنسية، وألقت بهم في جحيم من القلق والأمراض النفسية لا يطاق، أما البرجماتية فقد كان من نتائجها حدوث خلل في الحياة الاجتماعية، وهو أمر مترتب لا محالة على نظرتها التي تحقق المصلحة دون التفات إلى القيم الروحية ومبادئ الحق والعدل.

وهكذا فإنّ النظرة المادية قد فجرت في الإنسان طاقاته في إنتاج وتكديس المنتجات المادية، في نفس الوقت الذي ألقته في أتون التنافس المحموم على تلك المنتجات، فجعلت بعض الناس فريسة ونهباً لبعضهم الآخر، ينهشه بغير رحمة، ويحوله من شريك إلى أداة. وليس في هذه النتيجة تناقض مع ما قلناه سابقاً من أنّ القيم المادية كفيلة بامتصاص طاقات الإنسان وتوهين قواه، لأنّ العبرة بالمال، فالكارثة وإن لم تحل بالشكل النهائي، فإنها ستحيق بالمجتمع الغربي ولو بعد حين، وفقاً لسنن الله في النفس والمجتمع، قال تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) (الكهف/ 59).

فالبناء الاجتماعي الغربي وإن كان يبدو قائماً، محتفظاً ببعض بريقه الذي يسلب الأعين المسطحة، فهو يحتوي في جوفه على جراثيم الموت والانهيار.

ونخلص من هذا الحديث عن أثر القيم التربوية المادية في المجتمع، إلى الحديث عن أثرها في البناء الحضاري. فكما سبقت الإشارة، فإن تلك الشروخ التي أحدثتها أمراض النفس في الكيان الاجتماعي لن يظل أثرها محصوراً في نطاق معيّن، بل إنها لتبتلع كل العناصر والمقومات التي تقوم عليها الحضارة. ولقد أجمع عقلاء الغرب على أنّ الذي سيذهب بالحضارة إلى حتفها هو العامل المادي، الذي هو أبعد ما يكون وحده كافياً لتفسير الوجود الإنساني، وتقويم نجاح المسيرة الإنسانية أو إخفاقها.

 

*باحث وداعية إسلامي

ارسال التعليق

Top