• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

مسرحة الأماكن.. تيار لم يتشكل بعد

إبراهيم الحسيني

مسرحة الأماكن.. تيار لم يتشكل بعد
غالباً ما يتم توصيف المكان الذي يمارس فوقه نشاط ما باسم هذا النشاط، فإذا ما تم داخل ساحة مثلاً للبيع والشراء سميت الساحة باسم السوق، وإذا ما تم فوقها مباراة لكرة القدم سميت الساحة بملعب للكرة... وهكذا، وهذا ما يدركه غالباً مخرجو العروض الرافضة للعلبة الإيطالية، فمثلاً في تجربة عبدالعزيز مخيون وجدناه يكتب موصفاً جزءاً من تجربته خاصاً باختياره المكان يقول فيه "خارج القرية توجد مساحة خالية ليس لها صفة إلا كونها أرض فضاء، وفي أحد أيام الأسبوع ينصب السوق فوق هذه المساحة، وهنا تكتسب صفة اجتماعية وهي السوق (...) ومن الممكن وعلى نفس هذه المساحة أن يجري عرض مسرحي يكون له بدوره حيزه الخاص (...) وهذا ما يعرف بالتوزيع المورفولوجي للمكان...".
إذا يمكن تحويل أي مكان لمسرح بمجرد أن يقام عليه عرض مسرحي، والعروض الرافضة لخشبة المسرح الإيطالية لا يمكن التعامل معها على أنها شيء واحد، فبالرغم من اتفاقها جميعاً على رفض العلبة الإيطالية إلا أنّه يوجد بينها العديد من الفروق الخاصة بطبيعة الأماكن المختلفة التي يذهب إليها العرض، وبطبيعة النص الموجه لجمهور هذا المكان، لذا يمكننا أن نقول إنّ هذا الخروج من أسر العلبة الإيطالية يهدف إلى تقديم مسرح داخل أماكن غير مخصصة للمسرح أصلاً وإنما لها وظائف أخرى وجدت من أجلها، ولسبب أو لآخر يتم استعارة هذا المكان لبعض الوقت لكي يتم تقديم عرض مسرحي عليه، وطوال فترة إقامة العرض المسرحي داخل هذا المكان تتجاوز مع صفته الأولى صفة كونه مسرحاً، ثمّ لا تلبث أن تزال هذه الصفة بمجرد زوال العرض المسرحي.

