• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

القرآن يحثنا على التفكير البناء

القرآن يحثنا على التفكير البناء
إنّ الله – تبارك وتعالى – خلق الحياة الدنيا داراً للابتلاء:
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك/ 2).
ولذلك وفر فيها كل شروط الابتلاء والاختبار؛ فكل دقيقة تمر على المرء تحيطه بضرورة من الضرورات سواء أكانت تلك الضرورة مما يتعلق بأمور الآخرة أم أمور الدنيا. وتسخير الله تعالى الأشياء لنا يعني قابلية تحويلها من (كم) إلى (كيف)، وهذا التحويل لا يتم بمجرد الحركة؛ إذ إن هناك سنناً ثابتة ونواميس ماضية تحكم عمليات التحويل تلك؛ ومعرفة تلك السنن من المقدمات الهامة التي يجب تحصيلها حتى تنساب حركة التخلص من الضرورات بيسر وسهولة.
إنّ الإنسان محصور دائماً بين تحد دائم مما حوله من الزمان والمكان والأشياء والمعارف، وبين نصر أو هزيمة؛ وعلى مقدار ما يسجل من انتصارات يكون رقيه في سلم التقوى والتقدم، وعلى مقدار ما يصاب به من انكسار وهزائم يظل راسفاً في قيود التراب والتأخر مطوقاً لعنقه بسلاسل الضرورة التي توصله إلى هاوية الاضمحلال التام. ومن هنا فإن أكثر دعاء يردِّده المسلم في ليله ونهاره هو (إهدنا الصراط المستقيم) لأن كل لحظة من العمر تحتاج إلى هداية جديدة من مالك يوم الدين ما دام عمره مليئاً بالتكليف والاجتهاد.
وما دام الأمر على هذه الصورة فإنّ الثروة الحقيقة لأية أمة من الأمم لا تكمن في الأرض أو في المال أو في الأشياء التي تمتلكها؛ وإنما تكمن في كمية الأفكار البناءة التي تخلصها من قيود الضرورات على الوجه الأكمل، وتعلمها حل المشكلات وإبصار دروب الفعل التي تسلكها.
ويمكن أن نبسط هنا بعض الأسباب والمجالات التي توجب علينا العناية بهذا اللون من ألوان النشاط الإنساني؛ وذلك على الوجه التالي:
1- نظراً لأهمية التفكير في حياة الناس فإنّ الكتاب العزيز جاء حافلاً بالآيات التي تحث المسلمين على تقليب النظر في ملكوت السماوات والأرض، ليستدلوا بذلك على وجود الخالق المبدع، كما حثهم على النظر في أحوال البشر وبدايات خلق الأشياء وتحريك عقولهم بقياس أحوالهم على أحوال من سبقهم من الأمم حتى لا يعرضوا أنفسهم لمثل ما تعرضوا له من عقاب وتدمير. وأمرهم باكتشاف السنن العليا التي تحكم حركة الإنسان والكون حتى يختصروا الجهد والوقت، ويجنبوا أنفسهم التصادم معها. ولعلنا نستعرض بعض تلك الآيات لننعم بقبس من نورها:
أ- في مجال التوحيد والدلالة على خالق هذا الكون يقول – جلّ وعلا –:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ (١٩٠)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران/ 190-191).
ويقول – سبحانه وتعالى – حاكياً حياة عالم النحل المدهش ومعبراً عن دلالة دقة تنظيمه على وجود بارئه:
(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل/ 68-69).
ب- ويذكر القرآن الكريم أن من أهم ما يهدف إليه حثَّ العقل الإنساني على التفكير والتدبر، فيقول سبحانه:
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل/ 44)،
ويقول تباركت أسماؤه:
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) (ص/ 29).
ج- ويذكر لنا القرآن الكريم أنّ القصص الذي احتل مساحة واسعة منه يهدف إلى إثارة النظر والفكر حتى يستخلص العبر الهادية للناس في مسيرة الحياة، فيقول سبحانه:
(فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف/ 176).
ويقول أيضاً:
(قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام/ 11).
وقال أثناء ذكر قصة إجلاء بني النضير:
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ) (الحشر/ 2).
أي قيسوا أحوالكم على أحوالهم حتى لا تقعوا في مثل ما حلَّ بهم.
