• ٣ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢١ | ٢٧ ربيع الثاني ١٤٤٣ هـ
البلاغ

المُسلم القدوة

أسرة البلاغ

المُسلم القدوة

لو تَصفَّحنا تاريخ الرسالات، ودرسناه في جانبه الإنتاجيّ التربويّ، لرأينا أنّ أحد أهم اهتمامات الأنبياء والرُّسُل والأوصياء والأئمّة والمربّون والمصلحون، هو إعداد (الجماعة الصالحة)، فضلاً عن (المجتمع الصالح).

والجماعة الصالحة غير المجتمع الصالح، فالمجتمع الصالح هو البناءُ الفوقي لمهمّة إصلاح المجتمعات والارتقاء بها رسالياً وعملياً.. أمّا الجماعة الصالحة فهي البناءُ التحتيّ، أو حجر الأساس في البناء، إذ لا يقوم البناءُ الصالحُ إلّا على عواتق جماعة صالحة تتوفّر على شروط عالية من الالتزام برسالة الإسلام، أو بالدِّين أيّ دين.

وليس من الصحيح القول بأنّ صحابة النبيّ محمّد (ص) - مثلاً - على  درجةٍ واحدةٍ من الإسلام والتسليم، والأمانة والإيمان، والعطاء والفداء، وهكذا نجدُ أنّ (الحواريين) هم خُلَّص أصحاب عيسى (ع) وهم أنصارُ دين الله وأقربهم إليه لتخلُّقهم بأخلاق الله وأخلاق نبيّهم (ع)، وهكذا أيضاً نجد لكلّ نبيّ وإمام ووصيّ حواريين، وهم ليسوا (الحاشية) أو (البطانة)، وإنّما هم العيّنات البارزة، والقدوات الصالحة لغيرهم من المسلمين، وهم المتصفون بالدرجة العالية من الكمالات الإنسانية.

هذا تفاوتٌ لم يخلقه، ولم يُوجدهُ النبيّ إيجاداً فرضياً أو إملائياً، وإنّما هو نتيجة طبيعية أفرزتها جهودُ أُولئك التلاميذ للحظوة بأعلى الدرجات والفوز بأسمى المقامات، وكان ممكناً لغيرهم أن يكونوا مثلهم أو في مصافّهم؛ لكن غيرهم (قعد) وهؤلاء (ساروا)، أو أنّ غيرهم اكتفى بما حصل عليه ولم يسعَ لنيل الأعلى، وهؤلاء راحوا يتسلّقون المرتفعات ويعتلون القمم، وسواهم (تكاسل) و(توانى) وهم كدّوا وكدحوا ونشطوا واستزادوا فوجدوا الخير في ذلك والرفعة فيه، وتلك قاعدة القرآن العامّة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم/ 39).

المُسلم بالحدّ الأدنى، يمكن أن يكون قد حاز على (الشهادة) بأنّه مُسلم من خلال نطقه بـ(الشهادتين)؛ لكنّ المُسلم بالحدِّ الذي هو أعلى من ذلك، هو الذي لم يرتضِ لنفسه أن يحمل الهُويّة أو يحرز الشهادة ويُعلِّقها على الحائط في صالون منزله، بل يسعى إلى العمل بها، وفرق كبير بين (طبيب) حاز على شهادة الطبّ ولم يمارسه، وبين طبيب نال الشهادة وعمل بمقتضاها، ومارس الطبّ في عيادته ومشفاه ومعالجة عوّاده ومرضاه، واكتسب خبرة في مجال اختصاصه وتفوُّقه على أقرانه!

المُسلم القدوة أو الأُسوة هو (الصادقُ) (الأمين).. صادقٌ في حديثه ووعوده، ومرويّاته، ومواقفه، وأمينٌ في عمله، وأدائه رسالته.... ما حُمِّلَ من ثقة الناس وحُسنُ الظنّ به.

إنّ (محمّد علي رشوان) الرياضيّ المصريّ المعروف، ليس المُسلم الوحيد الذي مَثَّلَ القدوة في أخلاقه الإسلاميّة العالية، فالأمثلةُ في هذا الصدد - ببركة الانتماء الحقيقيّ للإسلام - عديدة مُتعدِّدة؛ ولكنّ الذي يلفتُ النظر في تجربته، هو هذا (الصدى) الواسع الطيِّب الذي تركه في نفوس الناس: مسلمين وغير مسلمين، وإذا ببعض المُسلمين يتعلَّمون الدرس في كيف يكونون مُسلمين حقيقيين، وفاعلين ومؤثِّرين، وإذا ببعض غير المُسلمين يجدُ ضالّته المنشودة في دين الإسلام لتهوي أفئدتهم إليه.

المُسلمُ القدوة إذاً يعملُ باتّجاهين متعاضدين:

يرفع من رصيد حماسة المسلمين الدينية والأخلاقية والسلوكية، ويدعو من خلال مواقفه المشرَّفة إلى الإسلام بغير لسانه!

ولو درسنا أو تأمَّلنا في ظاهرة تحوُّل الغربيين نحو الإسلام، لرأينا أنّ من بين أهم أسباب ذلك، هو عثورهم على شخصيات إسلاميّة أثَّرت فيهم وتركت بصماتها على حياتهم، ولم يكن فكرهم الاعتدالي النيِّر هو عامل الجذب الوحيد، بل ممارساتهم وسلوكياتهم العملية.

لقد وجدوا ما يروي ظمأهم الروحيّ وانشدادهم الوجدانيّ في (بساطة) الإسلام و(منطقيّته)، وفي (اعتداله) و(واقعيّته)، وفي (عالميّته) و(إنسانيّته)، وفي (كماله وشموله)، وفي المقارنات التي أجروها بين دياناتهم المحرَّفة، وبين الإسلام الذي لم يتعرَّض للتحريف.

وجديرٌ بالذكر هنا، أنّ الذين أسلموا وحَسُنَ إسلامهم تعرَّفوا على الإسلام من خلال نماذج إسلاميّة مشرِّفة إنْ في وعيها، وإنْ في ثقافتها، وإنْ في رصانة سلوكها، وإنْ في وسطيّتها واتزانها.

مرّة أُخرى.. نعودُ إلى السؤال المحوريّ:

كيف أكونُ مُسلماً؟

 سؤالٌ يمكن أن نحظى بإجابات عديدة عنه، ويمكن أن يُقدِّم كلُّ صاحب تجربة إسلاميّة رؤيته في ذلك؛ ولكن يبقى الجواب الأكثر إثارة واهتماماً هو: (المعاملة) بالصِّدق وبالحُسنى و(حُسنُ الخلق).. وما عدا ذلك شروحٌ وتفاصيل وجزئيات.

 

 المصدر: كتاب كيف أكون مسلماً؟

ارسال التعليق

Top