• ١٠ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

فعل الخير.. الطريق إلى الجنّة

عمار كاظم

فعل الخير.. الطريق إلى الجنّة

يقول تعالى في كتابه المجيد: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) (الحجّ/ 77) ويقول أيضاً: (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ) (المائدة/ 48). هذا هو العنوان الكبير الذي يريده الله تعالى للإنسان في الحياة؛ أن يملأها بالخير من جهده، بأن يتحرّك فكره من أجل أن يُصلح تصوّرات الناس في كلّ ما يعيشونه وما يتحركون فيه، وفي كلّ ما ينطلقون به من علاقات ومواقف ومواقع، لأنّ الله: (لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد/ 11)، وبأن ينتج الخير في أعماله الفردية، فلا يتحرك إلّا بما يكون خيراً لنفسه وعياله وللناس من حوله، في كلِّ ما يخطط له ويسير فيه. ويقول تعالى أيضاً: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الأنبياء/ 90). هؤلاء الأنبياء الذين يحدّثنا الله عنهم لنقتدي بهم، كانوا يعيشون الخير في شعورهم ووجدانهم، وفي قلوبم وعقولهم، بشكلٍ عفويّ وطبيعيّ، إذ كانوا يبادرون إلى عمل الخير بكلّ نشاط وهمّة ووعي ومسؤوليّة، ولا ينتظرون شيئاً للقيام بهذه المبادرة، بل يعتبرون أنّ مسؤوليّتهم عن الناس والحياة تفرض ذلك، والأهمّ، إرادة الله واحترامها، هذه الإرادة التي لا يمكن التّعبير عن التزامها إلّا بعمل الصّالح والخيرات، حيث مرضاة الله وتأكيد الارتباط الحقيقيّ به.

كما يريد الله تعالى للإنسان أن يستبق الخيرات في علاقته بالناس، ولا سيّما عندما يعيشون المشاكل في كلّ قضاياهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية، حيث تكون هناك حاجة إلى كلّ من يملك جهداً ومالاً وموقعاً، ليعين النّاس من خلالها، ولتكون إعانته صدقة جارية في هذا الموقع أو ذاك، باعتبارها طريقاً إلى الجنّة. وقد جاء في الحديث أن جماعة جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقاولوا: دلّنا على عمل إذا عملناه دخلنا الجنّة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنل ما أنالك الله»، فقال له: وإن كنت أحوج ممن أنيله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) له: «فانصر المظلوم»، إن هناك أناساً يحتاجون إلى قوتك لتدفع عنهم ظلامة الآخرين، سواء كان الظالم فرداً أو جماعةً أو دولةً، فقال: «فإن كنت أضعف ممن أنصره»؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) له: «فاصنع للأخرق»، يعني أشر عليه، فإذا كنت لا تملك قوة، فإنّك تملك خبرةً ورأياً يمكن أن يحقّقا للناس الخير والحلَّ لمشاكلهم. دبّر الإنسان الذي لا يستطيع أن يدبّر نفسه، أعطه الخبرة والرأي والمشورة، فقال: «فإن كنت أخرق ممن أصنع له»؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) له: «فاصمت لسانك إلّا من خير»، فعندما تتكلم، عليك أن تمسك لسانك عن أية كلمة شر أو ضرر، وأن لا تطلقه إلاّ للخير، «أما يسرُّك أن تكون فيك خصلة من هذه الخصال تجرك إلى الجنّة».

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلّا ناداه الله تبارك وتعالى: عليّ ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنّة». وعنه (عليه السلام): «تنافسوا في المعروف لإخوانكم وكونوا من أهله، فإنّ للجنّة باباً يقال له المعروف، لا يدخله إلّا من اصطنع المعروف في الحياة الدُّنيا، فإنّ العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن، فيوكّل الله عزّوجلّ به ملكين، واحداً عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربّه، ويدعوان بقضاء حاجته»، ثم قال: «والله، لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسرُّ بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت إليه من صاحب الحاجة».

وهناك أيضاً فعل البرّ والخير، ومساعدة الآخرين والمحتاجين قدر الإمكان، ليس فقط من الناحية الماديّة، بل المعنويّة، فهناك من هم بحاجة إلى الشعور بهم، ونصحهم، والاستماع إلى مشاكلهم، وإعانتهم على بعض قضاياهم الخاصّة.

لذلك، علينا أن ندعم بعضنا بعضاً، وأن نساعد بعضنا بعضاً، كلٌ بحسب إمكاناته وقدراته، وأن نعيش على أساس الرحمة والمحبّة، لأنّ ذلك هو ما يحبّه الله ورسوله ويرضيا عنه، «المؤمن في رحمة الله ما دام في عون أخيه المؤمن». كذلك صلة الأرحام، والقيام بجملة من الزّيارات إلى الأهل والأرحام والأصدقاء والمعارف، بغية مبادلتهم المحبّة، والإحساس تجاههم بكلّ رحمة وتكافل، وتأكيد لمتانة العلاقة معهم. فما أجمل أن ينعم المجتمع بالتراحم الذي يبعد عنه شبح التّنازع والتّخاصم. فالواصلون للرّحم بشِّروا بالموقع الرّفيع، فقد ورد في الأحاديث: «صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسى‏ء الأجل»، «أعجل الخير ثواباً صلة الرَّحم»، «إنّ المرء ليصل رحمه، وما بقي من عمره ثلاث سنين، فينسئه الله ثلاثين سنة، وإنّ الرّجل ليقطع رحمه، وقد بقي من عمره ثلاثون سنة، فيصيّره الله إلى ثلاثة أيّام».

اللّهمّ إنّا ندعوك بنيّات خالصة، وقلوب صادقة خاشعة، أن توفِّقنا كي نعود إلى أنفسنا، ونفتحها على فطرة الخير التي تبني وتجمع وتعمر بالمشاعر الطيّبة، وأن تعيننا على أنفسنا وقضاء حاجاتنا، بالشّكل الذي لا ينحرف بنا عن خطِّ مرضاتك، كي نفوز بفضلك ورحمتك ومحبّتك وتسديدك وتوفيقك في الدُّنيا والآخرة.

ارسال التعليق

Top