• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

من أجل بناء مجتمع إيجابي متكامل

د. عمرو خالد

من أجل بناء مجتمع إيجابي متكامل
لا... بل سنعمل جميعاً:
إنّ في المجتمع ثغرات كثيرة، فلننظر إلى حال المجتمع من حولنا، أليس المجتمع أنا وأنت؟ هو وهي... ابني وابنك... جاري وجارك؟ ألسنا نحن النواة التي يتكوَّن منها المجتمع؟؟! بلى والله إنا لكذلك، إذاً أليست هذه الفوضى، والغوفاء التي نعيشها في مجتمعنا من صنع أيدينا؟ ولكن هل نشعر نحن بذلك؟ طبعاً الكثير يسأل نفسه: وما شأني بالمجتمع؟ أاُصلِح ما في المجتمع كله؟
لا، لن تعمل وحدك... ولن أعمل وحدي... بل سنعمل جميعاً من أجل بناء مجتمع متكامل... مجتمع متعاون.... مجتمع متراحم فيما بينه... فدعونا ننظر كيف يكون ذلك؟
إنّ الأُمم يُبنى على أنقاضها أحلامٌ وطموحات لا تتحقق إلّا مع مرور الزمن، قد يبدو للبعض أنّه من الصعب تحقيقها، وللبعض الآخر قد تبدو هدفاً سامياً لابدّ من تحقيقه والوصول إليه بكل الوسائل الممكنة.
انظر إلى الدنيا من حولنا.. غش، كذب، سرقات، نفايات على قارعة الطريق، خيانات، وليس هذا بغريب! بل الأغرب أنك تسمع كل فردٍ يبرِّىء نفسه من جميع هذه التُّهم فتراه يقول: وهل سيتغير المجتمع إن غيَّرت أنا ما بنفسي؟ فيهزأ ويسخر، ويرى كلّ شيءٍ مهما عظُم وكبر سخيفاً، ليس له شيء من الأهمية... أما مظهره فتراه أنيقاً للغاية.. منزله من أجمل ما يكون... في عمله هو أحسن بنظره من جميع الموظفين... أما داخله!! النفايات أمام الشارع الذي يقطن فيه... الغش في المعاملات الرسمية... في عمله... السرقات التي تحصل من حوله... الكلام البذيء الذي يتفوَّه به أولاده... كل هذا ليس مهماً بنظره، فالمهم عنده أن يكون ذا مظهر أنيق أمام الناس، وسيارته نظيفة ملمَّعة... إذاً ماذا يهم بعد ذلك؟! لا شيء أبداً!!! من المحزن أن نرى هذا جميعه سهلاً... وكان من الممكن أن نتقبله لو كان حال شريحة صغيرة جدّاً من المجتمع فنقول: من السهل إصلاحها وردعها... ولكن كيف بنا وهذا حال معظم المجتمعات التي نعيش فيها؟! فما هو الحل؟! وكيف نغيّر هذا الحال، أو هذا المصاب الذي حلّ بنا؟
 
موقفي يغير الكون؟! لماذا هذه السلبية؟
إنّ للإيجابية قواعدَ وأحكاماً يجب تطبيقها.. فلا تظن أيها القارئ أنّ الإيجابية تكمن في التهوّر، أن نكون شجعان بلا حدود دون أي قواعد تحكمنا... لا... بل الإيجابية أن نغيِّر بالحكمة، بالعقل المتزن... نغيّر السيء إلى حسن، والحسن إلى أحسن... فقد قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل/ 125)، لا بأسلوب منفِّر بعيد عن المنطق والرحمة... وانظر إلى تكملة الآية: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل/ 125)، إنّ الطريقة التي ندعو بها إلى الإصلاح من أهم ما يجب الاهتمام به.
نحن نريد أن نتغيّر، نريد أن نكون إيجابيين؛ لأنّ المصائب حلَّت بنا في كل مكان... فإذا لم يكن أفراد المجتمع متكاتفين يداً واحدة، وإذا لم تكن مساعداً أنت بالحفاظ على أولادك فكيف ستعمد إلى حثِّهم على النظام؟ لذلك نحن نفرض هذا التبرير للسلبية: "موقفي لن يغيِّر الكون"... بلى سيغيِّر الكون بأسره...
فثق بأنّ التغيير آتٍ على أيدي كثيرين من الناس وخاصةً الشباب الذي بات يرسم طريقاً نظيفاً طاهراً مع الله ليصل إلى قمة ما نسمِّيه بالعفاف... فالغِنَى بالله هو الطريق الأمثل للوصول إلى الإيجابية فلا تتأخروا... اسعوا لتغيير ما بأنفسكم حتى يغيِّر الله ما نزل بكم من كربٍ وهمٍّ وحزن... نعم... من موقفك وحدك ستأتي إيجابية الأُمّة، وستحيا عزيزةً مستقلةً عن الأهواء. لقد قال عزّ من قائل في سورة الأنفال: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال/ 25)، فمن؟ للظالمين أنفسهم باتباع الشهوات والفتن.
أحبتي... أما آن لنا أن نغير ما بداخلنا؟ أنا لا أدري ما المانع؟ أوَليس كل فرد منا يبحث عن السعادة؟ أجل.. فإذا كان هذا الدين يضمن لنا سعادة الدنيا والآخرة فماذا تنتظر؟! إني واللهِ لأسمع قلوباً تخفق وبشدة، تريد أن تتغير لكنها بحاجة إلى مساند.. تريد من يأخذ بيدها ليضعها على عتبة الصلاح... فتعالوا نساعد بعضنا البعض في تحقيق هذه المهمة... لعل السلام يعم، وينسينا ما حلّ بنا من حروبٍ ودمارٍ وآهات أصبحت من أسس حياتنا اليومية.
 
