• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

مجاهدة النفس

مجاهدة النفس

إنّ أوّل خطوة على طريق التربية والتهذيب هي "المجاهدة"، يعني السعي إلى رفع الموانع التي تسد طريق كمال الإنسان، وبدونها فإنّ أي نوع من التربية سوف يكون بلا نتيجة، ومن خصائص التربية الدينية أنّها قبل أن تبدأ بالتربية الخارجية للإنسان فإنّها تبدي له نفسه أوّلاً وتذكره بنقاط قوته وضعفه ليتحمس في سعيه إلى الرشد والتزكية وإزالة الموانع من الطريق.

المجاهدة على شكلين: داخلية وخارجية (جهاد النفس وجهاد العدو الخارجي) ولهذين دور تربوي وبنّاء للإنسان. وسوف نتحدث في البداية عن جهاد النفس، ولتبيينه نلفت إلى عدة مطالب: النفس وخطرها، ضرورة مجاهدة النفس، حقيقة المجاهدة، المراحل العملية لتهذيب النفس وزاد الطريق للمجاهدة.

 

أ‌)       النفس وأخطارها:

إنّ معرفة النفس هي أوّل ضرورة في موضوع المجاهدة. وكما قلنا في الماضي فإنّ إحدى مراتب النفس المتدنية هي النفس الأمارة وهي تعطي أمراً بارتكاب السوء من الداخل (إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) (يوسف/ 53)، واعتبرها الرسول الأكرم (ص) أقوى الأعداء، وقد جرى توبيخها كثيراً في الآيات والروايات والتوصيات الأخلاقية والعرفانية وفي أدبياتنا، واعتبر اتَّباع هوى النفس مصدراً لكلّ الموبقات والضياع.

روي عن عليّ (ع): "نفسك أقرب أعدائك إليك".

يعتبر القرآن الكريم أنّ هوى النفس نوع من الشرك، يعمي العقل ويُظلم القلب ويحرم الإنسان من معرفة الله ويحجبه عن الحقائق، ويقول القرآن الكريم في هذا المجال: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية/ 23).

وقال الإمام الصادق (ع): "لا حجاب أوحش وأظلم بين العبد وبين الله تعالى من النفس والهوى".

يشبه هوى النفس دوامة البحر المهلكة، فكلما ضغط الإنسان بقدمه فيها فإنّها تسحبه أكثر ويخسر الأمل بالنجاة. ولا يكتفي هوى النفس بدفع الإنسان نحو ارتكاب الذنب، بل يدفع به إلى حد الكفر وإنكار آيات الله.

ولما قويت هيمنة النفس الأمارة والشيطان في الباطن، وانقادت القوى جميعها لهما في العبودية والطاعة وأبدت لهما الخضوع والتسليم التامّين، ما اقتصرتا على المعاصي بل دفعتا بالإنسان من المعاصي الصغيرة رويداً رويداً إلى المعاصي الكبيرة، ومنها إلى ضعف في العقائد ثمّ إلى الأفكار المظلمة ثمّ إلى الطريق المغلق للجحود ثمّ إلى بغض وعداوة الأنبياء والأولياء.

 

ب‌) ضرورة المجاهدة:

بالالتفات إلى ما أشرنا إليه من أخطار النفس فقد ذكرت مجاهدة النفس في الروايات تحت عنوان "الجهاد الأكبر" وهو أمر لابدّ منه ويستمر حتى آخر أيّام العمر.

يعتبر عليّ (ع) أنّ الجهاد مع النفس هو أعلى أنواع الجهاد: "ما من جهاد أفضل من جهاد النفس"، وسر هذا المطلب هو انّه:

أوّلاً: إنّ إصلاح النفس هو أساس التربية، وهذا لا يتيسر إلّا عن طريق المجاهدة كما يقول عليّ (ع): "في مجاهدة النفس كمال الصلاح".

ثانياً: لا يتيسر نيل الدرجات العالية والكمالات المعنوية إلّا على ضوء مجاهدة النفس؛ لأنّ هوى النفس يؤخر الإنسان عن العلم والكمال والكرامة والعزة وتجلي الاستعدادات الإنسانية، يقول أمير المؤمنين (ع): "من أحب نيل الدرجات العلى فليغلب هواه".

