• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

البعد الروحي في فريضة الحج

عمار كاظم

البعد الروحي في فريضة الحج

الحج عبارة عن مجموعة من المناسك والشعائر، وجملة من الأفعال والأقوال.. تنتظم جميعها في أُطر زمنيّة، ومكانيّة محدّدة، لتجسّد بمجموعها معنى تعبديّاً، وعملاً تربوياً يساهم في بناء شخصيّة المسلم، ويعمل على إعادة تنظيمها، وتصحيح مسيرتها في الحياة، ويسدّد وجهتها ومسارها إلى الله. هو فريضة إلهية وامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، هذه الفريضة الإلهية المهمة مثل بقية الفرائض والأحكام الدينية الأخرى، شرعت لصلاح الناس وفرضت لغرض تربيتهم، وإصلاح أمرهم وأنفسهم، فلا يعود شيء منها إلى الله تعالى أبداً، فهو الغني عنهم جميعاً. فالحج هو طريق لتحقيق نيل العبد ورضا الله ومغفرته بسبب امتثال أوامره واجتناب نواهيه امتثالاً يعلن الخضوع والهيبة والخشوع، فالحج رياضة للوجدان على طاعة الرحمان.

والحج بهذا الامتثال إخلاص لله سبحانه، فهو تحقيق للتوحيد والبراءة من الشرك، لأن الله تعالى ما أمر ببناء البيت إلا لذلك، قال سبحانه: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج/ 26)، فقوله تعالى: (لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) أي لا تجعل في العبادة لي شريكاً، ولا تشرك أي غرض آخر في بناء البيت، ليكون خالصاً للذين يعبدون الله وحده لا شريك له، و(وَطَهِّرْ بَيْتِيَ) هو تطهير من الشرك والأوثان. إنّ المرء ليشعر وهو يعيش حالة الاحترام وحالة الأمن في البيت الحرام  بمعان من الجلال ومن الطمأنينة الشاملة، ويحس أنّ بيت الله تبارك وتعالى ملاذ الطريد، وملجأ الشريد، وحصن المضطهَد، وأمان الخائف، فهنا في بيت الله ينبع السلام الدائم، وهنا في بيت الله يتحدّر الجلال الدائم.

 فعبادة الحجّ بصيغتها العامّة من الأقوال والأفعال التعبّديّة التي يمارسها الحاج توحي للنفس بمعاني كثيرة فتشعرها بجلال الموقف، وروعة الخشوع والعبوديّة لله سبحانه، وتزرع فيها مكارم الأخلاق، وتقودها إلى استقامة السلوك، وحسن المعاشرة. ففي كلّ فعل، ونداء، ومناجاة في مناسك الحج، رمز يوحي إلى النفس بمعنى، وأداء يعبّر عن سرّ وغرض تستوحيه النفس في تعاملها معه. فالإحرام، والتلبية، والطواف، والسّعي، والوقوف بعرفات.. الخ، كلّها أفعال ذات مغزى، ومشاعر ذات معنى عميق يجب أن يحسّها الحاج، ويتمثّل معانيها.

إنّ سائر مناسك الحج مبنية على العبودية الخالصة لله تعالى، واتباع أمره، واجتبناب نهيه، حتى وإن خفيت بعض أوجه الحكمة فيه، فلو كان اتباع كلّ أمر واجتناب كلّ نهي متوقفاً على معرفة الحكمة وفهمها والاقتناع بها لتعطلت كثير من الأوامر والنواهي، لأن ما يفهم البعض، لا يفهمه آخرون، وما فيه مقنع للبعض لا يقنع البعض الآخر.

فريضة الحج هي نبع حركي في تقويم وتربية وتهذيب وإصلاح الإنسان، فمن مظاهرها بذل الجهد والمال وهي عنوان بارز لعملية الإيثار وكسر الأنانية في النفس وتطهيرها من رذيلة البخل، فموسم الحج فيه حث على العطاء ويروض النفس على عدم الاتكال على الغير.

ومن مظاهرها أيضاً، حرمة الجدال حيث تربي الإنسان على تجاوز الذات وعدم اندفاعات النفس إلى رغباتها، فالجدل مما يمحق به الإيمان ويطفىء وهج الروح الإنسانية، مما يخلفه فيها من قسوة من جراء المماراة. فريضة الحج مرة واحدة في العمر، لكن دروسه وعبره التربوية تكفل أن يشحن بها العبد المؤمن قلبه، فيدوم معه أثرها بقية عمره، مصداقاً لقول الرسول (ص): «يرجع كيوم ولدته أمه»، وكأنّه بعدها يفتح صفحة جديدة بعد غسيل كلّ الذنوب والمعاصي.

ارسال التعليق

Top