• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

خطوات على طريق التأهيل الوالدي

محمّد العليوات

خطوات على طريق التأهيل الوالدي

لا أحد منّا يدّعي أنّ المعرفة تأتيه اعتباطاً أو تنزل عليه صدفة، كما إنّنا لا نخرج من بطون أُمهاتنا ونحن مزوّدين بالمعارف! بل علينا أن نبذل جهوداً حقيقية حتى نعد أنفسنا للدور الوالدي الرسالي، ويتطلب منّا ذلك سعياً حثيثاً للاتصال والاستفادة من مصادر ووسائل التأهيل الضرورية ومنها:

* قراءة الكتب الأسريّة وبالخصوص تلك التي تتحدث عن مهمّات الوالدين ورسالتهما ومؤهِّلاتهما، وما يتصل بفنون التنشئة الأسرية، والمهارات التربوية، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة بطبيعة ودور الوالدين، فالأبوة مسؤولية خطيرة، والأمومة هي الأخرى مسؤولية عظيمة.

وإذا كان الكثير من الآباء والأُمّهات يبحثون عن كلّ جديد في عالم الجوالات أو الأجهزة الإلكترونية، كما تهوى بعض الأُمّهات تعلم الجديد دائماً في عالم المطبخ ومن كلّ أنحاء المعمورة، بيد أنّ الكثير من الآباء والأُمّهات لا يكلّفون أنفسهم مطالعة بعض الكتب المفيدة في تربية الأبناء، والاستفادة منها في التوجيه والإرشاد، والتعرف على سلوكهم حسب المراحل العمرية التي يمرّون بها.

ويبدو أنّ عدم تحسّس المسؤولية الوالدية والاستسلام للكسل والخمول، وضعف النشاط والاسترخاء وطلب الراحة تجعل البعض يتثاقل عن قراءة كتاب تربوي واحد، أو متابعة البرامج الجادة في الشأن التربوي من خلال التلفاز، ويكتفي بما عنده من ثقافة بسيطة وسطحية ورثها من أبويه، ومن محيطه لا غير، مما يكرّس الكثير من العيوب والمشكلات التربوية.

إنّ الواجب الديني والاجتماعي يُحتّم على الأبوين أن يتزودا بالثقافة التربوية لمواجهة المشكلات المعاصرة التي تعصف بالأجيال المعاصرة.

وإنّ من المفيد عند ترقُّب أوّل مولود أن يسعى الوالدان بأخذ إرشادات كافية ليتعرّفا على مختلف القضايا التي ترتبط بالمولود الأوّل ليكتسبا خبرة نظرية مسبقة في كيفية التعامل مع الوضع الجديد، خصوصاً أنّ العلاقة الزوجية تتأثر في بعض جوانبها بمجيء المولود الأوّل، وهذا ما يؤكد ضرورة الإعداد للمرحلة الوالدية بمزيد من التثقيف عبر القراءة والاطلاع على مسائل التنشئة والرعاية الأسرية.

* الاستفادة مما يعرض في وسائل الإعلام من قصص ومسلسلات وبرامج وحوارات وندوات جادّة تعالج المشكلات الأسرية للاطلاع على نوعية المشكلات الأسرية، وطرق التعامل معها، وإيجاد حلول واقعية لها – وخصوصاً تلك التي تحدث بين الآباء والأبناء – وتعلّم المهارات المناسبة للإدارة العائلية.

إنّ كثيراً من المشاهدين للمسلسلات العائلية الجادة لا يجيدون قراءة المشهد بشكل حاذق لانشغالهم بالجوانب الهامشية والترفيهية على حساب المسائل الجوهرية فيه خصوصاً عندما تغلب الحالة (الكوميدية) على المسلسل، بينما على المشاهد أن يخرج بمحصلة معرفية من خلال التركيز على الجوانب الجادة التي تعالجها تلك المسلسلات.

* التأمل الذاتي: تأمل علاقتك بوالديك، ودقِّق بتفاصيلها، وحاول أن تسترجع شيئاً منها، إنّ من المؤكّد أنّ بعضاً من تلك المرحلة لا يزال عالقاً في ذهنك، هناك بعض الحوادث لا تنسى! وربما أحدثت تحولات في حياتك.. هل تستطيع أن تقوِّم تلك الحوادث، وتفرز بين الإيجابي منها والسلبي من الناحية التربوية.. أظنك الآن على علم ودراية بالناحيتين.. إنّك قادر على الاستفادة وتوظيف خبرتك لصالح مؤهِّلاتك التربوية.. إنّك على استعداد لاستيعاب أفضل الدروس المستخلصة من علاقتك بوالديك، ومن المؤكّد أنّك ستوظفها في تعاملك مع أبنائك.