د- ويعلمنا القرآن الكريم الوقوف على بدايات الأشياء وضرورة ملاحظة الجذور حتى لا يزيغ البصر في تأمل أطوار الأشياء المختلفة، فيقول – سبحانه –:
(قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت/ 20).
هـ- ويدل الله – تعالى – عباده على شيء من منهجية البحث والنظر حين يطلب منهم القيام لله مثنى وفرادى بعيدين عن التأثر بصخب الجماهير، وانفعالاتهم حتى يسلم النظر من المؤثرات الخارجية، فيقول:
(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (سبأ/ 46).
2- كان الفيلسوف الفرنسي (ديكارت) يقول: (أنا أفكر إذن أنا موجود) فهو بهذه العبارة الموجزة يجعل التفكير دليلاً على الوجود، بل يكاد يحصر الوجود في التفكير، وكأنّه يريد أن يبين أنّ الذين عطلوا ملكات التفكير لديهم لا يوجد دليل على أنهم أحياء!
وإذا سلمنا بصدق هذه المقولة فإن كثيراً منا اليوم يعيشون حياة نباتية فيها الطعام والشراب والتنفس والنوم والتكاثر... ولكنها خالية من التفكير!! وهؤلاء الذين يفعلون ذلك يندفعون إليه بشكل ذاتي في بعض الأحيان، وبضغط من الآخرين في أحيان أخرى حتى لا يختل نظام القطيع الذي يسوقونه، وحتى لا تتعرض مصالح العباد والبلاد للخطر!!!.
وخاصية التفكير هي التي توجد ميزة التنوع بين البشر في المستويات العليا؛ وحين تحرم أمة أو مجتمع أو جماعة أو فرد من هذه النعمة الجليلة فإنّ الحياة تصاب بالقحط والجدب، وتفقد ماءها ورواءها، وتصبح الأعداد البشرية الهائلة أكداساً من اللحم والعظم! وإذا ما حدث ذلك فإن كل مشكلة تصيب المجتمع تصبح إحدى لوازمه الثابتة فيه، وتظل تتضاعف، وتتفاعل؛ حتى إذا شعر الناس بضرورة الخروج من النفق المظلم وجدا أن ذلك لن يحدث إلا بعد تكاليف باهظة مع تضاؤل إمكاناته!
3- إذا نظرنا في أحوال العالم الإسلامي اليوم وجدنا من الظواهر العامة ما يدعو إلى اليأس – وإن كان المؤمن لا ييئس – ونلمح من تلك الظواهر ما يلي:
أ- دول العالم الإسلامي التي تجاوزت الخمسين مصنفة جميعاً في دول العالم الثالث، وكثير منها يعيش تحت مستوى الفقر، والذين ينضوون تحت هذا الاسم يزدادون يوماً بعد يوم. أما المسلمون الذين يعدون أقليات في أوطانهم فإنهم يعانون من المضايقة وخطر الصهر والتذويب من قبل الأكثرية، ويعاني بعضهم من خطر الطرد من تلك الأوطان وإعادتهم إلى بلادهم التي وفدوا منها.
ب- على المستوى الثقافي الشكلي الكمي فإنّ نسبة الأمية بين المسلمين البالغين تتراوح نسبتها بين 50% و80% بمتوسط يقرب من 58%، على حين تقل نسبة الأمية في دول الشمال عن 2%. ولا تتعدى هذه النسبة 45% في المتوسط في دول العالم الثالث بصفة عامة؛ وهذا يعني بوضوح أن أعلى نسبة للأمية بين البالغين في العالم هي من نصيب الدول الإسلامية المعاصرة. ومن مؤشرات الخطر أن نسبة طلاب المدارس (بين عمر خمسة أعوام وتسعة عشر عاماً) لا تتعدى 37% من مجموع تعداد السكان في العالم الإسلامي المعاصر، على حين تتخطى هذه النسبة 75% في دول الشمال، وتصل إلى 48% في دول العالم الثالث بصفة عامة.
وهذا من الناحية الشكلية المحضة، فإذا تجاوزنا ذلك إلى البحث في أحوال من نسميهم (مثقفين) وجدنا مأساة المضمون تتكامل مع مأساة الشكل؛ حيث إن إنتاجية هؤلاء المثقفين وقدرتهم على رفع سقف المعرفة في بلادهم تقترب من الصفر، مما يجعل هجرة النابغين والناشطين ضربة لازب، إذا ما أرادوا أن يرتقوا بعلومهم وثقافتهم... وأسباب هذا الخلل كثيرة يأتي في مقدمتها خطل في مناهج التفكير المتبعة في معالجة المشكلات والأزمات.
