• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

عناصر الإيمان في شخصية المؤمن

عناصر الإيمان في شخصية المؤمن

الالتزام بأوامر القيادة الشرعية:

نقرأ قوله تعالى مخاطباً النبيّ (ص) حول علاقة المسلمين بقيادتهم في أي أمر من الأمور العامة، حيث تكون هناك قيادة إسلامية شرعية في مستوى النبيّ أو الإمام، أو في مستويات قيادية أخرى كالعلماء مثلاً، فهل يملك المسلمون أن يتصرّفوا بحرّية في القضايا العامة؟ أم لابدّ لهم أن يستأذنوا القيادة في ذلك حتى يصدق عليهم أنّهم المؤمنون؟

فالخطاب في الآية التالية موجّه إلى النبيّ (ص) في علاقة المؤمنين به (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ). وكلمة (إنّما) دالة على الحصر في اللغة العربية (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ). يتصل بالحياة العامة للمسلمين (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) فقد يحتاج القائد أحدهم في تنفيذ هذا الأمر أو في المشاركة فيه، وعليهم أن يضعوا أنفسهم تحت تصرّفه ورهن إشارته، فإذا كانوا معه فعليهم أن ينتظروا أوامره، وإذا كان هناك ما يدفعهم إلى أن يذهبوا فعليهم أن لا يذهبوا إلّا بعد الاستئذان (لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ)، من حربٍ أو سلم أو مهمّة، وما إلى ذلك.

(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ). أما الذين يذهبون دون أن يستأذنوك، وقد تكون بحاجة إليهم فإنّهم لا يتحركون في خط الانقياد للقيادة، ولذلك فإنّهم لا يمثلون شخصية المؤمن الحقيقي، لأنّ الإيمان بالله ورسوله لا يمثل مجرد كلمة أو مبايعة أو التزام شكلي بل يمثل التسليم والانقياد الذي يجعل حركتهم كلّها صدى لما يريده الله ورسوله من حركة.

(فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ). وهنا يتوجه الأمر إلى النبيّ (ص)، بصفته القائد الأعلى، أنّ عليه أن يراعي ظروف المسلمين والناس في حاجاتهم وأمورهم الخاصة فلا يضيّق عليهم بالمطلق، بل يدرس طبيعة القضية التي يستأذنونه فيها ليرى إمكانية الإذن فيها وعدمه. (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ). فعندما تدرس ظروفهم وترى أنّهم فعلاً في حاجة إلى أن تأذن لهم فأذن لهم (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ)، لأنّ الاستغفار يوحي بالمحبّة وبالرعاية والرضا (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور/ 62).

فهذه الآية تؤكد على أنّ صفة الإيمان في معناها العميق في علاقة القاعدة بالقيادة هي أن تضع القاعدة نفسها في تصرّف القيادة، فلا تتحرك بعيداً عنها، حتى في شؤونها الخاصة، إلّا بعد استئذان القيادة، لأنّها قد تكون في حاجة إلى هذا أو ذاك.

 

الصبر على الأذى:

وهناك آية أخرى تتحدث عن هذه المسألة، وعن الذين يقولون: (آمنّا بالله)، فبعض الناس أنا مؤمن وقد يتحرّك بإيمانه في مواقع التحدي، ولكن كم هي قدرته على الصبر والتحمّل؟ فأن تكون مؤمناً في ساحات الصراع فإنّ عليك ضريبة أن ينالك الأذى من القوى المضادة، وعندما تطلق كلمة الحقّ فإنّ كلّ الذين يسيرون في خطّ الباطل يندفعون ليشتموك أو ليتهموك أو ليؤذوك في بعض شؤون حياتك. ففي هذه الحالة، كيف يكون شعورك؟ هل تشعر بالقوة؟ هل تصبر؟ هل تصمد؟ هل تحسّ بالرضا النفسي لأنّك تتحمّل الأذى في جنب الله وفي سبيله؟ أو أنّك تشعر بالجزع وبالسقوط وتعتبر أنّ هذه المشكلة إنما نجمت من خلال إيمانك فتتحسس أن إيمانك قد أدّى إلى ضررك وخسارتك فيضعف التزامك بإيمانك بقدر ما يتوجه إليك من الضرر والأذى، كالكثير من الناس الذين إذا أوذوا في الله حمّلوا الله "جميلاً" في ذلك ومنّا عليه فيه.

والقرآن يعالج هذه المسألة في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ). بحيث يوصل المسألة في مشاعره وأحاسيسه، فيما يلاقي من أذى الناس، إلى ما يعبّر عنه القرآن بالفتنة باعتبار أنّه يهزّ شخصية الإنسان وقد يؤدي بها إلى السقوط، بحيث يتعاظم شعوره بالأذى الصادر إليه من الناس لقاء إيمانه، تماماً كما هو عذاب جهنم، فيساوي بين العذابين في الجزع لدرجة الامتنان على المسلمين بذلك أو السقوط أمامه.

(وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ). فإذا ما انتصر المسلمون وجاء الفتح (لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ). ففي حالة الأذى الذي يصيبه من خلال إعلانه الإيمان فإنّه يواجه المسلمين كما لو كانوا هم الذين أوقعوه في ذلك، وكما يعبّر القرآن أنّه يجعل فتنة الناس كعذاب الله، أمّا إذا جاء النصر فإنّه يحاول أن يأخذ مكاسبه وثماره من خلال زعمه أنّه كان مع المسلمين (أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت/ 10). أي: إلا يعرف هذا المنافق بأنّ الله مطّلع على ما في داخله، وأنّ إيمانه مجرّد إيمان سطحي ظاهري لم ينفذ إلى أعماق قلبه، والله مطّلع عليه في حال النصر أو في حال الأذى والهزيمة.

(وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) (العنكبوت/ 11). فيعلم أنّ هذا النموذج من الناس هو من نماذج المنافقين وليس من نماذج المؤمنين، لأنّ المؤمن إذا أوذي في الله فإنّه يصبر ويصمد ويثبت ويشكر الله على ما لاقاه في سبيله، ولعلّ القمّة في ذلك هي الكلمة الرائدة لرسول الله (ص) حينما لاحقه مشركو الطائف وضربوه بالحجارة حتى دميت رجلاه فاستند إلى حائط وناجى ربّه وكانت كلمته الصادرة من أعماق إيمانه: "إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي". ومثلها الكلمة الرائدة التي تمثّل سرّ الإمام الحسين (ع) في فرحه الروحي في قلب المأساة عندما تناول بيده دم ولده الرضيع، حيث قال: "هوّن ما نزل بي إنّه بعين الله". لأنّ ألمه كان في الله ومن أجل الله، وهذا هو شأن المؤمن عندما يؤذى في الله.

 

المنافقون كطابور خامس:

وهناك نماذج أخرى من الناس يتحدّث عنها القرآن، فيقول الله تعالى (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) (الأحزاب/ 18). وهذا يعبّر – كما في المصطلح المعاصر – عن الطابور الخامس، وهم المنافقون الذين كانوا يحاولون إعاقة المسيرة وأن يخذّلوا المسلمين أمام الزلزال الذي حدث بفعل الحصار الذي أخذ به المسلمون من قبل الأحزاب (وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا). أي سيروا مع فريقنا ولا تذهبوا مع رسول الله (ص) (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا) (الأحزاب/ 18). والبأس هنا كناية عن الحرب، فهم ليسوا مستعدين للمشاركة في الحرب (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ)، بخلاء، لا يعطونكم ما تحتاجونه (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ). أي في ظل الحرب النفسية التي تزرع الخوف في القلوب والتي عبّر عنها القرآن في آية أخرى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب/ 10).

فإذا جاء الخوف (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ). أي شعروا أنّكم في موقع الهزيمة فأظهروا ما في نفوسهم ضد المؤمنين والمسلمين فتحدثوا بالكلمات الحادّة التي تمثل الإهانة للمسلمين (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ). فهم ليسوا مستعدين أن يعطوا من نفوسهم الخير (أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا). وهذا هو محل الشاهد، فهؤلاء الذين يتحركون في حال الحرب بطريقة التخذيل والتعويق للمسيرة والتكلّم بشكل سلبي ضد المسلمين ولا يعطونهم شيئاً مما يحتاجونه، لم يؤمنوا، فالمؤمن هو الذي يعيش مع المؤمنين بكلّ معنى المشاركة في الحرب والسلم، وفي كلّ أوضاعهم وحاجاتهم التي يحتاجونها في ساحة التحديات (فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (الأحزاب/ 19)، لأنّهم لم ينطلقوا من قاعدة، فإنما حبطت أعمالهم لأنّهم أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان، ومن الطبيعي أنّ الكفر يحبط عمل الإنسان.

 

الإيمان التزام كلّه:

