• ٣٠ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٤ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

سر الحج في السير إلى الله تعالى

سر الحج في السير إلى الله تعالى
يقول سبحانه وتعالى في كلام دال على معانيه: (لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا) (آل عمران/ 97). فكما أنّ الحج واجب من الله فإنّه كذلك يجب أن يتم لله فإن ذهب أحدهم إلى الحج بغية سياحة أو تجارة فلا سر في تحمله معاناة الحج لأنّ السر في الحج هو السير إلى ذات الله سبحانه وتعالى والفرار من غيره إليه وبما أن وجه الله موجود حيثما ولينا فإن مغزى الحج لا يمكن أن يكمن في السفر المادي وإنما في إخلاص النية والتخلص عن درن غيره واللوذ إليه. وخلاصة القول أنّ سر الحج الكبير هو التخلص من غير الله والإخلاص له والهجرة إليه حتى يلقاه وكل ما يفعل المرء قبل ذهابه للحج من وصية وتطهير لماله هو في اتجاه تأكيد الفرار إلى الله وهذا ما تؤكده بعض أدعية الحج التي جاء فيها "بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله". هذا ولم يأت التعبير بالزاد في القرآن إلا في سياق آيات الحج حيث تقول الآية: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة/ 197)، لأنّ الحج سفر ويحتاج السفر إلى زاد وزاد الحج التقوى حيث يؤكد القرآن في مكان آخر أن لباس التقوى خير ويضعه مقابل اللباس المادي الذي يغطي به المرء سوءاته. فالآية (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، تشير من بين كل ما تشير إليه أن الجميع مسافرون وأن خير ما يمكن أن يتزود به الإنسان هو التقوى وأنّ الحج من أبرز مصاديق التقوى. وعبارة "خير الزاد" لا تدل على أن بقية أنواع الزاد صالحة ولكن التقوى خير وإنما تدل على أنّ التقوى هي الزاد الوحيد الذي يمكن أن ينتفع به الإنسان في سفره الروحي حيث لا زاد لغير المتقين. وفي نفس السياق يقول بعض المفسرين إنّ بعض الذاهبين إلى الحج لم يكونوا يأخذون الزاد معهم ظانين أنّ الإتكال على الله يكفيهم من الزاد فنزلت الآية التي تقول "وتزودوا" لكن السياق يقول إنّ الآية جاءت حثا للناس على العمل الصالح. والتقوى صنوف: بعضها تقوى نار جهنم والخوف منها وبعضها تقوى الله طمعاً في الجنة ولكن أنواع التقوى هذه هي الزاد الذي ينفذ في الطرق ويترك صاحبه صفر اليد لم يصل إلى لقاء ربه ولكن تقوى الأحرار ليست طمعاً في الجنة ولا خوفاً من النار وإنّما محبة بالله وهذا هو الزاد الخالد الذي يبقى للعبد ويوصله إلى بوابة لقاء الله. إنّ سفر الحج لمن يصل إلى المنزل الأخير فيجد غايته هناك هو السير "من الحق إلى الخلق بالحق". حيث يكون الحاج قد حصل على سير روحي وأنفسي إلى جانب سيره الآفاقي الدنيوي ويفهم أم من أتى ليحجه هو معه أينما كان ليرجع إلى بيته طليقاً مخلصاً من درن الذنوب كما ولدته أُمّه وفي هذا السياق يقول الحديث: "من أم هذا البيت حاجا أو معتمراً مبرءاً من الكبر رجع من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أُمّه". الجدير بالذكر أنّ أهل البيت خصوا الحج أكثر من غيره بالتدبير والتعريف وإبراز بعض زواياه وأسراره ودوره في تزكية النفس.

ارسال التعليق

Top