ثالثاً: إذا هُزم الإنسان في جبهة النفس فإنّه سوف يُهزم في كلّ الجبهات، وإذا أسر الإنسان للنفس فإنّ هذا قد يجره إلى كلّ نوع من أنواع العبودية والانحطاط. ويقول عليّ (ع): "مَن اتبع هواه أردى نفسه".

على هذا، إذا أراد الإنسان أن يملك نفسه وأن يتخلص من قيود الطبع وأسر النفس وأسر الآخرين. فلا سبيل أمامه سوى تقبل القيود حتى يتحرر من قيود النفس. يكتب أمير المؤمنين (ع) لمالك الأشتر: "فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فإنّ الشحّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت وكرهت".

الرياضة:  لقد وردت مجاهدة النفس في بعض الروايات تحت عنوان "الرياضة" وهي تعني السعي باتجاه ترويض النفس في مقابل الشهوات، وحسب تعبير المعصوم (ع) لا تقبل الرياضة الإنفكاك عن الشريعة (الشريعة رياضة النفس) وأعلى درجاتها لأولياء الله. يكتب أمير المؤمنين (ع) رسالة إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة يقول فيها: "وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر وتثبت على جوانب المزلق".

يُفهم من الروايات أنّ الرياضة هي قمة أعلى ومرتبة متعالية في المجاهدة تتصل بطريق الكمال، ولا تُحذِر فقط من المحرمات والمكروهات بل إنّها أيضاً تمنع من كثير من الأمور المباحة، وبهذه الوسيلة، وفي إطار الشرع. فإنّها تزيد من صفاء النفس وقدرتها الروحانية.

نعم، إنّ المظاهر الملكوتية للنفس الناطقة، وحصول العقل على المعارف الإلهية، وعروج الروح إلى الملكوت الأعلى، وكسب الإنسان لعزته وكرامته رهن وقبل كلّ شيء بتطهير الروح والرياضة ومجاهدة النفس الأمّارة.

حقيقة المجاهدة: المجاهدة والرياضة في الإسلام لا تعني الحرمان من النعم الإلهية والقضاء على الميول المادية المشروعة، كما يروج له في المسالك الإفراطية، بل هي بمعنى الحد منها والإمساك بزمامها وتجيير هذه الاستعدادات باتجاه رشد وسمو وكمال الإنسان.

إنّ القيد في الواقع أصل منطقي في نظام الخلق، ويطبق بشكل ذاتي وتحت التدبير والأمر الإلهي، وهو رمز صيانة وبقاء الموجودات، ومن جملتها الإنسان، فللإنسان مثلاً ميل غير محدود بخصلته الغريزية للمآكل والمشارب اللذيذة، ولكن الاحتياج الطبيعي للبدن في نفس الوقت يجعله يحدّ منها، فعندما يتأمن احتياج البدن ويصل إلى الحدّ الطبيعي نجد أنّ هذا الإنسان يردّ الماء والغذاء ولا يتناوله، فقد بعث الله الأنبياء من أجل أن يرافقوا القافلة الإنسانية في مسير الكمال ويضعوا القيود لكلّ القوى حتى يستطيع الإنسان على ضوء هداية العقل والشرع أن يمسك بزمام الشهوة والغضب، لا أن يعطلها.

ولكي لا يفوتنا القول أيضاً نقول إنّ الأسر وعبودية الإنسان أمام الميول النفسانية لا تسد طريق التكامل والمقامات الإنسانية السامية وتدفع القوى المعنوية اللامحدودة نحو الركود والخمول وتلقي بالسعادة الأبدية للإنسان في لجج المخاطر وحسب، بل هي أيضاً في نفس هذا العالم المادي الحياة الدنيوية وتوجب الفساد والخراب والهرج والمرج الأخلاقيين بحيث أنّه سوف يستحيل حينئذٍ الاستمرار.

وبنفس هذا الدليل الذي قلناه لم يتقبل أي واحد من المجتمعات الإنسانية الحرة عبودية الإنسان أمام الميول النفسانية، بل نجد في كلّ المذاهب الإنسانية نحواً من القيود الإلزامية.

ارسال التعليق

Top