• ٢٠ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ | ٢ صفر ١٤٤٢ هـ
البلاغ

سعادة الطاعة في فعل الخير

عمار كاظم

سعادة الطاعة في فعل الخير

للعطاء أوجه متعدّدة يمكن أن يقدّمها الانسان للأشخاص المحيطين به، أو المقرّبين على وجه التحديد، بيد أنّ هناك مَن يرى أنّ العطاء قد يكون متشعّباً ويضحّي الإنسان من خلاله بأُمور كثيرة، مقابل أن يقدِّم السعادة للآخرين. ولأوجه العطاء أثر إيجابي على المدى البعيد، لأشخاص ضحّوا بحياتهم من أجل حياة آخرين.. فقد حضَّنا الإسلام على فعل الخيرات والعطاء والتكافل، حيث تبرز إنسانية الإنسان في وجهها المشرق الذي يملأ الحياة سعادةً وأُلفةً وطمأنينةً، والمجتمع المتوادّ والمتراحم والمعطاء الذي يضحّي أفراده في سبيل الآخرين، ويعطون من أوقاتهم وجهدهم وإمكاناتهم في سبيل رفع الحرمان ومساعدة الآخرين، هو مجتمع يعيش بالفعل روح الإسلام في الدعوة إلى الخيرات ونشر المحبّة والتآلف، وبذلك يتعزّز وضع المجتمع وتقوى أُسسه، وتتكرّس العلاقات الإنسانية فيه بأحسن صورها وأصدقها نبلاً.

وعن الذين يقومون بفعل الخيرات، قال تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (المؤمنون/ 61)، لأنّهم ارتكزوا في حياتهم على القاعدة الصلبة التي ينطلق منها كلّ خير، وهي الإيمان بالله وبتوحيده، والخوف منه، والمحبّة له، والوجل من المصير يوم الحساب، ولذلك فإنّهم ينتهزون كلّ فرصةٍ لعمل الخير، لئلا تفوتهم، فتفوتهم سعادة الطاعة ونتائجها السعيدة، فيسارعون فيها.. (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون/ 61)، لأنّ مَن يسارع إلى الهدف الذي يحبّه، لابدّ من أن يسبق الناس إليه.. وتلك هي الجنّة التي يتنافس فيها المتنافسون، وينطلق إليها المتسابقون، (وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (المؤمنون/ 62)، فلكلٍّ طاقته على عمل الخير، وعليه القيام بما يستطيعه منه، فلن يطلب الله منه أكثر من ذلك، لأنّ الله لا يكلّف عباده بما لا يطيقون، لأنّه ظلم لا يصدر عنه ـ سبحانه ـ وسيجزيه الله جزاء ذلك، (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) (المؤمنون/ 62) يسجِّل لعامل الخير كلّ دقائقه وخفاياه، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (المؤمنون/ 62) شيئاً من ذلك، بل يأخذونه وافياً كاملاً غير منقوص.

كما لابدّ من أن نربّي أنفُسنا على أن نكون كالشمس، كما يقول السيِّد المسيح (عليه السلام)، تطلع على البرّ والفاجر، وكالينبوع، يتدفّق لأنّه لا يعرف إلّا أن يعطي الماء لمن يريد أن يشرب، من دون النظر في هويّة الشارب.. فمن أبرز علامات المؤمن، والتي شكَّلت وتشكِّل الأساس في بنائِهِ شخصيته، هي امتلاكه روحَ المبادرة. فالمؤمن هو مَن يبادر أينما وجد، وفي أيّ ميدان، سواء في الميدان الديني أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، للتعامل مع شؤون الدُّنيا، ويبادر للحصول على الموقع المميَّز عند الله في الآخرة. وهو لا يحتاج إلى مَن يدفعه للقيام بمبادراته، فدافعه إليها ينبع من ذاته، من إيمانه وإخلاصه لربّه. لذلك تراه لا يهدأ، بل يسارع إلى التحرّك والحضور والفاعلية والسبق إن هو سمع بمعاناة إنسان فقير أو يتيم أو معوَّق أو مسنّ، أو بظلمٍ تعرَّض له مجتمع أو وطن أو فرد، بعيداً كان أو قريباً. هو لا يمرّ مرور الكرام على الخلافات التي قد تحصل في عائلته أو حيّه أو مجتمعه أو وطنه ويدير لها ظهره، بل يعيش هموم الناس مَن حوله وآلامهم وقضاياهم، ولا يقف على التلّ عندما ينتشر فساد أو منكر أو انحراف، أو يُنتَقَص من معروف، أو عندما توجد ظواهر تخلّ بأمن المجتمع وسلامته.

أخيراً، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلّا ناداه الله تبارك وتعالى: عليَّ ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنّة». وعنه (عليه السلام): «تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله، فإنّ للجنّة باباً يقال له المعروف، لا يدخله إلّا مَن اصطنع المعروف في الحياة الدُّنيا، فإنّ العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن، فيوكّل الله عزّوجلّ به مَلكين، واحداً عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربّه، ويدعوان بقضاء حاجته»، ثمّ قال (عليه السلام): «والله، لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسرُّ بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت إليه من صاحب الحاجة».

ارسال التعليق

Top