• ٢٧ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٤ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

مشاهدة التلفزيون مُضرّة للأطفال دون الثانية

إعداد: سناء ثابت

مشاهدة التلفزيون مُضرّة للأطفال دون الثانية
 غالباً ما يُصاب الوالدان بالصدمة، عندما يخبرهما أحد أن مشاهدة التلفزيون بالنسبة إلى مَن هم دون سن الثانية من العمر، أمرٌ سيِّئ. لكن هذه هي الحقيقة العلمية، فكيف ذلك؟
تُشير الدراسات إلى أن 40 في المئة من الأطفال الصغار في سن 5 سنوات يشاهدون، بطريقة أو بأخرى، نوعاً من أنواع الفيديو أو التلفزيون، وأن هذه النسبة ترتفع إلى 90 في المئة، لمن هُم في سن سنتين.. فكيف يتم ذلك؟
 
- النمو المبكر للدماغ:
للإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نوضح قليلاً كيفيّة تطوّر الدماغ عند الطفل. فخلال السنوات الثلاث الأولى من حياته، ينمو الدماغ بعُمق، حيث تزداد كتلته ثلاث مرات خلال الأثني عشر شهراً الأولى. وتؤثر تجربة الأطفال الذين يشاهدون التلفزيون كثيراً خلال هذه المرحلة في تطور الدماغ. وتتصرف الصور في الشاشة خلال هذه المرحلة بطريقة تختلف جذرياً عن تلك التي تحدث في العالم الحقيقي، لأننا كلنا منغمسون في استهلاك اللغة البصرية للشاشات. وطبعاً نحن لا نلاحظ تلك الاختلافات بين اللغة البصرية للتلفزيون والواقع، إلا بعد أن نتوقف بُرْهَة ونُفكّر فيها.
تَخيّلوا معنا كرة في التلفزيون وكرة في الواقع. يعمل الرضع على تطوير حاسة بصر ثلاثية الأبعاد، لكن عالم الشاشة هو عالم ثنائي الأبعاد، ولا يمكنه أبداً أن يكون بأبعاد ثلاثة كما في الواقع، ففي التلفزيون الكرة مثلاً هي فقط قرص مسطح. إذا قمت بدحرجة كرة أمام طفلك على الأرض، فإنّها تتحرك بحركة أحادية ثمّ تُبطئ تدريجياً إلى أن تتوقف تماماً. لكن الحركة نفسها في التلفزيون تكون متقطعة، حيث ترى الكرة تُغادر يد الشخص ثمّ تراها في لقطة أخرى وهي تتحرك، ثمّ تراها في لقطة ثالثة وهي متوقفة وثابتة. إذا أراد طفلك أن يُمسك بالكرة في عالم الواقع، فإنّه سيقترب منها أو يَشرَئِب بعنقه للمسها أو سيحبُو وراءها. لكن الكرة الشيء الذي يراه في الشاشة، هو عبارة عن شيء يختفي ليتم تعويضه بشيء آخر، وهذا الشيء لا يمكنه أبداً لمسه بيده أو الإمساك به، أو وضعه في فمه.
قد يُركّز الرضع في التلفزيون على الألوان الفاقعة والأشياء المتحركة في الشاشة، لكن أدمغتهم تبقَى غير قادرة على استيعاب المعنى أو المغزى من كل تلك الصور "العجيبة" بالنسبة إليهم. ويستغرق دماغ الرضيع عامين لكي يتطور إلى المرحلة، التي يمكن فيها للرموز على شاشة التلفزيون أن تمثل بالنسبة إليه مقابلها في العالم الحقيقي. وبسبب هذا الخلط، يتعلم الأطفال، البالغون أقل من سن ثلاث سنوات، من عالم الواقع، أكثر مما يتعلمون من أي شاشة، تلفزيون، فيديو "أي باد"، موبايل، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتعلم اللغة. ويبدو أنّ الرضع يتعلمون نوعاً ما أكثر إذا جلسوا لمشاهدة التلفزيون، وبرفقتهم شخص ما يتحدث إليهم حول ما يرونه على الشاشة، تماماً كما يمكن أن تفعلي مع طفلك، وهو يتصفح قصة مصورة ملونة.
 