وهناك نقطة مهمة جداً عالجها القرآن الكريم في أكثر من آية وهي أنّك إنما تكون مؤمناً عندما تلتزم الإسلام كلّه، فلا تحاول أن تأخذ من الإسلام جانباً لتترك جانباً آخر، فأن تلتزم الإسلام في مواقع العبادة ولا تلتزم به في مواقع السياسة فإنّك عندئذ تتحرك في الخط السياسي على قاعدة غير إسلامية. وأن تتحرك في الخط العبادي على أساس الإسلام، يعني أن يكون شرع الله هو المرجعية التي ترجع إليها في كلّ ما تختلف فيه من قضاياك مع الناس بحيث لا تتحاكم إلّا إلى شرع الله، وإلّا إلى القائمين على شرع الله المؤتمنين عليه. وإذا اختلفت أيضاً مع الآخرين في بعض المفاهيم سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو حياتية بشكل عام فعليك أن ترجع إلى القاعدة الإسلامية التي تحدّد لك هذه المفاهيم وتؤصّلها.. أن تلتزم بالإسلام يعني أيضاً أن تفقد – بإرادتك – حريتك في الانفتاح على التيارات الأخرى انفتاح التلقّي والتأثّر، بل لابدّ من أن يكون الإسلام كلّ شيء في حياتك.. أن تكون مسلماً في نفسك. وفكرك وعاطفتك وحركة طاقاتك.. أن تكون مسلماً في حياتك العائلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفي أوضاعك القضائية، فإذا لم تكن كذلك فلست مؤمناً بما يحمله الإيمان من مضمون.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) (النساء/ 59). يعلنون الإسلام وأنّهم يؤمنون بالله وبرسوله وبرسالاته، لأنّ الرسالة الإسلامية انطلقت من خلال احتوائها على كلّ الرسالات في عناصرها الأصيلة (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) (البقرة/ 285)، و(مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) (الأنعام/ 92). ولذلك فإنّ هذه الآية قد جمعت الحديث عن شخصية المؤمن لأنّهم آمنوا بالله وبما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، فالإسلام يؤمن بالكتاب كلّه، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم في الفرق بين أهل الكتاب وبين المسلمين (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) (آل عمران/ 119). بينما هم لا يؤمنون بالكتاب كلّه.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) (النساء/ 60). والطاغوت هو كلّ خطّ في حكم أو قضاء أو سياسة تتحرّك على خلاف دين الله، وقد فرّق الله بين المؤمنين والكافرين بالولاية له أو الولاية للطاغوت (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) (البقرة/ 257). فالطاغوت إذاً هو كلّ شخص أو كلّ كيان أو كلّ خط يواجه الله بما تعنيه ولاية الله من العبادة والدين والشريعة.

(وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ). لأنّه لا يجتمع في قلب إنسان الإيمان بالله والإيمان بالطاغوت (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا) (النساء/ 60). أي أن يصدّهم عن الله ويدخلهم في المتاهات التي لا تؤدّي بهم إلى أي موقع من مواقع الهدى. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) لأنّكم أعلنتم الإيمان، ومن يعلن الإيمان لابدّ أن يلتزم به، والالتزام بالإيمان هو التزام بكتاب الله وسنّة نبيه وذلك هو معنى الإيمان.

فإذا قيل لهم تعالوا إلى الله في كتابه وإلى الرسول في سنّته وموقع الولاية له (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (النساء/ 61). يعرضون عنك ولا يقبلون عليك (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ). ويقع من البلاء (ثُمَّ جَاءُوكَ). في وقت الشدة (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ). لأنّهم مشوا بحاجتهم إلى النبيّ (ص) في أن يرضى عنهم ويحضنهم وأن يمنحهم ما يريدون وأن يخرجهم من المصيبة التي هم فيها (إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) (النساء/ 62). أي يدّعون أنّهم ما أرادوا إلّا الخير (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، فلا تحاسبهم، ولا تدخل في جدل معهم، ولكن قبل أن يذهبوا عظهم وذكّرهم وأخرج لهم ما يخفونه في أنفسهم وبصّرهم بأنّ ذلك يؤدي بهم إلى الهلاك (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا) (النساء/ 63). أي حاول أن تعرّفهم أنّك تعلم ما يخفونه في دخيلة أنفسهم من الضلال.

 

طاعة الرسول (ص):

ثم إنّ الله تبارك وتعالى يعطي القاعدة للمسلمين آنذاك، وللمسلمين في امتداد الزمن (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ). فإنّ معنى أن تلتزم بالرسول هو أن تطيعه وقد قال في آية أخرى (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ) (النساء/ 80)، حتى أنّ الله سبحانه وتعالى جعل الصدق في حبّ الناس له – عندما يدّعون المحبّة – هو إطاعة الرسول، وهذا ما جاءت به الآية (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران/ 31)، والإقبال عليه ليس مجرد شهادة ولا كلمة وإنما هي عملية اتباع (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ). بالنفاق أو العصيان (جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) فقد فتح الله لهم باب التوبة (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ). عندما يرى منهم صدق الاستغفار (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (النساء/ 64).

