• ٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ١٢ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

ليلة شتاء قارس

مجدي حليم

ليلة شتاء قارس
  يوم أظلمت الدنيا، وأرخى الليل سدوله مبكراً على غير عادة، في نذر بليلة حافلة من ليالي الشتاء الماجن، حملت بشراها رياحٌ لم تألُ جهداً، فاستنفرت قواها، وهمّت بالسحب تلملمها من حدب وصوب، محدثةً صريراً قوياً يرهب باقي السحابات في الآفاق، فتنصاع لأوامره وتتجمّع لتتزاحم في كبد السماء، محذرة من غضب الطبيعة القادم لا ريب فيه، فأظلمت من تحتها الدنيا، وعلا زئير الرياح أكثر وأكثر في كل حدب وصوب، وتوقف الزمن، ومرّت اللحظات متثاقلة كالدّهر.
فوجل الناس وهرعوا وخلت الشوارع، وصمتت المخلوقات جميعاً، اضطراباً واحتراماً لهيبة غضب الطبيعة.
**
أدبرت الرياح قليلاً وساد الصمت الرّهيب، وكأنّها تتيقن من سكون الكائنات، ثمّ أقبلت ببأس شديد، تدفع أمامها موجات سحب جديدة وتصدمها بقوة وعنف بالأخريات، في استعراض للجبروت والعنفوان، فتضج السماء بأصوات الانفجارات المدويّة حاسرة عن عنف الاصطدام، بين عتاة السحب وتناثر أشلائها في الأفق الملتاع، تسبقها دفقات متوالية تخطف الأبصار من بروق أحالات عتمة السماء نهاراً.
أمّا حبّات المطر، فلم تتأخر كثيراً وعلى استحياء أعلنت عن حضورها، ثم لم تلبث أن تجرّدت ونزعت عنها الحياء، لتصبح وابلاً مترامي الأطراف، يدثّر الأرض، ويحمّم الشجر، ويغرق الحجر، ويرهب البشر.
وكلما أعاد البرق ومضه، مسّ الجنون المطر، وفي سباق محموم تلهث قطراته حبّاته، وكأنّما للريح سوط يلهب متونها، وتئنّ الأرض غرقاً أسفل طرقاته.
تجمّلت الدنيا وتحمّمت الأشجار واخضرّت أوراقها وأينعت، واغتسلت البنايات ولمعت نوافذها. أما السيارات، فقد بدت كما لو كانت لم تخرج إلى الشوارع من قبل. وأمّا الناس، فقد أوصدوا من دونهم كل الأبواب وسدّوا النوافذ وأسدلوا الستائر.
فقط الطبيعة هي التي تتكلم، وعندما تتكلم الطبيعة، فكل من يحيا على الأرض مأمورٌ بالصمت، جبراً لا طواعية.
**
أما هي، فهي الوحيدة التي ليس لها دار ولا دثار، تحيا هائمة على وجهها في الطرقات، بالكاد تتسول ما يسد رمقها، بلا حلم ولا أمل تحيا، فقط مبتغاها أن تمضي بها الأيام في سلام بمأمن من (كلاب الشوارع)، كلما رأت أحدهم من بعيد أو حتى استشعرت قدومه، هرعت تحتمي بأي جدار حتى يمر ولا يلحظها ويحدث ما لا تحمد عقباه.
يومان كاملان مرّا بها، لم تذق فيهما قطرة ماء، لهثت الثرى من العطش، لم يهتم لحالها أحد، بل ولم يشعر بوجودها أحد، لم يسقها أحد ولم يلقَ أحد ولو بضع قطرات مياه في الشارع تلعقهم بلسانها، حتى كادت تهلك، كشيمة من لا عائل له ولا عائلة ولا معين.
**
صرخت وتألمت وتضوّرت حتى شارفت على الهلاك، لم يلحظها البشر، إلا الطبيعة بكل عنفوانها وجبروتها، كانت أقرب إليها من حبل الوريد، أحنّ عليها من كل بني البشر، سمعت صوتها و؛سّت بمعاناتها وألمها، هرعت واستنفرت كلّ قواها لم تهبها بضع قطرات من الماء، ولكن أغرقت الأرض بالمطر وأرعبت كل البشر، وأخلت لها الشوارع وجمّلت لها الدنيا، لتجد لنفسها فسحة لتشرب وتهنأ وترتوي بلا خوف ولا وجل.
وأخيراً.. جاء مواؤها من أسفل سيارة، تخاطب الطبيعة أن تكف عن رعدها وبرقها ومطرها، فقد شربت وارتوت.

ارسال التعليق

Top