- أين الضرر؟
بالتأكيد، الأطفال الصغار والرضع لا يستفيدون شيئاً من مشاهدة التلفزيون، لكن يبدو أنهم يستمتعون بذلك، فأين الضرر إذن؟ إذا كان تشغيل التلفزيون هو ما يجعل طفلي يجلس هادئاً من دون مشاكل بينما أحضّر أنا العشاء، أليس التلفزيون هنا مفيداً وأفضل من أن نترك الأطفال يتضورون من الجوع؟ نعم، صحيح أن مشاهدة التلفزيون أفضل من التضور جوعاً، لكنها لا تزال أسوأ من أن لا يشاهد الطفل التلفزيون. وهناك الكثير من الأدلة العلمية والدراسات، التي بيّنت أن لمشاهدة الشاشات قبل بلوغ عمر سنتين، آثاراً سلبية دائمة في قدرة الطفل على تعلّم اللغة، ومهارات القراءة، والذاكرة، كما أنها تكون سبباً يسهم في مشاكل النوم والتركيز. وإذا كان المثل يقول "الإنسان هو ما يأكل"، فإننا سنقول: "الدماغ هو التجارب التي يعيشها"، والترفيه باستعمال الفيديو أو التلفزيون أو الـ"آي باد"، هو بمثابة الأكل غير الصحي ذهنياً أو "دجانك فود" ذهني بالنسبة إلى الرضع.
وتكمن المشكلة، ليس فقط في ما يفعله الرضع، بل أيضاً في ما لا يفعلونه. وعلى وجه الخصوص، الأطفال مبرمجون على التعلم من خلال الاحتكاك بأشخاص آخرين. إنّ لعبة تعابير الوجه ونبرة الصوت ولغة الجسد بين الرضيع والوالدين ليست فقط جميلة، بل إنّها مُعَقّدة لدرجة أنّ العلماء قاموا بتصوير هذه التفاعلات بالفيديو، ثمّ عرضوها بالإيقاع البطيء، حتى يشاهدوا كل صغيرة وكبيرة تجري بين الرضيع والأُم أو الأب. وكلما كان أحد الطرفين، الأبوين أو الرضيع يشاهد التلفزيون، توقف التفاعل بينهما. واعلمي أنّ الرضيع يستفيد كثيراً من اللعب بالأواني على الأرض وأنت تطبخين العشاء، أكثر مما يستفيد وهو يشاهد التلفزيون للمدة نفسها من الوقت، لأنكما في الحالة الأولى على الأقل، تنظران إلى بعضكما بعضاً بين الفينة والأخرى.
مُجرّد أن يكون التلفزيون مشغّلاً في الخلفيّة، حتى لو لم يكن يشاهده أحد، هو أمر كافٍ لتأخير تطور اللغة عند الطفل. والطبيعي أن كل واحد من الوالدين يتحدث نحو 940 كلمة في الساعة عندما يكون الرضيع إلى جانبه. وعندما يكون التلفزيون مشغّلاً إلى جانبهما، فإنّ هذا المعدل يتراجع إلى 770 كلمة، وكلمات أقل، ما يعني تَعلُّماً أقل. يتعلم الرضع أيضاً أن ينتبهوا لفترات أطول. علماً بأنّ الرضع الذين يشاهدون التلفزيون أكثر، يواجهون مشاكل أكثر في الانتباه والتركيز لفترة أطول، عندما يكونون في سن سبع سنوات.
وبعد عمر سنتين، تتغير الأمور شيئاً ما. فخلال سنوات ما قبل المدرسة، يتعلم الأطفال بعض المهارات من البرامج التلفزيونية التثقيفية الموجّهة إلى الأطفال. فالبرنامج الذي تم إعداده وتصميمه بشكل جيِّد، يمكن أن يُعلّم الأطفال القراءة والكتابة، والرياضيات والعلوم وحلّ الألغاز، وحتى السلوكات الاجتماعية. يصنع التلفزيون التثقيفي فرقاً كبيراً في حياة الأطفال، الذين يكون المستوى الثقافي لوالديهم متواضعاً، فلا يساعدون الأطفال على التعلّم بالطُّرق الحديثة.
 
- ما العمل:
عادةً، يتعلم الأطفال أكثر عندما يشاهدون التلفزيون مع أحد الوالدين، أكثر مما يستفيدون عندما يشاهدونه لوحدهم. وطبعاً المضمون مهم جدّاً ويلعب دوراً مهماً هنا. فكل برنامج يعلّم الأطفال شيئاً، لكن عليك أن تختاري البرامج التي تهتم بتعليم الأطفال أشياء، هم في حاجة إلى معرفتها. وبغض النظر عن المضمون، ومدى جودته من عدمها، يجب أن تحددي وقت مشاهدة طفلك التلفزيون في ساعتين على الأكثر يومياً. وتذكري أنّ التلفزيون هو مجرد تلفزيون، سواء أكان الطفل شاهده على شاشته، أم على الموبايل أم على الكمبيوتر.

ارسال التعليق

Top