نحو تحديد مفهوم علمي لمسرحة الأماكن:
المكان المفتوح الذي يقدم عليه العرض المسرحي يسمى بشكل مستديم أو مؤقت مسرحاً، ولكن هل يعد ذلك كافياً ليمكننا من القول بأننا استطعنا مسرحة هذا المكان..؟ بالطبع لا؛ فهناك حالات كثيرة مختلفة في درجة مسرحتها للمكان، ولكي نحدد مفهوماً محدداً لفعل المسرحة يجدر بنا أن نتعرف على مجموعة من الحالات التي تكون عليها العروض المسرحية الرافضة لشكل العلبة الإيطالية:
1-    عروض تخرج لتقديم نصوص مسرحية جاهزة في الهواء الطلق ويتم ذلك بأن تبنى خشبة تشبه العلبة الإيطالية داخل حديقة أو مبنى أثري... أو... أو... وتتخذ مساحتا الفرجة والتمثيل نفس شكليهما تقريباً في عروض العلبة الإيطالية، وهذه أضعف أنواع الخروج...
2-    عروض تخرج بنصوص جاهزة لكنها تطوعها طبقاً لما توحي به مفردات المكان الجديد كعروض "أيام الإنسان السبعة/ ناصر عبدالمنعم، الخروج إلى النهار/ انتصار عبدالفتاح،..." وهي درجة متقدمة من المسرحة يبذل فيها المخرج جهداً في التقريب بين النص والمكان الذي يقدم فيه نوع من المآلفة بينهما وحتى لا يبدو النص والمكان كلاهما غريب عن الآخر...
3-    عروض تخرج بنصوص مكتوبة خصيصاً للمكان ونستطيع أن نلمح حالتين بينهما فروق يسيرة؛ وهما:
أ‌-      عروض تمسرح الأماكن.
ب‌- عروض تمسرح الأماكن والحواديت التاريخية والتراثية التي تفجرها هذه الأماكن.
والحالة الثانية متقدمة على الأولى بمعنى أنّه من الممكن أن يتم تكليف كاتب بكتابة نص مسرحية يتلاءم مع طبيعة المكان الذي يوحي به بيت زينب خاتون الأثري، وعليه تتم صياغة نص مسرحي من عدة مشاهد تستغل الطبيعة الجغرافية لهذا المكان استغلالاً جمالياً متميزاً، وهذا بالطبع يختلف عن كتابة نص مسرحي يتناسب مع جغرافية بيت زينب خاتون ويكون مضمونه عن زينب خاتون وما يثار حولها كشخصية تاريخية أي أنها تجربة تتضمن ثلاثة أشياء هي:
أ‌-      كتابة نص شكلي يتناسب مع جغرافية منزل زينب خاتون.
ب‌- النص يتحدث بأفكاره عن زينب خاتون وبيتها وأفكارها... و... و...
ت‌- تقديم هذا النص داخل منزل زينب خاتون.
وهذا يشبه إلى حد كبير تجارب "فهمي الخولي في كفر الشرفا، سرور نور في مسرح الفلاحين، أحمد إسماعيل في شبرا نجوم، عادل بركات في عرض أدهم الشرقاوي بقرية زبيدة..." وهذه الدرجة هي أعلى حالات المسرحة بالرغم من تحفظ الكثيرين عليها، وبالرغم من نجاحات كثير من تجاربها في مصر وفي العالم، ومن هذه التجارب العالمية عرض "الحديد مغلولا" الذي قدمه المخرج الفرنسي "آليسوي كاري" داخل مسبك مهجور هو مسبك "بيثليهيم ستيل" وتم تقديم حكاية المسبك وأثر توقف العمل فيه على حياة الناس وأرزاقهم، وقد كان لهذا كبير الأثر على نفسية أهالي المنطقة الذين تضرروا من غلق المسبك، ومثل هذه التجربة، والتجارب المصرية المشابهة لـ: فهمي الخولي، سرور نور، أحمد إسماعيل، عادل بركات... تشي بنجاح هذه التجربة، لكن تجربة أخرى مثل تلك التي قام بها المخرج الروسي سيرجي إيزنشتاين عندما قدم عرض "أقنعة الغاز" داخل مصنع للغاز ويدور حول مشاكل العمال أنفسهم، وقد ارتدى فيه الممثلون "الأفرول" وقاموا بإشعال أفران الغاز وكأنهم عمال حقيقيون، هنا حدث تطابق بين الخيال والواقع، بين المكان المسرحي والمكان الحقيقي، لذا لم يستوعب الجمهور/ عمال المصنع ما يحدث أمامهم بسبب هذا التطابق ولذا لم تحقق التجربة النجاح المتوقع منها ولم تقدم إلا أربعة عروض فقط وعليه يجب النظر إلى ضرورات التجربة وتنفيذها دون إجبار مفردة وتطويعها بالرغم عنها لصالح مفردة أخرى، فالعرض المسرحي لابدّ له أن يصنع في جو من الحرية يتيح له التنفس بشكل طبيعي وعليه يمكن القول "إنّ المكان المسرحي لا يمكن له أن ينحصر في المكان الطبيعي لأنّ المسرح لا يستطيع ولا يجب أن يحاول إلا في حالات نادرة أن يطابق بينهما، أو أن يطابق بين الحادثة الطبيعية والحادثة الفنية..." وهذه الحالات النادرة يمكننا أن نقول إنها تشبه مثلا عرضاً يقدم داخل منزل زينب خاتون ليحكي عنها، أو يقدم داخل بيت ابن لقمان بالمنصورة عرضاً يحكي عنه ويوظف مفردات البيت الأثرية داخله.
ونجاح أي تجربة لمسرحية الأماكن من عدمه يرجع إلى طبيعة هذه التجربة وخصوصيتها عن التجارب الأخرى، وليس معنى نجاح تجربة بعينها نجاح تجربة أخرى شبيهة بها، فلكل تجربة شروطها ومواصفاتها الخاصة، تلك التي لا تشبه إلا نفسها، وعليه يمكننا تقديم بعض الشروط التي يجب أن تتوافر في تجربة مسرحة المكان وهي:
أ‌-      رفض التجربة لمسرح العلبة الإيطالية.
ب‌- كتابة نص يستهلم مفردات المكان وما يثيره من حكايات وتواريخ.
ت‌- تقديم التجربة داخل هذا المكان الذي اتخذ النص منه مادته وأفكاره.
وعليه يمكننا أن نسوق تعريفاً عاماً لمسرحة الأماكن بأنّ كل الأماكن خارج العلبة الإيطالية هي أماكن مهيأة لأن تقدم عليها عروض مسرحية ولكن تختلف درجة علاقة هذه الأماكن بالعروض تبعاً لاختلاف:
أ‌-      قدرتها على توظيف مفردات المكان..
ب‌- قدرتها على إثارة الأفكار والقضايا التاريخية أو الراهنة التي يفجرها المكان..
ت‌- قدرتها على صناعة جسر من التواصل بين العرض والجمهور/ سكان هذا المكان.
وحسب درجة تحقق هذه العناصر يتحقق فعل المسرحة وحسب عوامل الجذب التي يتيحها العرض يتحقق النجاح، وأول هذه العوامل ذهاب العرض للجمهور في أماكن تواجده، وإثارته لقضايا تخصهم، وعليه ففعل المسرحة يتضمن فعل مسرحة المكان بالإضافة لما أفرزه أو يفرزه المكان من حكايات.