أجر العامل منهم كأجر خمسين...
أتى رسول الله (ص) مقبرة مع أصحابه فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا"، قالوا: أوَلسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد" [رواه مسلم: الحديث: 583]، وفي رواية: قال رسول الله: "فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر فيه مثل القابض على الجمر، للعامل في ذلك الزمان أجر خمسين رجلاً" قيل يا رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أم منهم، قال: "بل أجر خمسين رجلاً منكم". [الطبراني في "المعجم الكبير" 22/ 220].
الله... ما أروع هذا الكلام وما أعذبه... أجر خمسين من الصحابة؟!... أجل أجر خمسين، فهل نكون منهم؟ أم ما زلت تقول: "التغيير ليس مسؤوليتي وحدي"؟ دعونا لا نتكبر... دعونا ننظر إلى واقعنا بعين الجرأة والواقع حتى نستفيق ونلتفت إلى أمر الأُمّة وما تهيم به من ضياعٍ وهوان.
 
نعم... نهلك إذا علا فُجَّارها على أبرارها...
في رواية: أنّ الله سبحانه وتعالى أمَرَ سيدنا جبريل (ع) أن يخسف بقريةٍ... فقال: يا رب... إنّ فيها عبدَك فلاناً لا يزال قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً... فقال: "يا جبريل، به فابدأ"، قال: لِمَ يا رب؟ قال: "لأنّه لم يتمعَّر وجهه يوماً من أجلي" أي: لم يَحمرّ انفعالاً لي.
لماذا يا ترى؟ أن الفتنة إذا حلت لا تحل بخاصة بل بعامة... لذا فهلك جميعاً إذا حلت بنا الفتن ولم نعمد إلى التغيير.
لكي تكون إيجابياً يجب أن تسعى لتجعل الوحدة شعار الأُمّة الإسلامية وليس التفرُّد. لا أن ندخل لنعتكف في المساجد طوال عُمرِنا ونقول: التغيير في الخارج مسؤولية غيري... لا... أرجوكم فلنفهم ديننا جيداً... لنعتكف في أيام محددة ولكن نهرج بعدها إلى الدنيا لندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة... ندعو إلى ترك المنكرات... ندعو إلى بذل النفس في سبيل الله... ندعو إلى إعلاء شأن الأُمّة لنعيد لها عزتها وكرامتها كما كانت في السابق. اسمعوا مقولة عمر بن الخطاب (رض): توشك القرى أن تهلك وهي عامرة، قالوا: كيف؟ قال: إذا علا فُجّارها على أبرارها.
وقال أيضاً: إذا خَفِيت الخطيئة لم تضر إلا فاعلها، فإذا ظهرت ولم يفعل الناس شيئاً لتغييرها ضرَّت العامة. وانظر لحديث الرسول (ص): "والذي نفسي بيده لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثمّ تدعونه فلا يستجيب لكم". [الترمذي: 2169].
يا الله... كم هذا الكلام مخيف! فنحن نعيش في ظل هذا الواقع... أليس هذا حالنا مع الله اليوم؟ بلى... وإذا دعونا قلنا: لا يستجيب الله لنا... فنتوقَّف عن الدعاء... للأسف أصبحنا قليلي الصبر وما لنا حيلة للعودة إلا بالرجوع إلى الله والصبر على البلاء والدعاء بيقين حتى يستجيب الله لنا ويخرجنا من هذه المآزق.
أجل يا إخوتي... إنّ الإسلام يريد للأمة الوحدة لا التفرد، فلنستجب لنداء هذا الدين الذي يحمل السعادة لكل من يعتنقه وينفّذ أحكامه وقوانينه.
 