ج- الانحباس النهضوي:
إذا رجعنا قرناً إلى الوراء وجدنا أنّ الأفكار النهضوية التي نادى بها المصلحون في شتى ميادين الحياة ما زالت مطالب لنا حتى اليوم، ولوجدنا أننا نشكو من العلل عينها التي شكوا منها من الفقر والجهل والمرض والاستبداد والتفرق والأنانية والظلم والاستخفاف بالإنسان، إلى ما هنالك مما ينضح به قاموس التخلف؛ ولو أن علة واحدة من هذه العلل تسلطت على أمة من الأمم لكانت كافية للقعود بها عن النهوض والقدرة على المنافسة! ونحن في حالة الانحباس هذه لا نملك سوى التلاؤم الدائم، كل شريحة من شرائح مجتمعاتنا تلقي اللوم على الشرائح الأخرى، وتبرىء نفسها؛ وقد يكون اللوم موجهاً إلى جيل بأكمله مع تبرئة جيل آخر على فلسفة: "مشكلاتنا صنعها الجيل السابق، وسوف يحلها الجيل اللاحق"!!. أما نحن فمهمتنا الرسم في الفراغ..
هذا الانحباس سببه الرئيس هو عدم القدرة على إدراك طبيعة المشكلة؛ إذن إن وجود أية مشكلة لا يؤدي بالضرورة إلى حلها حيث يملك أكثر الناس الجَلَد والقدرة على التعايش مع تلك المشكلات وتحمل لأوائها مهما تكن قاسية. والوعي بالمشكلات لا يكفي ما لم نتمكن من تجزئتها إلى أساسية وثانوية مثلاً؛ وهذا لا يتم إلا عن طريق الفكر المتحفز الذي لا يعرف طعم الراحة حتى ينبلج الفجر المنتظر.
د- أمام على الصعيد النفسي فنلاحظ الأدواء التالية:
فقد الأمن والطمأنينة، زوال الإيمان بكثير من الثوابت، الخوف من العالم والانطواء، التخلي عن المواقف الإيجابية تجاه الواقع، ازدياد المواقف المبنية على ردود الأفعال، البَرَم بكل ما هو قائم ونقده دون أي تمييز، ضيق الأفق والحيرة واليأس من اسنداد السبل، تدهور المناخ الفكري وانعدام الحوار...
هـ- انعدام فاعلية المبادئ والمثل العليا:
لا تشكو أمتنا فقراً في المبادئ أو القيم حيث إنّ المبادئ التي جاء بها الإسلام سوف تظل قادرة على تلبية الأشواق الفطرية للإنسان، كما أنها ستظل قادرة على إقامة التوازن بين جوانب الحياة المختلفة، وبناء الشخصية العالمية والمواطن العالمي؛ ولكن المشكلة التي نعاني منها هي انخفاض مستوى فاعلية تلك المثل والمبادئ في تحريك طاقات المسلمين وجذبها نحوها؛ مما جعل واقع كثير من المسلمين لا يختلف كثيراً عن واقع الأمم التي حرمت نعمة الوحي والهداية؛ بل إنّه كان أكثر سوءاً في بعض النواحي. ومن المعروف أنّ الأُمة حين تأخذ في التراجع، وتكف مُثُلها عن الفعل تنسحب المضامين من كل أنشطتها وجوانب حياتها، وتظل الأشكال رموزاً على المنظومات العقدية والشعورية ليس أكثر؛ بل قد تؤدي إلى عكس ما أوجدت من أجله؛ فقد شرع الله – تعالى الصيام من أجل تهذيب النفس وصحة الجسم وتذكر الفقير وتوفير بعض النفقات لمساعدته؛ والذي يحدث اليوم أنّ المسلم ينفق في رمضان ضعف ما ينفق في غيره، وترصد بعض الدول التي تلتزم بتأمين السلع الغذائية لشعوبها ميزانية خاصة لرمضان!!
