يقول تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
إنَّ الله يدعو المؤمنين ليستثير فيهم إيمانهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، إذا كنتم مؤمنين في عقولكم وفي قلوبكم، فإنَّ علامة الإيمان هي، أوَّلاً، أن تتَّقوا الله {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، وقد فسَّر أهل البيت (ع) هذه الكلمة "أن يُطاعَ فلا يُعصَى، وأن يُذكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَرَ فلا يُكفَر"، أن تتَّقي الله، بحيث تطيعه في الصَّغير وفي الكبير، بعيداً من كلِّ ذاتيَّتك، ومن كلِّ مطامعك، ومن كلِّ الظّروف الضَّاغطة من حولك.. أن تطيع الله فلا تعصيه، بحيث تدرس واجباتك الَّتي أوجبها الله عليك، ومحرَّماتك الَّتي حرَّمها الله عليك، وأن يكون لك وعي التَّكليف الشَّرعي، فكما كلُّ واحد منَّا عنده وعي الرزق، ووعي الحفاظ على النَّفس، كذلك أن يكون لنا وعي التَّكليف الشَّرعي.
فمثلاً، عندما تكون موجوداً في داخل بيتك؛ مع زوجتك ومع أولادك، اجعل هذا البيت بيتاً شرعيّاً، فلا يتصرَّف الزَّوج مع زوجته بصفته رجلاً يملك السّلطة، ولكن بصفته مسلماً يراقب الله، وينفِّذ حكمه في حياته الزوجيَّة، بحيث عندما يكون هناك مشاكل بينه وبين زوجته، يدرس ما هو حقُّ الله في ذلك، وما هي الأساليب الَّتي يجوز له أن يستخدمها مع زوجته، والأساليب الَّتي لا يجوز له استخدامها. فلا يجوز للرَّجل مطلقاً - إلَّا في الحالات القصوى - أن يشتم زوجته، أو أن يضربها، أو أن يخرجها من البيت، أو أن يعمل على أساس إسقاط روحيَّتها وإنسانيَّتها. وكذلك الزَّوجة، عليها عندما تعيش مع زوجها، أن تستحضر أنَّها مسلمة تعيش مع زوجها، لتعرف حدود الله في حقِّ زوجها عليها، سواء كان حقّاً ماديّاً أو معنويّاً، فلا تنطلق لتعصي أمره فيما له من حقّ، ولا لتفشي سرَّه حتَّى لأهلها، ولا لتترك بيته ولتعقِّد له حياته.
وهكذا، عندما تكون أباً، فإنَّ أبوَّتك هي مسؤوليَّتك أمام الله، وعندما تكون جاراً، فلجارك عليك حقٌّ شرعيّ، كما لك حقٌّ شرعيّ عليه...
كن مسلماً {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، بأن تراقب الله في مقام ربوبيَّته، وفي مقام عظمته، راقب أنَّك تعصي ربَّك خالق السماوات والأرض، وقد ورد في بعض الأحاديث أنَّ كلَّ الذّنوب كبائر، باعتبار "لا تَنْظُرْ إلى صِغرِ المَعْصِيةِ، ولكنْ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ"، لأنَّ حجم المعصية يكبر بمقدار ما يعظم حجم مَن تعصي.
وهكذا، إذا كنت تتحرَّك في ضمن واقع اجتماعيّ، بحيث تكون، مثلاً، جزءاً من جمعيَّة؛ جمعيَّة عائليَّة، جمعيَّة خيريَّة، جمعيَّة اجتماعيَّة... فإنَّ عليك أن تكون مسلماً في عضويَّتك في الجمعيَّة، أن تكون مسلماً في رئاستك أو إدارتك للجمعيَّة، فتكون الأمين على أموالها، والأمين على أهدافها، وتكون الإنسان الَّذي لا يحاول أن يؤكِّد ذاته من خلالها، بل يحاول أن يؤكِّدها من خلال ما يبذله من ذاته، لأنَّك عندما تكون مسؤولاً في هذه الجمعيَّة، فإنَّ عليك أن تطيع الله فيها. عندما تكون مسؤولاً في جمعيَّة عائليَّة - وما أكثر الجمعيَّات العائليَّة! – فإنَّ عليك أن تعمل من أجل أن لا تكون هذه الجمعيَّة عدوانيَّة ضدَّ العائلة الثَّانية، أن لا تغرس في نفوس أفراد أعضائها الذَّاتيَّة العائليَّة والأنانيَّة العائليَّة، لتزرع الحقدَ في نفوس هذا المجتمع الصَّغير في مواجهة المجتمع الآخر.
لذلك، إذا كنت مؤمناً، إذا كنت مسلماً، إذا كنت حركيّاً في خطِّ الإسلام، فإنَّ عملك ينفع الإسلام إذا كان خيراً، ويضرُّه إذا كان شرّاً.
مقالات ذات صلة
ارسال التعليق
تعليقات