أي التغييرين سبق؟
انظر إلى آية: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد/ 11)، في هذا الآية نلحظ تغييرين: تغيير من قِبَل أنفسنا، وتغييرٌ من قِبَل الله، فأي التغييرين سبق؟ تغييرنا لأنفسنا طبعاً... فإصلاح الذات حتماً سوف يتبعه إصلاح المجتمع، من هذا المنطلق قلنا: إنّ تغييرك لنفسك وسلوكك سوف يساهم في إصلاح المجتمع ككل.
أرأيت أهميتك كفردٍ في المجتمع؟ أنت تساهم في خرابه، وأنت تساعد في إصلاحه.
فبالله عليك لا تتأخَّر... تعال نَدَع السلبية حتى يغيِّر الله واقعنا المرير الذي صنعناه بأيدينا وبالتالي لا نهلك، فالله شاهد على أعمالنا، لذا دعونا نستحيي من نظر الله إلينا ونحن نعصيه.
تأمل معي هذه الإيجابية في حديث الرسول (ص): "مثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها استقوا من الماء على من فوقهم فقالوا: لو أنّا أخرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً" [البخاري: 2493، والترمذي: 2173].
والهدف من هذا المثال الذي ضربه لنا رسول الله (ص) أن خرق السفينة نتائجه سريعة وهو الغرق والهلاك، وهنا يبدو الهدف أوضح، ذلك بأن نتائج خرق المجتمع أسرع وأشد هلاكاً، وإن لُمست النتائج سنين عديدة، إلا أنّه سيغرق بخرق القوانين والأحكام الربانية فانتبهوا لهذه النقطة... نقطة أنّ الجيل الآتي سوف يغرق بأكمله إن خرقنا نحن نظام المجتمع بِزَلّاتنا وغفلاتنا... فانتبهوا يا أحبتي في الله أن نُودِيَ بأنفسنا إلى الهلاك دون أن نشعر...
 
نماذج إيجابين خُلِّدت سِيَرُهم في القرآن...
مؤمن آل فرعون: قال فرعون: (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ) (غافر/ 26)، فجاء مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه فقال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) (غافر/ 28)، ويختم حديثه: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) (غافر/ 44). أجل هذه هي الإيجابية، أن تفوِّض أمرك إلى الله بعد أن تغيِّر ما بنفسك وتستسلم له كلياً... فتتحقق الإيجابية عندها (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) (غافر/ 45).
وانظر إلى هذه الآية: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا) (النساء/ 9)، أما زلت تخشى على أولادك من بعدك والله موجود؟
وانظر إلى مؤمن سورة يس: لقد أرسل الله إلى قريةٍ رجلين (نبيّين) ليهديا أهلها فرفضوا واستكبروا فبعث لهم الله رجلاً ثالثاً: (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) (يس/ 14)، (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (يس/ 20)، من هنا نعقِّب أنّ الهداية للصراط المستقيم وإلى دين الله، ليست مسؤولية الأنبياء فقط، بل مسؤوليتنا جميعاً. فقال الرجل: (اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ) (يس/ 21-23).
أجل هذا هو اليقين بالله... وهذه هي الإيجابية التي عزّ الله بها الأُمّة والدِّين، قبل محمد (ص) وبعده...
 
نموذج آخر لكن ليس بإنسان:
(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (النمل/ 22)، أسِلإ على ما رآه من قوم يشركون بالله: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) (النمل/ 23-24). انظر لغيرة هذا الطائر على دين الله، لم يَهُن عليه أن يُشرَك بالله فأقام على هؤلاء القوم الحجة، وعادوا إلى الصواب والرشد بفضل إخباره سيدنا سليمان (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) (النمل/ 25).
أجل... هكذا تكون الغيرة على دين الله فلنتعلم... من هذا الهدهد!
 
نملة.. إيجابية ومتفاعلة مع مجتمعها!
وانظر إلى شكر سيدنا سليمان الذي دعته إليه نملة، تأمَّل معي هذه الآيات: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل/ 18-19).
أترى الإيجابية هنا؟ أجل نملة حرصت على أن تقود مجموعتها فخافت عليها ولم تدخل جحرها لتنقذ نفسها، فدعا سليمان لما سمعها: أن الحمد لله الذي منَّ عليّ بهذا... تخيَّل أننا نحيا الآن بهذه الإيجابية، ماذا سيكون حالنا عندها يا ترى؟ حتماً ستتغيّر أمور كثيرة في أمتنا الإسلامية.
 