والصلاة التي شرعت لتنهى عن الفحشاء والمنكر، ولتكون صلة بين العبد وربه لم تنه كثيراً منا عن المعاصي، ولكنها صارت تَعلِلَّة لتعطيل مصالح الناس عند كثير من الموظفين. والجيوش التي أنفقنا عليها ألوف الملايين لم تحم أرضاً ولم تصن كرامة! وقس على هذه اللازمة ما شئت!.
والتفكير السديد النشط هو الذي يساعدنا على إيجاد المخرج من هذه الأزمات. ولابدّ هنا من التنبيه إلى شيء هام هو العلاقة الانعكاسية بين المبادئ والواقع حيث يظن بعض الناس أنّ إلحاح بعض الكتاب المسلمين قد تجاوز الحد، وأعطى الدنيا وشؤونها من الاهتمام أكثر مما أعطاها الإسلام.
وهذا الظن صادر عن نية طيبة؛ ولكن الحقيقة أنّ الدافع لأولئك الكتاب على ذلك الضغط – الذي قد يبدو أنّه غير متوازن – هو غيرتهم على دينهم؛ لأنهم يدركون أن هناك علاقة انعكاسية مطردة بين واقع النظم الاجتماعية وبين إطارها المرجعي ومستندها الفلسفي، فحين تصبح النظم الاجتماعية عاجزة عن إشباع حاجات الناس وحفظ وجودهم المعنوي والمادي والإبقاء على قدر مناسب من الحيوية والرقي فإنّ النتيجة ستكون قطعاً هي الشك في المبادئ والقيم التي أفرزت تلك النظم؛ إذ إنّ النظم الاجتماعية تمثل خط الدفاع الأول عن القيم والمبادئ فإذا ما انهارت، أو ضمرت بدأ العطب يسري إلى المبادئ نفسها؛ وقد أدرك السلف هذا، وعبروا عنه تعبيراً دقيقاً حين قالوا: (المعاصي بريد الكفر)!
وحين تقوم النظم الاجتماعية المختلفة بوظائفها التي أوجدت من أجلها فإن هذا سيعود على القيم التي تستند إليها بمزيد من التمكين والترسيخ؛ إذ إن فلسفة عصرنا يزداد اعتمادها على المقولة الذائعة: (دعونا نلمس). فإذا أمضى الناس وقتاً أطول مما ينبغي لقطف ثمار شجرة يئسوا منها، وجعلوها حطباً؛ وما نشاهده اليوم من انهيار الشيوعية دليل قاطع على صحة ما نقول.
4- التفكير من أجل اكتشاف السنن:
كان من جملة تسخير الله تعالى الكون لهذا الإنسان أن بث فيه سنناً تتصف بالاطراد والشمول والثبات، وهذه السنن مبثوثة في الكون والأنفس والمجتمعات؛ والوقوف عليها لا يتهيأ لنا ونحن متكئون على الأرائك؛ وإنما يأتي ثمرة استقراء لجزئيات كثيرة بغية توزيعها على النواميس العليا التي تحكمها، ثمّ تأتي مرحلة الاستفادة منها، وذلك بعد مصادمتها والأمل بحصول أحداث تخالفها... وإن وجود السنن رحمة من الله – تبارك وتعالى – للإنسان؛ إذ إنّه تمكن بسببها من اختصار الكثير من الجهود التي كان عليه أن يبذلها لفهم الكون من حوله والتعامل معه. ولنتصور أن قانون إحراق النار أو قانون الجاذبية – مثلاً غير مطرد، فكيف ستكون الحال؟!
وتتجلى الرحمة أيضاً من خلال وجود السنن في أنّ التحول في أكثر الظواهر الاجتماعية يتم ببطء، وعمر الإنسان إذا ما قيس بعمر الحضارات قصير جدّاً، مما يجعل الإنسان يبصر مقدمات الحدث دون أن يراه، أو يبصر نتائجه دون أن يرى مقدماته، وحينئذ فإن من السهولة بمكان أن يصاب المرء باضطراب الرؤية وضلال الأحكام؛ ولذا جاء الأمر الإلهي بالضرب في الأرض:
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران/ 137).
إنّ الهدف من السير في الأرض هو اكتشاف السنن ما دام الواقع المعاش لا يتيح للمرء أن يرى الصورة كاملة بكل أبعادها. والسير في الأرض ليس سيراً في المكان فقط؛ ولكنه أيضاً سير في الزمان حتى نرى قصة البشرية كاملة في رشدها وغيها، والعواقب التي آلت إليها.
