• ٣٠ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٤ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

رمضان شهر التقوى والإخلاص

د. عبدالقدوس السامرائي

رمضان شهر التقوى والإخلاص
اللهم هذا شهر رمضان قد أظلنا فأكرمنا فيه بطاعتك، واختمه لنا بمغفرتك ورضوانك، وارزقنا فيه حسنة تقبلها منا، وزكها وضاعفها لنا، وما عملنا من سيئات فاغفره لنا، إنك غفور رحيم ودود كريم. شهر رمضان هو شهر التقوى والتقرب إلى الله عز وجل بالإقبال على الطاعات وهجر المعاصي والذنوب، على أمل التعرض لنفحات الكرم الإلهي والرحمة الربانية التي يفيض بها الله تعالى على عباده في هذا الشهر الفضيل. وفي بيان جانب من فضائل شهر رمضان، وأهمية الاجتهاد في التقرب إلى الله عز وجل خلال هذا الشهر، والسبيل إلى جهاد النفس وصولاً بها إلى مرتبة التقوى يتحدث الدكتور عبدالقدوس السامرائي، الباحث في إدارة البحوث في دائرة الشؤون الإسلامية عن ذلك حيث يستهل حديثه موضحاً أنه مع أوائل نسمات شهر رمضان الفضيل، يحتاج المسلم إلى أن يذكر نفسه وغيره بضرورة استثمار الأوقات المباركة ومواسم الرحمة والمغفرة في العمل للآخرة، وبضرورة الإفادة من الوقت ونفحات هذا الشهر وآثارها المباركة العاجلة والآجلة. لذا، فإنه من المهم بمكان أن ينتفض المسلم انتفاضة رحمانية روحانية رمضانية مع انطلاق هذا الشهر الكريم، ليزيل غبار المعاصي المتراكم، والوهن الذي أوهى القلوب والأفكار، فيعيد نور الفطرة إلى القلب المظلم، ويغذي الروح بمياه النقاء، ويكسو الجوارح بلباس التقوى، ويعطر كيانه بعبير التوبة، فيسلم من الضلالات، ويستل عن مجاميع الهوى متشوفاً جوامع الهدى، ويطرد عن نفسه تلك الأدران التي ربما لحقته قبل إشراقة شمس رمضان مستفيداً من هذا الشهر وبركته، سالكاً هدى النبي الخاتم (ص)، مقتدياً بكمال علوم همته (ص) في ذاته وأمته، ولاسيما في مثل هذه الأوقات الفاضلة والمواسم الفاصلة في حياة المسلم.   - أفضل الشهور عند الله: لا شك في أن أفضل الشهور عند الله عز وجل شهر رمضان، ولعظيم مكانة هذا الشهر كان رسول الله (ص) يحث الأمة على الإفادة من أوقاته وموسم نفحاته، إذ فيه فرصة استزادة رصيد مضمون من الحسنات، ولاسيما لمن أراد الجمع بين عز الدنيا ونعيم الآخرة، ولما فيه من تفويت الفرص على الشيطان ونوازع النفس الأمارة بالسوء من أن تتلف صاحبها أو تهدر عمره ووقته في غير النافع المفيد. ومعلوم أن الله تعالى فرض الصوم على الأمة الخاتمة، كما فرضه على من قبلها من الأمم، قال تعالى في: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/ 183). ولكل أمة شرعتها فيه، ولا شك في أن معاني التطهير حاضرة في سائر تشريعه جل جلاله للصوم، وأنه من أهم وسائل التنزيه الظاهرة التي تقود إلى تنزيهه الباطن مما قد تقع فيه الإنسانية من التعلق بالدنيا، والانغماس في ملاذها، إضافة إلى المعاني التي يحملها كالتجرد لله تعالى، والامتثال لأمره سبحانه، كما أن فيه من معاني ترويض النفس والخلق لتحمل سلوك طريق الهداية والصبر فيه، وهو من السبل الظاهرة الباهرة في تحقيق القرب من الله عز وجل. ولقد جُعل أجر الصوم من منح الله تعالى، ولا دخل لأحد من الخلائق في قبوله أو رفضه أو الإثابة عليه ومضاعفته أو رده على صاحبه، أو إنزال العقوبة على العبد بناء على نية أدائه، لاسيما إذا كانت على غير الوجه المطلوب، وقد جاء عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله (ص) قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك" أخرجه مسلم في صحيحه. وهذا بيان لعظم فضل رمضان وكثرة ثوابه، ولاسيما الصوم فيه فإن الكريم تعالى إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه جزاء عبده اقتضى سعة العطاء وعظم قدر الجزاء. وفي معاني الصوم وأنواعه يقول أحد أهل العلم: الصوم ثلاثة: صوم الروح بقصر الأمل، وصوم العقل بخلاف الهوى، وصوم النفس بالإمساك عن الطعام والمحارم.   - (...لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ): ولقد علم المسلم من ظاهر قول الله تعالى: (...لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) المتقدم، والذي ختم به سبحانه نص تذكيره للمؤمنين بفرضه الصوم عليهم، أن الغاية العظمى التي ينال بآثارها العبد القرب من ربه، ولاسيما بعد ركوب موج بحر رمضان، وتحمل آثاره، والتعلم في ظلال مدرسته، وسعيه الحثيث إلى تحقيقها والوصول إلى معرفتها وقطف ثمرتها وهي التقوى. فعلينا أن نجدد العزم على تحقيق هذه النتيجة، ونجتهد في تحصيل هذه النفحة. يقول أبو الحسين الوراق: أجل شيء يفتح الله تعالى به على عبده التقوى، فإن منها تتشعب الخيرات وأسباب القربة والتقرب، وأصل التقوى هو الإخلاص، وحقيقته التخلي عن كل شيء إلا ممن إليه تقواك، لا يصل العبد إلى شيء من التقوى حتى يكتمل زهده وورعه، والتقوى مقرونة بالراحة، أي من حيث الثمرة. قال تعالى في: (... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق/ 2). لذا فعلينا أن نحرص على الوصول إلى صحة التقوى، التي هي من غايات الصوم، بترك سائر الذنوب، يقول سهل بن عبدالله، رحمة الله عليه، في قول الله تعالى في: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران/ 102): لا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله (ص)، ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر، من أراد أن تصح له التقوى فليترك الذنوب كلها. وقد جاء عن أحد أهل العلم أنه قال: من التزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في: (... وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنعام/ 32). ولقد حقق الصحابة رضوان الله عليهم هذه النتيجة، ونالوا لذاتها، وسرت عليهم سنة الله تعالى في تهيئة الأسباب واستحقاق النتائج، فقال جلّ جلاله في (الآية 26 من سورة الفتح): (.. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). فهذه الآية وسائر نصوص القرآن الكريم المتعلقة بالتقوى تخاطب أجيال اليوم والغد، وتحثهم على تحري وسائل تحصيل التقوى، وأن يكونوا أهلها وأحق بها كما كان من قبلهم.   - الإخلاص ظاهراً وباطناً: على المسلم مع حرصه على أداء الصوم على الوجه المطلوب، ومحاولاته تحصيل تقوى القلوب والنفوس وصحته، أن يحرص أشد الحرص على كسب الإخلاص ظاهراً وباطناً، واستحضاره في سائر أعماله وأحواله وأقوالهم، ودوام المراقبة لله عزّ وجلّ في ذلك، وحسن المعاملة معه ومع الخلق في الظاهر والباطن، إذ المسلم بحاجة دائمة إلى مراقبة نفسه وتنقيتها من الشوائب، وتنزيهها عن كل ما يقعدها عن الالتحاق بركب عباد الله الصالحين، فالمراقبة والمحاسبة ضرورة في تقدم العبد نحو النجاح والفلاح، وسموه الروحي، وهي أحب ما تكون في أربعة مواطن كما قال أهل العلم والتزكية: في ما بين الإيمان والكفر، وبين التوحيد والشرك، وبين الإخلاص والرياء، وفي ما بين الصدق والكذب. وفي مثل هذا قال المحاسبي مستنبطاً بعض اللطائف من القرآن الكريم: من اجتهد في باطنه ورثه الله حسن معاملة ظاهره، ومن حَسُنت معاملته في ظاهره، مع جهد باطنه، ورثه الله تعالى الهداية إليه لقوله تعالى في (العنكبوت/69): (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ). فعلى المسلم أن يصحح باطنه بالمراقبة والإخلاص والمجاهدة، ليزين الله ظاهره وباطنه بالهداية والإحسان واتباع السنة.

ارسال التعليق

Top