• ٨ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٨ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

صخب الشهر الفضيل يُبعدها عنّي

صخب الشهر الفضيل يُبعدها عنّي

هو:

هل هو شهر تأمُّل وعبادة أم زَفّة قائمة على قَدَم وَسَاق؟ إنّ ما تعوّدته من تقاليد رمضان الكريم، في البيت الذي نشأت فيه، يختلف كثيراً عن عادات هذه الأيّام، حيث الصَّخَب يشوِّش على خلوة الروح، وأكوام الطعام تُربْك المعدة وصراخ المسلسلات يعلو في كلِّ بيت. أين فائزة؟ أكاد أفقدها في زحمة الأهل والجيران، ولا أرى سوا أطياف عابرة منها على مائدة الإفطار. إنّ المائدة مزدحمة أيضاً بما فوقها من أطباق وأقْدَاح وألوان وروائح، وبمن حولها من أشقاء وشقيقات وأبناء وضيوف وأقارب.

تسهر زوجتي أمام الشاشة، تلهث من مسلسل إلى مسلسل، وأسهر أنا مع صحبي في المقهى، بين فناجين الشاي والقهوة وكؤوس السّحلَب واليانسون. إنّ الكلام الكثير يملأ الفضاء ويتفوق على أبخرَة الأراجيل، لكنه لا يفلح في أن يغطّي لعَلَعة التلفزيون الذي باتت شاشاته الكبيرة تنتشر على كلِّ الجدران. فأنت في مواجهته، شئت أم أبيت، وحيثما جلست، لا ينفع أن تُدير ظهرك له لأنّ شاشة أخرى تحاصرك من الأمام.. بل من كلِّ الجهات.

أعود متأخراً وأراها مازالت ساهرة وتائهة بين الحكايات والنجوم، أستيقظ للذهاب إلى العمل، فأراها نائمة نوماً عميقاً، على غير عادتها، من فرط الإجهاد في المطبخ وفوضى المسلسلات. ماذا يجري لنا فجأة؟ وأين نظام حياتنا السابق؟ بل أين الدَّعَةُ والسَّكينَة والراحة التي تطلبها النفس؟

أمس، وجدتُ خطاي تقودني إلى بيت عمّتي العجوز التي ترمّلت ولم تُرزق بأبناء. لقد كنتُ توّاقاً إلى سماع الترتيل الذي تخشع له النفس وتتصدّع، من دون مؤثرات صوتيّة جانبية ولا صراخ أطفال أو رنين هواتف أو قرْع جرس الدار. وقد كانت مائدة الإفطار لدى عمّتي بسيطة ولذيذة. طبيخ يُشبه طبيخ كلّ يوم، لكنه يتحول إلى وليمة باذخة في عين الصائم الجائع، والمشتاق إلى رشفة ماء أو لبن. حتى التمر على مائدة عمّتي العجوز كان أكثر حلاوة، وكأنّه آتٍ من عسل الذاكرة وحنين الطفولة.

أتمنّى لو أسرق فائزة من بيتنا وآتي بها إلى بيت عمتي. أودّ لو أفطر معها، وجهاً لوجه، على طاولة صغيرة تسمح بأن أمدّ يدي إلى طبقها وأن تمدّ يدها لتضع لي قطعة لحم في طبقي. إنّ جلابيّتها الجديدة ستبرق في عيني ولي وحدي، بدَل أن تضيع في غابة من الجلابيات الملونة الكثيرة. هل تأخذ زوجتي إجازة من مسلسلاتها لمساء واحد، وتأتي لاستعادة نكهة رمضان معي؟

 

رفاقه في المقهى يرونه أكثر منيِّ:

أمس قال لي منصور، إنني أضيع منه في رمضان. ووجدت نفسي أردّ عليه بأنّه يضيع منّي، أيضاً، ولا أكاد ألْحَظهُ على مائدة الإفطار، حين يلتَمّ الأشقاء وأبناء العم والأقارب، وتنسحب النساء لتلبية طلبات الأزواج والأطفال. وبعد شرب الشاي، أتطلّع حولي باحثة عن زوجي، فيُقال لي إنّه خرج إلى المقهى مع صحبه. إنّ رفاق المقهى يرونه أكثر منّي، ويسهرون معه ساعات أطول من الساعات التي يسهرها معي. أنا أفتقده لكنني لا أجد الوقت، ولا الفرصة، لكي أقول له ذلك. بل إنني مثل تلك الأُم في أوبريت "الليلة الكبيرة"، التي تجوب زحام المولد بحثاً عن ولدها التائه، أو لعلّها ابنتها.. "بنت تايهة على طول كده".

إنّ لمنصور قامة فارعة. ومع هذا يغيب عن ناظريّ وكأننا نصبح غريبين في الصّخَب العارم لشهر الصيام. من أين يأتي كلّ هذا الانشغال، ولماذا كلّ هذه التطوع المجّاني لطبخ طعام يكفي لإشباع قبيلة؟ أنا لستُ سوى بَيدَق في رقعة شطرنج كبيرة، أتحرك مع الأخريات وأتسوّق معهنّ، وأملأ خزائن المطبخ بالأطعمة المعلبة المجمدة والمقَدّدة والمجففة والطازجة، وكأنّ الأسواق ستقفل أبوابها على حين غرّة وتتوقف عن البيع. أنا واحدة من آلاف النساء اللواتي يرصدن برامج الشيف فلان والشيف علّان، وكأنهنّ يتعلّمن حرفة جديدة تصلح لرمضان فقط. لابدّ من الإحاطة بكِّل أنواع الشوربات. ولابدّ من إتقان فنون الكنافة والبقلاوة والزلابية وزنود الست. ولأنّ "التاريخ يُعيد نفسه" كما يقولون، فلابدّ للشيف من أن يبتكر جديداً لكلِّ طبخة أو حلوى، أو أن يخترع مذاقات إضافية لكي لا تنصرف عنه ربّات البيوت ويحوّلن المؤشّر إلى قناة أخرى.

أصحو من النوم مُتْعَبَة بسبب الوقوف في المطبخ، والقيام والقعود في محيط المائدة، وأفتح التلفزيون على عَجَل، وكأنّ الحياة ستفوتني إذا فاتتني مسلسلاتها، وأدور بين المحطات وأجري من غرفة المعيشة إلى المطبخ، ومن شاشة إلى شاشة، بعد أن احتطنا للشهر الفضيل واشترينا جهازاً للمطبخ أيضاً. أين منصور؟ إنّه ينام القيلولة وأنا متفرغة لسيدنا السيّد. لكن القرقعة وأصوات التلفزيون لا تترك أحداً يغفو طويلاً. لذلك، يهرب زوجي إلى المقهى، كلّ ليلة، بينما أبحث أنا عنه كمن فقدت طفلاً في زحام المولد.

 

ارسال التعليق

Top