تيار لم يتشكل بعد:
بدأت فكرة مسرحة الأماكن والخروج بالعروض المسرحية من داخل الحوائط الأسمنتية منذ عرف العرب فن المسرح ولكنها تجارب كانت تقدم فرادى لم يتوافر لها تنظير يعرف بها ويرصد لها ملامحها المميزة، ولم يتوافر لها أيضاً مجموعة من المخرجين المهتمين بها دون غيرها حتى نستطيع بفعل هذا التوافر، والاستمرارية في تقديم العروض أن نلمح قواماً متماسكاً يمكن الحديث عنه كتيار داخل تيارات التجريب في المسرح المصري.
عندما بدأت رحلات الخروج من أسر العلبة الإيطالية على يد مجموعة متحمسة لذلك من المخرجين منهم: فهمي الخولي، أحمد عبدالهادي، عبدالعزيز مخيون، سرور نور، إميل جرجس، وحتى الآن لم نجد أياً منهم قد توفر له الاستمرار في هذه التجربة، لقد ذهبوا جميعاً وبإرادتهم بعد مغامراتهم الفنية لتقديم عروض في الهواء الطلق، ربما كان ذلك لأسباب إنتاجية أو إدارية أو أسباب أخرى خاصة بهم، لكن النتيجة هي عدم قدرة مجموعة هذه التجارب المسرحية الرافضة لمسرح العلبة الإيطالية أن تشكل تياراً مسرحياً.
ولكي يتشكل تيار مسرحي لابدّ من توافر فكرة نظرية قابلة للتطبيق، ومجموعة من المسرحيين المهتمين بها والحريصين عليها، والعاملين بها، ونوع من الاستمرار يجعل منها ظاهرة لها ملامحها المتشكلة، ويمكننا اختصار كل ذلك في فكرة نظرية وجهة إنتاج حكومية، وهذان العنصران هما ما بنى عليهما المخرج بهائي المبرغني مشروع التجارب المسرحية المفتوحة بإدارة المسرح بالهيئة العامة لقصور الثقافة وأنتج المشروع عدداً من العروض المسرحية المتميزة لكن سرعان ما توقفت التجربة، ولم نعد نرى إلا نادراً وبين الحين والآخر تجربة مسرحية فردية تتخذ على عاتقها فعل الخروج من العلبة لتمسرح مكاناً جغرافياً وحواديتياً، وغالباً ما يكون فعل الخروج في هذه التجارب المتناثرة هو خروج غير كامل ولا يستحق أن يكون خروجاً أصلاً لأنّ أصحابه يختارون نصاً مسرحياً كتب أصلاً لمسرح العلبة الإيطالية، ثمّ يخرجون ليعيدوا بناء نفس شكل مسرح العلبة في الهواء الطلق، وحيث يصبح الجمهور والممثلون جزيرتين منعزلتين بنفس الوضعية التي يوجد عليها مسرح العلبة الإيطالية.
ويرى منظرو المسرح وأصحاب دعاوي التأصيل ضرورة الخروج من أسر العلبة الإيطالية والتي يرونها قد سجنت المسرح داخلها، وأنّ شكل بناية المسرح نفسه من أبواب للدخول وشبابيك لقطع التذاكر وخشبة للعرض تعلو منطقة الفرجة المصممة بعناية وبشكل جلوس معين للجمهور... و... و... كل هذا مستورد ولم ينبت من الأرض المسرحية العربية فـ"المعمار العربي لا يكاد يخرج عن ثلاثة أشكال هي المسجد، والمدرسة، والمسكن، ..." وكلها بنايات معروفة الشكل والوظيفة، وما عدا ذلك فهي بنايات مستوردة على المجتمع العربي، لذا ظهرت الفنون أول ما ظهرت في الأماكن المفتوحة، فمثلاً في مصر الفرعونية ظهر المسرح ليس بشكله العلمي المتعارف عليه وإنما بشكله البدائي داخل المعابد أو الساحات المجاورة، وكان التمثيل يعتمد على المناظر الطبيعية، فكانت الدراما تمثل بعضها في البحيرات المقدسة، وكان الممثلون يلعبون أدوارهم في قوارب تسبح في الماء، أو في سفن، أو في ظل سقيفة جنائزية تعد خصيصاً لذكرى أوزوريس، كما أنّ دراما "انتصار حور" كانت تمثل سنويا "..." وكان يستمر عرضها