إنّ السنة تجسِّر العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وحين نكتشف سنة في مجال ما فإن ذلك يعني سهولة فهم الماضي والحاضر، كما يعني استشرافاً حسناً للمستقبل، مما يجعل المسلم يخرج من عالم التوقعات والتخمينات إلى عالم العلم الراسخ الذي يعتمد عليه في البناء والعمل. وحين نتجاهل وجود السنن التي تحكمنا، وتحكم الوجود من حولنا فإن أخطاراً كبيرة سوف تحيط بنا؛ فحين لا ندرك مثلاً أنّ السنة في التحول الاجتماعي هي التدرج، وليس الطفرة فإننا سوف نعتمد أساليب ووسائل تخالف الفطرة وسنة التدرج، وسيؤدي ذلك إلى الاصطدام بالسنة، وسنحصد عاقبة ذلك. وحين لا نتعلم – مثلاً من السنن التفريق بين ما هو كائن، وبين ما ينبغي أن يكون فإنّ النتائج ستكون سلسلة من المفاجآت والآلام والهزائم! فإذا كان هناك من أمر يحتاج إلى جهد فكري مكثف فإنّه سيكون اكتشاف السنن وإذا كان ثمة شيء يحتاج إلى انضباط نفسي عالي الوتيرة فإنّه سيكون الموضوعية في التعامل مع السنن.
5- تجسيد القيم في أشكال وأساليب عملية:
حين تظفر أمة بقائد فذ يلهب حماسها، ويرفع درجة توترها الحيوي إلى أقصى مدى تكون قيمة الأشكال والأساليب التي تتجلى فيها المبادئ والقيم العليا أقل أهمية؛ حيث إنّ الإخلاص والحماسة يجعلان الأُمّة تتجاوز مشاكلها من خلال تحمل الأفراد، ومن خلال التضحية والعطاء السخي؛ ولكن ذلك لا يُرشح للاستمرار إلى فترة طويلة؛ حيث تتراجع العاطفة والتوثب الروحي؛ ليحل محله تيار من الأنشطة العقلية، وبالإضافة إلى هذا فإن اتساع القاعدة يجعل إمكانات التواصل والتأثر العاطفي أقل؛ مما يجعل الأُمّة محتاجة إلى بلورة مبادئها وقيمها في إجراءات يومية تجعل حضورها ملموساً؛ وهذه الإجراءات والأشكال تتم بلورتها من خلال عملية اجتهادية مستمرة تستهدف إيجاد وظائف محددة للمثل العليا، وإيجاد المحفزات التي تنشط تلك الوظائف إذا ما اعتراها الفتور، أو انخفضت درجة فاعليتها لسبب من الأسباب. ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك:
أ- الشورى مبدأ من أهم المبادئ الإسلامية، وقد طبّقه النبي (ص) في مجالات كثيرة، كما طبّقه الخلفاء الراشدون كذلك من بعده؛ وحين كان المجتمع ضيق الرقعة فإنّه كان بالإمكان الاعتماد على الشورى العفوية المعتمدة على معرفة الخليفة بأهل الحل والعقد؛ وحين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وتعقدت مصالح الناس، وتعددت جوانب الحياة كان لابدّ من تطوير الصيغ الشورية بما يتناسب مع الأوضاع الجديدة؛ ولكن الذي حدث هو بقاء الشورى عفوية مع انخفاض مستوى الحكام في تقواهم وكفايتهم. وكان ذلك أحد أهم الأسباب التي جعلت الثورات على الخلفاء لا تكاد تتوقف حيث تؤمن الشورى – عادة – مصالح مختلفة الأقاليم والأقطار. ومع عفوية الشورى فإنّها كانت لا تكاد تتعدى الشكليات والفرعيات؛ أما القضايا الكبرى في حياة الأُمّة – كاختيار الخليفة مثلاً – فإنها ظلت منوطة بعدد قليل من الأشخاص تنقصهم في كثير من الأحيان الأمانة والكفاية.
ونظراً لضعف خبرتنا التاريخية فإنّ الإحساس بضرورة بلورة هذا المبدأ في أشكال منظمة مازال ضعيفاً؛ والأضعف منه المقدرة الفنية على ابتكار الطرق الملائمة لأوضاعنا الخاصة؛ ولن نتمكن من عمل شيء في هذا السبيل إلا بالتفكير الجاد المرتكز على قاعدة جيِّدة من المعلومات.
