• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

فن التكيُّف مع الحياة

عبدالعليم غُزي

فن التكيُّف مع الحياة
كيف ينتقل المرء من مشتل الأسرة إلى حديقة المجتمع مزوداً بمهارات النجاح؟
السلوك الإيجابي يحقق التكيف الشخصي والاجتماعي للطفل، فتكون لديه القدرة على التوافق مع نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه، مما يؤدي به إلى التمتع بحياة خالية من التأزم والاضطراب، مليئة بالحماس والإيجابية، ويعني هذا أن يرضى الفرد عن نفسه، ويتقبل ذاته كما يتقبل الآخرين، فلا يبدو منه ما يدل على عدم التوافق الاجتماعي، كما لا يسلك سلوكاً إجتماعياً شاذاً، بل يسلك سلوكاً معقولاً يدل على إتزانه الإنفعالي والعاطفي والعقلي في ظل مختلف المجالات تحت تأثير جميع الظروف.
معنى التكيف: التكيف في علم النفس هو تلك العملية المستمرة التي يهدف بها الشخص إلى أن يغير سلوكه، ليحدث علاقة أكثر توافقاً بينه، وبين البيئة من حوله، وله بُعدان: شخصي، وإجتماعي.
أ- التكيف الشخصي:
هو أن يكون الفرد راضياً عن نفسه غير كاره لها أو نافر منها، أو ساخط عليها، أو غير واثق فيها – ما تتسم حياته النفسية بالخلو من التوترات والصراعات النفسية التي تقترن بمشاعر الذنب، والقلق، والضيق، والنقص، والرثاء للذات.
ومن المكونات الرئيسة لهذا البُعد من التكيف إشباع الفرد لدوافعه، وحاجاته المختلفة بصورة ترضي الفرد والمجتمع في آنٍ واحد أو على الأقل بصورة لا تضر بالغير، ولا تتنافر مع معايير المجتمع.
وغير المتكيف مع نفسه شخص يعاني حرباً تدور رحاها بين جوانب نفسه، وهي حرب تستنفد قدراً من طاقاته كان يجدر به أن يستغله في مواجهة تكاليف الحياة، وشدائدها، لذا نراه قليل الحيوية، سريع التعب، عاجزاً عن المثابرة والإنتاج وبذل الجهد، فقد استنفدت الصراعات النفسية قواه، كما تراه عاجزاً عن الثبات والصمود حيال الشدائد والأزمات.
ب- التكيف الاجتماعي:
هو قدرة الفرد على أن يعقد صلات إجتماعية راضية مرضية مع من يعاشرونه، أو يعملون معه من الناس، صلات لا يغشاها الاحتكاك والتشكي والشعور بالاضطهاد، ودون أن يشعر الفرد بحاجة ملحة إلى السيطرة أو العدوان على من يقترب منه، أو برغبة ملحة في الاستماع إلى إطرائهم له، أو في استدرار عطفهم عليه، أو طلب المعونة منهم.
والمتكيف مع المجتمع أقدر على ضبط نفسه في المواقف التي تثير الانفعال فلا يثور لأتفه الأسباب، ولا يعبر عن انفعالاته بصورة طفولية، هذا إلى قدرته على معاملة الناس بصورة واقعية لا تتأثر بما تصوره له أفكاره، وأوهامه عنهم، لذلك يوصف المتكيف مع المجتمع بأنّه (ناضج انفعالياً).

