• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

فلسفة الإسلام الاجتماعية

جمال الدين عبدالرسول

فلسفة الإسلام الاجتماعية

ثمّة ترابط واضح بين الدين الإسلامي والمجتمع الذي يشكّل بُعداً رئيسياً في تعاليمه، ومن غير المعقول أن يُدَّعى أنّ الدين الإسلامي جاء لإشباع الجانب الروحي من الإنسان، مُهملاً أيّ اهتمام له بمسألة المجتمع. ومثل هذا الادّعاء لا يمكن أنّ ينطلق إلّا من رغبة في إقصاء وظيفة الدين ودوره في حياة المجتمعات.

وكلّ من درس تاريخ وتعاليم الأديان السماوية المجرّدة من كلّ تحريف وتلاعب، ووعى الأساس العقلي والعقلائي للقول بضرورة الرسالات وبعث الرسل والأنبياء (عليهم السلام)، لابدّ أن يستنتج عدم إمكانية حصر حركة الدين ضمن المجال الروحي والغيبي، وتهميش فاعليته في المجال الاجتماعي، وسائر المجالات الحياتية الأخرى التي من شأن الدين أن يكون فاعلاً ومؤثّراً فيها.

ومن هنا نجد لزاماً علينا من أجل بيان الموقف الإسلامي تجاه قضية الترابط بين الدين والمجتمع أن نعرض أوّلاً – وقبل كلّ شيء – العلاقة القائمة بين الاثنين، ثمّ نستعرض جملة من المباحث المترتبة على إثبات هذه العلاقة وتحديد طبيعتها.

 

العلاقة بين الدين والمجتمع:

إنّ العلاقة بين الدين والمجتمع هي صورة للعلاقة بين الله تبارك وتعالى وبين الإنسان؛ لأنّ الله تبارك وتعالى هو قطب الدين النابض والثابت، وهو الحي والقيُّوم و... كلّ الصفات الجمالية والجلالية، والإنسان هو وحدة بناء المجتمع.

فمسألة العلاقة بين وجود الإنسان ووجود البارئ سبحانه وتعالى تقوم على أساس الحضور التام في حياة الإنسان إلى الحدّ الذي يكون فيه عزّ شأنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد.

قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق/ 16).

وقال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (الأنفال/ 24).

وقوله عزّ وجلّ: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر/ 19).

وهذا الحضور الإلهي المحيط بالإنسان له فاعلية وتأثير ليس في إمكان الإنسان أنّ يلغيه أو يقلّل من شأنه؛ لأنّ قدرة الإنسان لا يمكن أن تبلغ حقائق الوجود وتتصرّف فيها كيف ما شاءت.

وهذه العلاقة بين الله تبارك وتعالى والإنسان، الصميمية والمفعمة بالحبّ والرحمة، تضيف على حركة الإنسان في هذه الحياة الدنيا معنى مغايراً للمعنى الذي تطرحه "المدار الأرضية"، التي تسعى إلى إخفاء الحقيقة والتستر عليها، بل ورفضها والتكذيب بها، متجاهلةً أنّ منطق العقل يفرض عليها الإيمان بالله تعالى والتصديق به، ولزوم تحمّل الإنسان كلّ نتائج أفعاله أمام الخالق تبارك وتعالى يوم الجزاء.

وإذا  كان عقل ووجدان الإنسان يدلّانه على هذه الحقيقة، فكيف يمكن للإنسان أنّ يبني تصوّراته عن الكون والوجود، ويسمح لنفسه بمطلق التصرّف في هذا العالم، بعيداً عن مالك الملك الذي هو حيّ قيوم مدبّر، إلّا أنّ يكون ثمة خللاً في عقيدته، واختلالاً في عقله؛ لأنّ من يتنكّر للحقيقة التي يرشده عقله ووجدانه إليها، ويرفض الالتزام بمقتضاها ولوازمها، لا يمكن أنّ يعدّ من العقلاء.

 

القيمة الإنسانية في فلسفة الإسلام الاجتماعية:

ثمة قيم ومبادئ اجتماعية وتربوية يحثّنا الإسلام إلى التحرّك باتجاهها، وجعل جملة محاور تزيد من شدة هذا التحرك، وفي مقدّمة هذه المحاور العبودية لله تبارك وتعالى وحده، والتي تعتبر القيمة العليا التي يتحرك المجتمع المسلم نحوها، عبر العمل على تجسيد مبدأ التوحيد في كلّ شأن من شؤونه، من أفكاره ومعتقداته، ومروراً بأحاسيسه ومشاعره، وانتهاءً بممارساته وأفعاله.

فعقيدة توحيد الله تعني في الواقع وحدة مبدأ كلّ المظاهر الكونية، وتمركز كلّ ما في الوجود، من حركة وسعي، وهدف ومسير، وإيمان وحبّ، وأمل ودافع... وكلّ مظاهر الحياة، كبيرها وصغيرها، في الذات المقدّسة للباري جلّ وعلا...".

فعقيدة التوحيد هي القيمة الإنسانية الكبرى في فلسفة الإسلام الاجتماعية، من حيث إنّ العبودية لله جلّ وعلا هي الرابطة الحقيقة التي تجمع بين أفراد الأُمّة المسلمة في ما تمارسه من علاقة اعتراف وإقرار وتوحيد لخالقها.

وهذه العبودية لله تبارك وتعالى وحده هي مبدأ وحدة الأُمّة المسلمة، وكونها خير أمة أخرجت للناس، ووسطيّتها وشهادتها على الناس.

وهذه الأمور الثلاثة يشير إليها القرآن في الآيات الثلاثة التالية:

قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء/ 92).

وقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران/ 110).

وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة/ 143).

وهذه القيمة الإنسانية والتربوية والأخلاقية الكبرى – أعني: العبودية لله وحده – التي هي ثمرة توحيد الله عزّ وجلّ والإيمان به، لا تجد حضوراً لها في المجتمع البشري الذي يبني كلّ وجوده على مبدأ الفردية وسيادة الأنا، ويتصرّف في ذاته وفي الكون على أنّه السيد المطلق، والمالك الأصلي، فضلاً عن عدم إيمانه بالله سبحانه ولا الاعتقاد بوجوده.

 

المصدر: كتاب الوحدة والانسجام الإسلامي

ارسال التعليق

Top