أحياناً عدة أيام... ثمّ تطورت مسيرة المسرح بعد ذلك بفعل فنون خيال الظل، الأراجوز، صندوق الدنيا، المحبظاتية، وكانت الأماكن الطبيعية لتقديم هذه الفنون هي الشوارع، الساحات، المقاهي، ... وغيرها من الأماكن المشابهة؛ فمثلاً المحبظاتية كما يقرر إدوارد لين كانوا "يقدمون عروضهم في حفلات الزواج والختان في بيوت العظماء، كما أنهم يجذبون إليهم حلقات من المتفرجين حين يلعبون في الأماكن العامّة..." وفكرة انتقال هذه الفنون من الشارع إلى بيوت العظماء كانت تتم من خلال دعوة من الأثرياء لهؤلاء الفنانين الجوالين، وغالباً ما تكون دعوة مصحوبة بأجر، لذا عرف المعمار العربي لبيوت وقصور الأمراء والأثرياء، الصالات الفسيحة والمصممة بشكل جمالي يتناسب مع تقديم مثل هذه الفنون ولكن هذه الصالات لم تتخذ نفس الشكل المعماري لمسرح العلبة الإيطالية وإن كانت قريبة منه من حيث تقسيمها إلى مكانين؛ للفرجة وآخر للتمثيل.
ثمّ عرف العرب المسرح بشكله العلمي على يد رواده الأوائل: النقاش، القباني، صنوع... وبدأت تظهر البنايات المسرحية المعروفة بطرازها الغربي، ومع ذلك ظلت فكرة العودة للشارع تراود كثيراً من المغامرين وأهمهم أصحاب دعاوي التأصيل، فتوفيق الحكيم يقترح في دعوته مكاناً للعرض المسرحي عبارة عن أي مساحة حضور يلتقي فيها الممثلون مع الجمهور، ويوسف إدريس يقترح تطوير لشكل حلقات السامر كمكان للعرض بحيث يضمن المشاركة الفكرية والجمالية بين العرض والجمهور، والمسرح الاحتفالي تتعدد فيه خشبات المسرح ويقدم غالباً داخل الأسواق والأماكن العامة معتمداً نصاً لا يكتمل إلا مع التنفيذ، أما مسرح السرادق فالمكان الذي يقترحه لتقديم عروضه عبارة عن خيمة منصوبة في أي مكان مفتوح يتم صياغة فضائها الداخلي بالطريقة الجمالية المناسبة لتقديم العرض المسرحي، والتي تسمح بمشاركة الجمهور، ومسرح الحكواتي يعتمد أي فراغ شريطة ألا يفصل بين الجمهور والممثلين و... إذا تشترك كل دعاوي التأصيل للمسرح العربي في شيئين هما:
أ‌-      رفض العلبة الإيطالية وضرورة الخروج للناس.
ب‌- محاولة إشراك الجمهور داخل العرض.
ت‌- وبالرغم من هذا الاتفاق في ضرورة الخروج بالمسرح إلى الناس، ورفض العلبة الإيطالية، إلا أنّه لم يتشكل أيضاً تيار مسرحي عربي أو مصري متمايز لمسرحة الأماكن يمكن رصده والحديث عنه، فدعاوي الخروج تعتمد نصوصاً مكتوبة مسبقاً أو مشروعاً غير مكتمل لنصوص تم التفكير فيها مسبقاً، نصوصاً تهتم بقضايا تنويرية عامة ولا تأخذ على عاتقها غالباً فكرة مسرحة المكان إلا فيما ندر، وهو ما لا يمكن من خلاله رصد تيار له قوام فكري/ فني متماسك، وأصحاب هذه الدعاوى أيضاً لم يقصروا عروضهم على التجارب الرافضة لمسرح العلبة الإيطالية، فهم لا يرفضون على الإطلاق العلبة الإيطالية بقدر ما يرفضون التعامل التقليدي معها، إنّهم يتعاملون معها بشروطهم، يعيدون صياغتها تشكيلياً بالشكل الذي يرونه مناسباً لهم، يغيرون من وضعية جلوس المتفرجين، يمدون خشبة المسرح، ينزلون بممثليهم للصالة، يصعدون بمتفرجيهم للخشبة، يحدثون حواراً جمالياً، فكرياً... بين المساحتين، أو أيّة طرق أخرى يرون أنها تضمن لتجاربهم الاختلاف والتغاير.
 
    المصدر: مجلة الكويت/ العدد 320 لسنة 2010م

ارسال التعليق

Top