• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٢ | ١٣ محرم ١٤٤٤ هـ
البلاغ

كيف تتشكل فطرتنا؟

عباس آل حميد

كيف تتشكل فطرتنا؟

يقول سبحانه وتعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر/ 71-72).

يقول سبحانه وتعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر/ 71-72).

نأتي إلى الدُّنيا ونحن نملك بعدين أثنين، بعداً حيوانياًّ جسمانياًّ، وبعداً روحياًّ نفسياًّ. لون البشرة، والشعر والطول، والصفات الجسمية الأخرى، ودرجة الذكاء، ومستوى المرح، والشجاعة، وجميع الصفات النفسية الأخرى، والاستعدادات الكامنة لكلا البعدين فينا موروثة ومحددة بطقم الجينات الوراثية للحيوان المنوي المختار والبويضة المختارة، اللذين منهما تشكّل كل واحد منا.

ولكن ليست الصفات والاستعدادات الكامنة فقط هي التي نأتي بها إلى هذه الدُّنيا، وإنّما نأتي إليها أيضاً بطعم من المعايير والقيم الموحدة المغروسة فينا جميعاً، والتي تشمل فيما تشمل معرفة الله والتعلق به وحبه وعبوديته. هذا الطقم نسميه (الفطرة).

ربما تكون الصفات الجسدية صعبة وأحياناً مستحيلة التغير، أمّا الصفات النفسية، والتي تشكل أساس حركتنا في عالم الدُّنيا، والاستعدادات الكامنة فينا، والقيم والمعايير (الفطرة) المغروسة فينا فهي ليست ثابتة أبداً، بل تظل تتغير، وتنمو أو تضمحل بحسب حركتنا وإراداتنا والمعرفة التي نكتسبها، والعقائد التي نؤمن بها.

تتغير بنظرتنا للحياة وبسلوكياتنا اليومية البسيطة، ونحن ندرس، ونحن نعمل، ونحن نلعب وننام ونتعامل مع الاصدقاء، ونتعامل مع أفراد الأسرة، ونتعامل مع المجتمعات المحيطة بنا، ونتعامل مع جميع مفردات الكون التي ندركها، ونحن نفكر، ونحن نشعر، وباختصار ونحن نعيش الحياة بكل تفاصيلها، وكأنّها الأحرف التي تكتب وترسم صفاتنا النفسية من علم وإرادة وعزيمة وحكمة وحب وتقوى وجمال وخير وشجاعة ويقين، إلى آخر القائمة، التي ربما نعجز عن تحديدها، لأن عالم الدُّنيا بطبيعته المادية أقل من أن تظهر وتبرز فيه جميع صفاتنا النفسية، إلّا أن أهم هذه الصفات وأولها وآخرها هو إدراكنا لعبوديتنا لله عزّوجلّ.

نأتي إلى الدُّنيا بحاجاتنا الناشئة من كلا البعدين فينا الروح والجسد، فنحتاج أن نأكل وأن نشرب وأن نلبس، وأن نمرح، وأن نحب، وأن نفكر، وأن نتعلم، وأن نتفاخر، وهلم جراًّ.

نتفاعل مع الدُّنيا بمكوناتها، وموجوداتها، سعياً وراء سد هذه الحاجات، فندرس، ونتعلم، ونبحث، ونعمل ونصنع ونكدح فيها، فنسد حاجاتنا، وفي المقابل تنشأ لدينا حاجات وحاجات أخرى، ونظل في سعي دائم منذ طفولتنا وحتى مماتنا لسد هذه الحاجات التي لا تنتهي أبداً.

لكي تكسب لقمة عيشك بكرامة وأمان، ولتستطيع أن تمارس حياتك باطمئنان من دون ذل الحاجة، عليك أن تدرس لسنوات طويلة، ثم عليك بعدها أن تعمل، وفي جميع المراحل الدراسية والعملية أنت تواجه الكثير من المواقف اليومية، ويكون عليك اتخاذ العديد من القرارات والمواقف، وهذه هي التي تحدد صفاتك أو قل ملكاتك، ثم تشكل وتكون ذاتك بها.

لديك رصيد من مستوى الشجاعة ورثته من والديك، والآن في هذه الدُّنيا أنت تبني عليه، فإذا تعودت أن تأخذ مواقف متخاذلة خائفة، فأنت تشكّل وتكوّن في ذاتك الخوف والجبن إلى أن يصبح الخوف والجبن جزءاً من كيانك النفسي، بينما لو اتخذت مواقف شجاعة، فأنت تشكّل وتكّون في ذاتك الشجاعة، إلى أن تصبح الشجاعة جزءاً من كيانك النفسي، وإن تضاربت مواقفك وسلوكياتك، فتارة جبانة خائفة، وأخرى جريئة شجاعة، فأنت تزيد وتنقص من رصيد الشجاعة لديك وفق قراراتك ومواقفك.

عن الرسول الأكرم (ص): «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».

والأمر ذاته يحدث مع جميع الصفات النفسية الأخرى كالعلم والإرادة والتقوى واليقين والحكمة والحلم، وغيرها.

المصدر: كتاب النفس المطمئنة (خطوات عملية  لتحقيق السعادة والنجاح)

ارسال التعليق

Top