- عوامل إحداث التكيف:
هناك عوامل عدة لها أكبر الأثر في إحداث التكيف الشخصي والاجتماعي لدى الأفراد من أهمها:
1- إشباع الحاجات الأوليّة والشخصية:
فإذا لم تشبع حاجات الفرد العضوية أو النفسية فإنها تخلق لديه توتراً يدفعه إلى محاولة إشباع هذه الحاجة، وكلما طالت مدة حرمان الفرد زاد توتره حدة، وينتهي الموقف عادة إذا استطاع إشباع هذه الحاجة، أما إذا لم تسمح الظروف البيئية والاجتماعية بإشباع هذه الحاجة، فإنّه يحاول أن يجد وسيلة يشبع بها حاجاته، وقد تكون هذه الوسيلة غير سوية لا يقرها المجتمع، ومن هنا ينحرف الفرد أو يجنح، فتختل بذلك عملية التوافق، فقد يلجأ الجائع إلى السرقة، والطفل المنبوذ قد يلجأ إلى الإنطواء، فهما أسلوبان مختلفان لعدم التكيف نتجا عن عدم إشباع الحاجة بطريقة طبيعية.
2- توافر العادات والمهارات التي تيسر إشباع الحاجات:
هذه المهارات والعادات إنما تتكون في المراحل المبكرة من حياة الفرد، هذا – بدون شك – يؤكد أهمية السنوات الخمس الأولى في حياة الطفل وتكوين شخصيته، ففي هذه السنوات تتكون المعالم الأولى لشخصية الطفل خلالها، وتنمو لديه بذور التوافق أو عدمه، ويشبّه علماء مدرسة التحليل النفسي هذه السنوات الأولى من حياة الأفراد بأنّها "مشتل الشخصية" إذ يُربى الطفل في جو إجتماعي يتوافر فيه الحنان، والدفء العاطفي، والشعور بالأمن من جانب الوالدين.
ولا شك في أن توافر الظروف الملائمة كي يمر الطفل بعملية التنشئة الاجتماعية السليمة من شأنه أن يتيح له نمو الشخصية، وبذلك يستطيع أن ينتقل من هذا المشتل – الأسرة – إلى الحديقة الكبرى – المجتمع – وهو مزود بالعادات والمهارات التي تجعله عضواً متفاعلاً متجاوباً مع الجماعة.
3- معرفة الطفل نفسه:
أي أن يعرف إمكاناته وقدراته، وذلك إذا ما عرف هذه الإمكانات والقدرات فإنّه لا يرغب في شيء لا تسمح هذه القدرات والإمكانات بتحقيقه، أما إذا كان جاهلاً بهذه القدرات والإمكانات فإن رغباته قد تأتي بحيث تعجز هذه الإمكانات عن تحقيقها، وعندئذ يكون ما يترتب على عدم تحقيق هذه الرغبات من إحباط عاملاً من عوامل إختلال التوافق، والتكيف.
4- تقبل الطفل نفسه:
إنّ فكرة الإنسان عن نفسه من أهم العوامل التي تؤثر في سلوكه، فإذا كانت هذه الفكرة حسنة وتتسم بالرضا فإن ذلك يدفعه إلى العمل والتوافق مع أفراد المجتمع، كما أن ذلك يدفعه إلى النجاح حسب قدرته دون أن يحاول العمل في مجالات لا تسمح له قدراته بالنجاح فيها.. أما الفرد الذي لا يتقبل نفسه فإنّه يتعرض للمواقف الإحباطية التي تجعله يشعر بالعجز والفشل، وهنا تصبح درجة التكيف الاجتماعي سيئة، مما يدفعه للإنطواء أو العدوان.
5- شعور الطفل بالأمن وأهمية ذلك:
إنّ الطفل يحتاج إلى الشعور بالأمن حاجة شديدة، ويرى "أوسيجنان" أنّ الطفل إذا كان في وسط مألوف فإنّه يشعر بالأمن، ويتسم سلوكه بالاتزان.
فالأمن له عناصره الأساسية وهي: (المحبة – القبول – الاستقرار)، فشعور الطفل بحب من يحيطون به عامة، وحب أمه له خاصة، أمران ضروريان لنموه لا على المستوى الإنفعالي فقط، بل على المستوى البيولوجي والفكري أيضاً.
لقد أثبتت الأبحاث المختلفة أنّ الطفل المحبوب طفل سعيد.. والحب لا يستطيع أن يقوم بدوره في الإشعار بالأمن إلا إذا أحس الطفل بأنّه مقبول في عائلته وإستقرار الوسط العائلي هو الشرط الثالث للأمن، فكلما كانت الأرض التي يعيش عليها الطفل ثابتة ترحب به، ساعد ذلك على نموه وتكيفه مع البيئة، أما إذا كانت هذه الأرض مضطربة غير متجانسة، فقيرة في القيم الاجتماعية، فإن نموه يكون غير تام، كذلك فإن ثبات الأساليب التي يعامل بها الطفل شرط أساسي من شروط إستقراره النفسي، أما إختلاف الإتجاهات العائلية في تنشئة الطفل فيدعو دائماً إلى زعزعة الكيان النفسي للطفل، ومن أمثلة ذلك قسوة الأب، وتزمته، وصلابته، في الوقت الذي تتساهل فيه الأُم وتكثر من الصفح والتسامح.
ويجب أن نضيف إلى الإستقرار الذي يتعلق بأسلوب المعاملة إستقرار العلاقات المتبادلة بين الزوجين، فالطفل يجب ألا يشعر بأنّه منجذب في مخاصمات إنفعالية تنشأ في الجو العائلي، وبأنّه مضطر إلى أن يحكم – أراد أو لم يرد – على من كان ينبغي أن يحتفظ في نفسه بالحب له.
أخيراً.. إنّ المحبة، والقبول، والإستقرار هي أعمدة ثلاثة يقوم عليها أمن الطفل الذي هو شرط أساسي للنمو الانفعالي له، مما يعتبر بدوره مقوماً من المقومات المهمة للتكيف السليم.
ولما كانت الأسرة هي المجال الاجتماعي الأوّل الذي ينشأ فيه الطفل، فإنّ العلاقات العائلية تصبح سبباً مباشراً من أسباب نمو الطفل، إما نمواً طبيعياً أو مرضياً إلى حد كبير.. ودرجة الأمن الذي يحس بها الطفل ذات أثر كبير في رشده، وتكيفه، أو عدم تكيفه من الوجهة الاجتماعية، والنفسية.
إنّ أطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض، أمانة في أعناقنا، فلنسع دائماً إلى تحقيق التكيف الشخصي والاجتماعي لهم، حتى يتقبل الطفل نفسه ويتقبل الآخرين، ويشعر بأمنه وتنبت شخصيته السوية المتكيفة.

- صحبة الآباء للأبناء تجعلهم أكثر نشاطاً:
أكّدت دراسة علمية – نُشرت حديثاً – أن وجود الآباء مع أطفالهم في المنزل يجعلهم أكثر نشاطاً وفاعلية في المجتمع.
وذلكرت الدراسة – التي أجريت في جامعة ولاية بنسلفانيا الأمريكية – أنّ الرجال الذين يعيشون مع أطفالهم ينخرطون بصورة أفضل في الأنشطة الاجتماعية، ومؤسسات الخدمات، ويصلون أرحامهم أكثر، ويكونون أكثر اتصالاً مع إخوانهم وأولادهم ووالديهم من غيرهم من الآباء أو غير الآباء.

ارسال التعليق

Top