• ١٠ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢٠ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

آباء اليوم…

آباء اليوم…

بين آباء الأمس وآباء اليوم، هل يمكن عقد مقارنة في شأن تربية الأبناء وكيفية التعامل معهم؟! أم أنّ لكل جيل عصره وبيئته وتكوينه وأعرافه وتقاليده؟

مع غياب دراسات تفصيلية في المناطق العربية، تأتي الإحصاءات والدراسات الغربية لتسلط الضوء على بعض المعطيات التي تجلي لنا كيف أصبح آباء اليوم يعاملون أبناءهم.

فقد أظهرت دراسة للإتحاد الوطني للجمعيات الوطنية (UNAF) في فرنسا، أنّ الآباء في العصر الحاضر أكثر قرباً من أبنائهم من الآباء في الزمن الماضي، وأنهم أصبحوا في مستوى المسؤولية أكثر من أي وقت مضى.

وفي دراسة للمركز نفسه بعنوان "أن تكون أباً اليوم"، نشرت في شهر يونيو من السنة الماضية، ذكر نصف الرجال المستجوبين أنهم يتعاملون بشكل مختلف مع أبنائهم مما كان آباؤهم يتعاملون معهم. ينصتون لهم، يتحاورون معهم، كما أصبح الآباء أكثر تأثيراً في أبنائهم.

وفي كتابه "الكتاب الكبير للآباء الجدد"، يذكر المؤلف إيرك سابان كيف أنّ آباء اليوم ليسوا كآباء الأمس. فقد أصبح آباء اليوم يعاملون أبناءهم كمعاملة الدجاجة لصغارها، أو كما سمّاهم هو: (Papas Poules Les)، في إشارة إلى القرب والحنان وإبداء مزيد من الاهتمام.

وإذا كان الكتاب يجيب عن أكثر من مائة سؤال حول كيفية تصرف الآباء إذا صادفتهم مشكلات عملية مع أبنائهم، فإنه يظهر من خلال استجوابات مباشرة كيف أصبح آباء اليوم مستعدين لحمل أبنائهم كما ظلت الأُمّهات يفعلن لعصور مديدة. كما أنهم يغيرون الحفاظات، ويصطحبون أبناءهم إلى الطبيب أو إلى رياض الأطفال.

 

- الأسباب:

في الظواهر الاجتماعية مثل هذه يصعب تحديد أسباب تغير أنماط العلاقات الأسرية، وتبادل الأدوار بين آباء الأمس وآباء اليوم؛ ولكن يمكن الإشارة إلى بعض من هذه العوامل التي قد تجتمع في بيئة معيّنة، وقد تفترق في أخرى.

فمما يمكن تسجيله في هذا الصدد:

- انتشار الوعي بثقافة الحقوق والواجبات بين آباء اليوم مقارنة بآباء الأمس.

- التخفف من ثقل الأعراف والتقاليد السلبية التي تنظر إلى مشاركة الأب في العناية بالطفل على أنها نوع من الدونية والخضوع لسلطة المرأة.

- خروج المرأة للعمل ساهم في الدفع بالأب إلى اقتحام عالم الأطفال غذاء وكساء وعناية من شتى الجوانب.

- كما ساهم الإعلام أيضاً في تغيير الصورة النمطية للرجل الذي لا يهتم إلّا بالشؤون المادية للبيت، بينما تهتم المرأة بالشؤون الأخرى بمفردها بعدما أصبحت المجتمعات العربية ترى الإنسان الغربي يحمل ابنه على صدره ويطعمه ويلبسه.. وهي داخلة في النظرية الخلدونية الشهيرة التي ترى أنّ المغلوب مولع بتقليد الغالب.

- الحاجة إلى إشباع غريزة الأبوة، فالأب أيضاً بفطرته يميل إلى الاهتمام بأبنائه والعناية بهم والخروج معهم واغتنام أوقات فراغه وعطله للتقرب إليهم وإشعارهم بوجوده، وأنه لا يألو جهداً في الإحسان إليهم والبرّ بهم.

 

- الأب السلطوي:

لقد سادت في الأجيال الماضية صورة الأب السلطوي الذي يهيمن على مجريات الأمور وأحداث المنزل، حيث كانت كلّ حركة أو سكون لا يمر إلّا بأمره وعلى يديه. وقد ساهمت عدّة عوامل ذكرنا بعضها في تغير هذا النمط من السلوك.

وإذا كان أغلب الناس كما في بعض الاستطلاعات – أكثر من 56 في المائة – لا يزالون يرون أنّ دور الرجل ثانوي بالمقارنة مع دور المرأة في تربية الأبناء، فإنّ الواقع يظهر بما لا يدع مجالاً للشك أنّ هذه الأدوار بدأت تختلف شيئاً فشيئاً، وأنّ آباء اليوم أصبحوا أكثر انخراطاً في عالم الطفولة، وأنهم أصبحوا يزاوجون – وإن بنسب مختلفة – بين عملهم وهواياتهم خارج البيت وتخصيص جزء من أوقاتهم لأطفالهم داخل البيت بمشاطرة الأُمّهات الأعباء والأفراح ومتعة القترب والدنو من فلذات الأكباد.

 

* محمد شعطيط (كاتب من المغرب)

* المصدر: مجلة العربي العدد 700 لسنة 2017م

 

ارسال التعليق

Top