ب- الوحدة:
ظلت الوحدة على امتداد التاريخ الإسلامي المحور الذي ينحاز إليه أهل السنة والجماعة، وقد ضحوا في سبيل وحدة الأُمّة بأشياء كثيرة استجابة لما وجههم إليه الإسلام من النزوع إلى وحدة الكلمة واعتبار الفرقة عذاباً يسلطه الله على من يشاء من عباده. وأدب الوصايا لدينا يعج بالحث على الأخذ بكل ما من شأنه رص الصفوف وتجنيس الرأي، وصار ذلك جزءاً من منظوماتنا الفكرية والشعورية. لكن على الرغم من كل ذلك فإنّ الفرقة والاختلاف نالا القسط الأوفر من شكايات المسلمين على مدى التاريخ الإسلامي كله؛ وكان كثير من الغيورين يسعى في معالجة ذلك الداء الوبيل بالاتجاه إلى توكيد مبدأ الوحدة من خلال سوق نصوص الكتاب والسنة وأدبيات الوحدة والجماعة ذات الطول والعرض في تراثنا؛ ولم يكن ذلك هو الحل، ولا ما يقاربه؛ حيث إنّ الوحدة مبدأ ثابت عند المسلم؛ ولكن كان المطلوب دراسات مطولة وإعمالاً مستمراً للفكر في البحث عن الأسباب التي تؤدي إلى الشقاق من الجهل والهوى والاستبداد والظلم، كما كان المطلوب أن نأخذ عينات من نماذج الانشقاقات الكبرى في تاريخنا لدرسها واستخلاص العبر منها. وكان من جملة المطلوب كذلك أن نتجه إلى الأطر الوحدوية التي تتناسب مع الظروف المعقدة والمعطيات الجغرافية الجديدة بما يحقق شكلاً من أشكال التوحد، ويسمح في الوقت نفسه بمرونة الحركة للشعوب الإسلامية وفق خصوصياتها والمراحل الحضارية التي تمر بها.
كما كان علينا أن نبحث العلاقة الدقيقة بين الوحدة والحرية، والوسائل التي تجمع بين هذين المطلبين، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، إذ إنّ الوحدة حين تقعد عن إشباع حاجات الأُمّة في القوة والتعاون والتكامل وتحقيق الأمن والرفاه تصبح قيداً يسعى الجميع للخلاص منه.
ج- إغاثة الملهوف:
إغاثة الملهوف خلق من أخلاق العرب في الجاهلية، وقد دعم الإسلام هذا الخلق الكريم تدعيماً لا نظير له حين جعل إسعاف نفس يتخليصها من الهلاك معادلاً لإحياء نفوس البشرية جميعاً:
(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة/ 32).
ورغبة في الثواب العظيم الذي وعد الله به منجد المستغيث، ظل هذا الخلق حياً فاعلاً في حياة المسلمين على المستوى الفردي إلى يوم الناس هذا، ولكن مجمل التطورالت في العصور الحديثة قلل من أهمية الاعمال الفردية في هذا المجال؛ إذ إنّ الفيضانات والزلازل وموجات الجفاف، وما تتركه الحروب من فقر وتشريد تتطلب لعلاجها جهوداً جماعية ضخمة، كما تتطلب إمكانات مادية كبيرة. ومع هذا فإنّ المنظمات الإغاثية في العالم الإسلامي في منتهى الضعف، ولا تتناسب أحجامها مع ما يتطلبه واقع المسلمين البائس من العون والمساعدة.
إنّ كل ما ذكرناه من مجالات التوظيف للقيم، وما ذكرناه من الأزمات والمشكلات لا يمكن حله إلا من خلال تفكير منظم واع مدرك لأسباب تلك المشكلات وجذورها، يمده استقراء واسع لحاجات المسلمين المعاصرة من أجل استخلاص العبر من الماضي وتخفيف عناء الحاضر. إنّ الله تعالى ما أنزل من داء إلا أنزل له دواء، وإن بداية الطريق منهجية صحيحة لتفكير مجد صبور مرن بعيد عن الذاتية والانفعالية والارتجالية.
 
المصدر: كتاب فصول في التفكير الموضوعي

ارسال التعليق

Top