مؤمن واحد يمكنه أن ينصر الإسلام والمسلمين!!
وإليك قصة الحباب بن المنذر: يرسم رسول الله (ص) خطة لمعركة بدر، فيقول: "هنا سنقف، هنا سنحارب، سنفعل كذا وكذا..." فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أهُوَ منزلٌ أنزلت الله إياه أم هو الحرب والرأي والمكيدة؟
الله! ... انظر الإيجابية في سؤاله؟ يسأل بلطف وهدوء مع الذكاء حتى لا يتطاول بكلامه على الرسول (ص) دون أن يشعر.
فيرد الرسول (ص): "بل هي الحرب والرأي والمكيدة"... فقال: يا رسول الله إنّ هذا ليس بمنزّل... فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم (أي أقرب الآبار من المشركين) فنزله، ثمّ نغوِّر ما وراءه من القُلُب (أي نسدّ ونطمس ما وراء هذه الآبار) ثمّ نبني عليه حوضاً فنملأه ماء، ثمّ نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون (لأن الحوض المملوء ماء صار وراء المسلمين ومن جهتهم)... فيأخذ النبي برأيه ويقول: "لقد أضَرْتَ بالرأي".
طبعاً... طالما دعا بأدبٍ وحكمة دن تطاول على من هو أعلى منه شأناً... إنها الإيجابية بعينها.
واسمع لقصة سيدنا نُعَيم بن مسعود: الذي أسلم خلال الأحزاب، فقال: يا رسول الله: إني قد أسلمت، فقال له الرسول (ص): "إنك يا نُعَيم رجلٌ فينا فخذِّل عنا"، فهذب هذا الرجل وصنع مكيدةً بين اليهود والكفار، فما كانت النتيجة؟ انتصار المسلمين بإيجابية شخص واحد.
أترون معي كيف يمكن للأُمّة بأكملها أن تنتصر بشخصٍ واحد؟ مؤمن واحد يمكن أن ينصر الإسلام والمسلمين، فماذا ننتظر؟
 
بناء المسجد في الجامعة نهج حضاري:
أذكر قصة قديمة جدّاً حصلت منذ زمنٍ بعيد: في وقت من الأوقات خجل الناس من تأدية عباداتهم لا سيَّما الصلاة أمام بعضهم البعض. فدخل شاب الجامعة فسأل: هل أجد مكاناً أصلي فيه؟ فقالوا: أتصلي وأنت شاب؟ الصلاة للكبار في السن، لعجوز أشرف على انتهاء أجله! فأصرّ على أن يصلي، فأشاروا إليه بمكان صغير تحت أرض الجامعة يسمى بالعامية: (خُرْبَة). فنزل ووجد رجلاً عجوزاً يصلي فيها فسأله: لماذا تصلي هنا يا والدي؟ فردّ العجوز: لكي لا يراني أحد، فأخذته الحميّة وأمسك بيد العجوز وقال: سوف نصلي في أعلى الجامعة، ولما انتهى توجّه إلى ساحة الجامعة التي يدرس فيها فصلى ركعتين. فأشار إليه شبان وهَزؤوا منه في اليوم الأوّل، وفي اليوم التالي صلى معه العجوز، ... في اليوم الثالث أصبحوا صفاً كاملاً... بعدها صفوف.. فقالوا: لِمَ لا نبني مسجداً يصلي فيه المصلون هنا؟ وبالفعل حصل هذا، وليس فقط... بل انتهجت سائر الجامعات المحيطة بهم نهج هذه الجامعة واعتبرته شكلاً حضارياً لبناء مسجدٍ تقام فيه شعائر الله.
تخيل أجر هذا الشاب بإيجابيته التي دعته لبناء مسجد يُصلّى فيه إلى يوم الدين... تخيل اجره الذي يتضاعف كلما صلى أحد في هذا المسجد...
وبعد هذا كله كيف ستكون إيجابيتنا في ديننا؟ سنظلُّ كما نحن أم إلى تقدُّم ملحوظٍ لخدمة هذا الدِّين العظيم؟ هذا ما نأمل تحقيقه لنسبق به عالم الغرب، وتعود لنا العزة والكرامة إن شاء الله تعالى.
 
المصدر: كتاب حتى يغيروا ما بأنفسهم

ارسال التعليق

Top