كما يمكنك الآن أن تستوعب أكثر تلك الصفات والأساليب والمهارات التربوية المتميزة عند أبويك، وتطبقها على نفسك وإدارتك لشؤونك العائلية إذا كان ذلك ممكناً وسائغاً في محيطك وبيئتك الأسرية.. وإلّا فاحذر أن تكرر تجربة ناجحة في ظرفك دون ظرف أسرتك، فالزمن يختلف، وكذلك متطلباته وأهله يختلفون أيضاً!

* الاستشارة التربوية: الكثير منّا يتخذ قراراته بنفسه ودون الرجوع لأهل الخبرة والاختصاص ولو كان ذلك في الشؤون العائلية، وكم تكبّدت العائلات الكثير من الخسائر جرّاء ذلك.

لقد حان الوقت للاستفادة من أهل الاختصاص والخبرة وأصحاب العقل الراجح والرجوع إليهم والتشاور معهم في كيفية التعامل مع المشكلات الأسرية، فخير الناس من جمع عقول الآخرين إلى عقله كما ورد في المأثور.. إنّ تلك الاستشارات المتكررة ستكون رصيداً معرفياً للوالدين، وسيمكِّنهما من التعامل مع مشكلات أبنائهم بمهارة فائقة.

* الدورات التأهيلية: إنّها فرصة ثمينة لا تعوّض إن سنحت لك الفرصة للاستفادة من تلك الدورات (الأسرية) ولو كلّفتك بعض المال ما دمت تريد أن تستثمر في أبنائك وعائلتك، ولن يتحقق لك ذلك بدون معرفة وتأهيل.. إنّها خطوة على طريق تحقيق النجاح لعائلتك وتحقيق أمنياتك أيضاً.

لا تتوانى أو تتكاسل أو تخجل.. أو.. أو...

كن حازماً مع نفسك وجادّاً، وتغلّب على رغبتك في الراحة ومجالسة الأصدقاء لأنّك تستطيع أن تعود إليهم بعد أيام قلائل فقط! لكن لن تضمن أنّك ستتعلم شيئاً جديداً ونافعاً لك ولعيالك بعد أيّام! إنّها فرصة طيّبة قد لا تعوّض إن استسلمنا للراحة وخسرنا تلك الدورات الأسرية النافعة.

إنّنا نجهل الكثير عن أنفسنا وعن أبنائنا وزوجاتنا، وتنقصنا مهارات كثيرة، ومن المؤسف أنّ بعضنا يظن أنّه يعلم كلّ شيء، ويدعي العلم وهو جاهل حتى النخاع!!

وبالتأكيد سيتبدد الكثير من ذلك الجهل عندما ننصت لصوت العقل الذي يدعونا للاستفادة من تلك الدرات التي تمنحنا المهارات الضرورية لتطوير أنفسنا ومن حولنا.

* استفد من تجاربك مع أبنائك حتى لا تتكرر الأخطاء مرة أخرى خصوصاً مع الأبناء القادمين، إقرأ باستمرار وتأمل علاقتك معهم، فربما توصلت إلى بعض القواعد الذهبية التربوية المناسبة، وتذكر أنّ ما يكسبه الإنسان بالتجربة الذاتية لا يُقوّم بشيء آخر، إنّ ما يُنمِّي ثروته الذاتية لا يقاس بمن حصل عليها بواسطة آخرين!!

لكن عليك أن تتراجع عن أي خطأ، وفي أسرع وقت، لا تصر على أخطائك، ولا تأخذك العزّة بالإثم، إنّ سرعة التعلم أمر ضروري في خضم حياة وقائعها فائقة السرعة، وإنّ الذين يصرِّون على أخطائهم لا يتعلمون ولا يتأهّلون أبداً!!

* الأحاديث والروايات ثروة لا تنضب: تحوي الأحاديث والروايات الشريفة معارف ثمينة في أصول وقواعد التنشئة الأسرية، كما تزوِّد الآباء بمعارف ومهارات تربوية تؤهِّلهم للتعامل بشكل سليم مع أولادهم إن عقلوها وفهموا مغازيها ومراميها.