 

الاحتكام إلى الرسول (ص) في المنازعات:

كما أنّ الله يركّز الإيمان في صفته العميقة بالالتزام بأحكامه. قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ). فلا يمتلكون صفة الإيمان إلّا إذا جعلوك الحكم في كلّ ما اختلفوا فيه، وأن يجعلوا الرسول (ص) حكماً هو أن يجعلوا شريعته في الحكم بحيث تكون هي المرجعية في خلافاتهم كلّها سواء في القضايا الفكرية أو العملية (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ). فلو كان الحكم ضد ما رأوه فإنّهم لا يشعرون بالحرج والمشقّة والرفض النفسي (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء/ 65)، وهذا ما ورد من أنّ الإسلام هو التسليم وهو ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم (ع) (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (البقرة/ 131).

 

الإيمان والحرّية:

وتؤكد آية أخرى في (سورة الأحزاب) هذا المعنى حيث تقول للمؤمن: إنّ التزامك بالإيمان يفقدك حريتك في أن تختار أي خطّ أو أي حكم مضاد للإيمان، لأنّك لا يمكن أن تؤمن بالشيء وضده، وليس هذا اضطهاداً لك، وقد يقول البعض من الناس إنّ هذا يناقض حرّية الإنسان التي أكّدها القرآن الكريم نفسه حيث قال: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف/ 29). ولكننا نقول: نعم، إنّ الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان حرّ التفكير حيث يمكن أن يلتزم الإيمان أو يلتزم الكفر، ولكن عليه أن يتحمّل مسؤولية نتائج الإيمان هناك ونتائج الكفر هنا. فإذا التزمت الإيمان بإرادتك واختيارك فمن الطبيعي أن تستقيم على الإيمان في هذا المجال. فحريتك تبقى ما دمت غير ملتزم، فإذا التزمت فقد حرّكت حريتك من خلال إرادتك في الخطّ الذي اخترته، وهذا مما ينبغي أن يلتفت الناس إليه لأنّهم يحرّكون مفهوم الحرّية في كلّ مجال، فعندما تقول أنا مؤمن فإنّ ذلك يعني أنّك تمارس حرّيتك في اختيار الخط، واختيارك للخط هو عملية لممارسة الحرّية، فعندما تمارس حرّيتك في اتجاه معيّن فلا معنى لأن تنفتح على اتجاه آخر انفتاح الاتباع، إلّا إذا تراجعت عما اخترته من هذا الفكر أو هذا الاتجاه.

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ). فليست لك حرّية أمام الله، فأنت حرّ أمام العالم ولكنّك عبد أمام الله وحده وهذا هو معنى التوحيد، فمعنى "لا إله إلّا الله" أنّك تنفي كلّ الآلهة وتمارس حرّيتك أمام كلّ مَن يدّعون الألوهية وتبقى عبداً لله وحده (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا) (الأحزاب/ 36).

ويحدّثنا الله عن بعض هذه النماذج التي تعلن الإيمان ولكنها لا تلتزم بالتزاماته، (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ). فهم يعربون عن الانسجام في خط الإيمان وفي الالتزام بلوازمه وأحكامه ولكن، (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) (النور/ 47). فالإيمان يعني أمرين: أن تقول الكلمة التي تعبّر عن إيمانك، وأن تستقيم في خط سيرك الفكري والعملي في اتجاه هذه الكلمة.

(وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) (النّور/ 48). لا يقبلون ذلك (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) (النور/ 49). فعندما يختلفون يأتي أحدهم ليسأل: لمن الحقّ؟ فإذا قيل له معك، فيقول: أنا مع الحقّ ومع الشرع، ولكن إذا عرف أنّ الحكم سوف لن يكون في صالحه فإنّه يتمرّد ويطالب بأحكام أخرى غير حكم الشرع والقرآن يتساءل: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ). أي هل في قلوبهم مرض النفاق؟ (أَمِ ارْتَابُوا). أم دخل الشك في إيمانهم؟ (أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ). فلماذا لم يرجعوا إلى أحكام الله في كتابه وسنّة رسوله؟ ألأنّهم يخافون أن يجور الله عليهم ويظلمهم والله سبحانه وتعالى لا يظلم من عباده أحداً "وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علوّاً كبيرا" والرسول (ص) لا يبتعد عن خط الله في شرعه.

(بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (النور/ 50). الذين ظلموا ربّهم بالمعصية، وظلموا أنفسهم بالنفاق وبالانحراف عن خط الله فالخط الإيماني هو: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور/ 51)، الذين يسمعون نداء الله ويطيعونه ويتحرّكون في خطّه.

هذه هي بعض الآيات، وهي في هذا المجال كثيرة، التي تجسّد لنا عناصر الإيمان العميقة في شخصية الإنسان المؤمن التي بها يكون الإنسان مؤمناً، فعلينا أن نعمل على أن نعمّق الإيمان في عقولنا، وفي قلوبنا، وفي حركتنا في الحياة، لأنّنا نخشى أن نكون مصداقاً لقول الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (الكهف/ 103-104).. (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) (فاطر/ 8).

ارسال التعليق

Top