إنّ تلك الروايات كتاب مفتوح يحوي ثروة معرفية هائلة في مجال التربية والتنشئة الأسرية، وإنّنا كآباء بحاجة إلى قراءة تلك الروايات والتأمل فيها، والسؤال عن محتواها ومضمونها، ممن يمتلك التفسير والتوجيه الأمثل لتلك الروايات التي قد تحتوي على بعض الغموض في دلالات كلماتها ومعانيها.

إنّنا لا نجد أنقى من تلك الكلمات الواردة عن الرسول الأكرم (ص) وأهل بيته الكرام في تعريفنا بالمهارات اللازمة في عملية التنشئة، ولا نجد أنصع من تلك الكلمات في تثقيفنا بالقيم التربوية.. إنّها تزوِّدنا بالخبرات الأساسية في الإدارة الوالدية.. إنّها حقائق تربوية ثابتة وإنّ علينا أن نرجع إلى نبعها الصافي باعتبارها من حقائق الوحي لنرتقي برسالتنا الوالدية.

* أحط نفسك بأصدقاء جادّين: لا غنى للمرء عن أصدقاء يأنس بهم، ويأنسون به، ولكن بإمكانه أن يختارهم طبقاً لمعاييره ولا يترك الحبل على الغارب فيتورط في صداقات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولأنّ كلّ منّا يرغب في أن يعيش حياة أكثر نجاحاً وتوفيقاً، فمن الأجدى أن يختار لنفسه أصدقاء جادّين في حياتهم لا يعرفون العبث أو التسيّب والإهمال، وخصوصاً فيما يتعلق بشؤون أسرهم.

إنّهم مهتمون جدّاً بعلاقاتهم مع أبنائهم، ويستشعرون المسؤولية التربوية الملقاة على عاتقهم. إنّهم لا يدّخرون وسعاً في إنجاح مهمتهم التربوية ومتطلباتها وما يترتب عليها، ولا يجاملون على حساب مسؤولياتهم الأسرية.

إنّ من الواضح أنّ الأصدقاء يؤثِّرون على حياة بعضهم البعض، وإحاطة الإنسان لنفسه بأصدقاء جادّين يعود عليه بالكثير من المكاسب الطيّبة، وخصوصاً ما يتعلق بتنمية معارفه ومهاراته وسلوكياته الأسرية، وتحسّس واجباته تجاه عائلته.

* تحذير ووعيد: تقود الفطرة السليمة صاحبها للاهتمام بعياله انطلاقاً من نداء الفطرة الإنسانية العميقة في أعماق ذاته، إلّا أنّ البعض قد يخبو عنده نداء الفطرة فلا تتحرك مشاعره تجاه عياله بل يهملهم ليواجهوا مصيرهم السيء، ولا يعمل على تأهيل ذاته ليكون قادراً على إدارة شؤونهم التربوية، ملبياً لحاجاتهم المختلفة.

من هنا جاءت الروايات الشريفة محذِّرة ومؤكِّدة أمثال أولئك الناس الذين ماتت ضمائرهم وخبت في نفوسهم الفطرة السليمة التي تقضي بالتفاني في خدمة العيال والأبناء، بالعمل على تحصيل الملكات والمهارات التربوية اللازمة.

يقول الرسول (ص): "لعن الله من ضيّع من يعول".

وفي هذه الرواية تصريح واضح على ذم من ضيّع عياله بأي نحوٍ من الضياع، فمن لم يؤهِّل نفسه في الأصل للقيام بمسؤوليته الأسرية والعائلية فقد ضيع عياله، لأنّه لن يكون قادراً على القيام بمسؤلياته التربوية المختلفة.

وفي الرواية تحذير بليغ لمن يهمل عياله ويتركهم يواجهون مصيرهم بمفردهم وهو قادر على العناية بهم والاهتمام بشؤونهم.

بل وتَسِمُ روايات أخرى من يفعل ذلك بالأثم، يقول الإمام الصادق (ع): "وكفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يعول".

ومن أجلى مصاديق ذلك أن يتهرب من تأهيل وإعداد نفسه لتلك المسؤوليات الأسرية التي تنقذ أسرته وعياله من الضياع.

 

المصدر: كتاب قبل أن تكون أباً!!

ارسال التعليق

Top