• ٣٠ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٤ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

أرجاء القلب

نيروز مالك

أرجاء القلب
رحلة غريبة.. لكن.. كيف، وإلى متى سأسير، وأدفن في ركضي أعزاء لي، واحداً تلو الآخر.. (كيفورك تميزيان) بقلق واضطراب يصعد الطلعة، يحاول أن يبطئ في سيره، ويؤخر خطوه ما أمكنه من التأخير وهو يتساءل عن علاقة الموت بالحياة والولادة.. كان يطرح التساؤلات على نفسه، ولكنّه لا يجبرها على الإجابة، يتركها من دون جواب كأن الأمر لا يعنيه.. أما عندما كان يصل إلى نهاية الطلعة، فكان يشعر بدقّ قويّ ومضطرب في صدره.. يستمرّ في خطوة حتى يقف أمام المبنى الذي في نهاية الطلعة، يحاول أن يسترخي وهو ينظر إلى مدخل المبنى.. فيزفر ما في رئتيه، ثم يتقدّم إلى الأمام. يصعد درجة واحدة.. يتقدّم من جديد.. وفي تقدّمه هذا يهدأ الاضطراب في صدره، وكأنّ قلبه قد غادر تجويفه، أصبح مكانه فارغاً، مجرّد حفرة لا غير.. أرخى ربطة عنقه قبل أن يدفع الباب إلى الدخل.. كانت أضواء شاحبة تتسلّل إلى الخارج مع بعض الموسيقى، وأحاديث هادئة.. إنَّهم المرضى ومرافقوهم.. أغلق الباب وراءه.. كانت العيادة فارغة، فوجئ! لا أحد فيها، لم يصدّق ما يرى، جميع الأضواء مضاءة. أيعقل؟ والتلفاز يبثّ أخبار الثامنة والنصف المسائية.. أدار نظره في صالة الانتظار الواسعة. غريب! لقد سمع قبل دخوله إلى العيادة، وهو على الباب، سمع بعض الأصوات والحوارات والأحاديث.. ماذا؟ هل خُيِّل له ذلك؟ أدار وجهه في الصالة، حتى الممرضة غير موجودة.. عليه أن يجلس.. عليه أن ينتظر الممرضة، ربَّما صرفت المرضى لأنَّ الطبيب سيتأخر، وربما لن يأتي.. أو أتى، ولكن هاتفاً من المشفى قد استدعاه لأمر طارئ، لهذا صرفت الممرضة مرضاها، أو أنَّهم ملّوا من الانتظار فانصرفوا.. موسيقى هادئة تنبعث من جميع الجهات. تتسلّل إلى داخل النفس.. شعر برغبة في إغماض عينيه، فعل.. حطت رقاقة شفافة من الرماد على عينيه، كأنَّه ينتقل ما بين طيات من الحرير الأسود الشفاف، وبعض اللوحات المعلقة على جدران صالة الانتظار تلقي بألوانها على وجهه.. شدَّ على عينية، إلا أنّ الأضواء تتألق وتوضح طيّات الحرير الأسود وثنياته.. فتح عينيه.. كان التلفاز يعرض المسلسل اليومي أصابة شيء من القلق.. ماذا؟ هل غفوت؟ كانت الصالة ما تزال فارغة، لا أحد فيها، حتى الممرضة لم تظهر بعد.. ربّما هي في غرفة الكشف مع الطبيب يعاينان مريضاً ما.. أهمل الجواب في نفسه، استرخى وأدار نظره في عقارب الساعة.. غريب! إنَّها تشير إلى التاسعة والنصف.. شعر بقلق.. اضطر إلى القيام عن الكرسي والتجوّل بحذر في صالة الانتظار، يحاول أن يكشف عن سرّ فراغ العيادة من المرضى والممرّضة.. كان الممرّ المؤدّي إلى غرفة الكشف خالياً.. تقدّم ببطء إلى الباب. وقف أمامه، حاول استراق السمع.. خاف من أن يكون هناك مريض ما لدى الطبيب.. إلا أنه لم يسمع ما يشير إلى ذلك. مدَّ يده إلى مقبض الباب، أداره، ثم دفعه إلى الداخل.. انفتح الباب على غرفة خالية، لا أحد فيها.. دخل بخطوة حذرة، مترددة.. نده بصوت خافت معلناً عن قدومه وطالباً، إن كان هناك أحد ما أن يخبره بذلك.. إلا أن أحداً لم يرد.. كانت غرفة الطبيب فارغة.. مكتبة رصّت على رفوفها كتب تتعلق بأمراض القلب والشرايين والأعصاب.. أمّا طاولة الطبيب فكانت على حالها.. لا شيء يشير إلى أنَّ تغييراً ما قد حدث، أو تمّ منذ زيارته الأخيرة.. كان الكرسي ذو المسند الظهري العالمي وحده خالياً.. بينما الموسيقى الهادئة تنساب لتملأ أرجاء الغرفة.. ظلَّ يدير رأسه فيما حوله. هناك صورة أو لوحة مرسومة لبيت طيني من بيوت إحدى القرى، على ما يبدو، إنّه بيت الطبيب الذي ولد فيه منذ خمس وخمسين سنة، وإلا ما معنى أن يعلق لوحة كهذه في غرفته؟ كما أنَّه لاحظ "بروفيلاً جسياً" لوجه رجل شيخ، به ملامح الطبيب.. أما الكراسي البرتقالية المساند فكانت ساكنة، تعيش وحدتها.. شعر كأنَّها تنكمش على نفسها لأمر ما، بدا غامضاً.. ابتسم.. ولكن! أيمكن؟ قام على مهل.. تقدّم خطوة وأخرى. وقف أمام غرفة الكشف الثانية، شعر بشيء من الارتباك.. ماذا سيقول لو وجد الطبيب يعاين مريضاً أو مريضة؟ هل يخبره أن لا أحد في صالة الانتظار؟ هل يخبره أنَّ الممرضة غير موجودة في الصالة؟ وأنَّه.. دخل إلى غرفة الطبيب ونادى عليه، إلا أنَّ أحداً لم يرد؟ أيمكن للطبيب أن يصدق مثل هذا الكلام؟ ظلت الموسيقى هي الوحيدة التي تنبعث من المسجلة وتتوزع عبر الغرف.. إنَّها الفصول الأربعة لفيفالدي.. وخطا خطوته التالية، أصبح في باب غرفة الكشف الثانية.. لا أحد فيها أيضاً.. كان جهاز تخطيط القلب ساكناً، وسرير الكشف أبيض اللون لا يتمدّد أحد فوقه.. كما أنّ آلة قياس الجهد كانت بدورها ساكنة، وجهاز التصوير "الإيكو" خامد لا حياة فيه.. شعر لوهلة كأن "الإيكو" حزين.. نفض رأسه غير مصدق ما رأى، والأضواء تملأ الغرفة وتعشش في الأركان والزوايا.. لم يصدّق ما يرى. لا بدّ أن يكون في الأمر سرّ ما! أين ذهب الطبيب؟ وأين ذهبت الممرضة؟ والمرضى أين ذهبوا؟ ليس من عادتهم أن يذهبوا، أو أن يذهب الأخير منهم قبل الثانية عشرة ليلاً؟ والآن؟. سأل نفسه.. ماذا عليه أن يفعل؟ هل يعود لينتظر الطبيب في غرفته، أم في صالة الانتظار؟ لم يحسم الأمر في نفسه، ولكنه تراجع بتردّد.. وقف أمام الكرسي الذي اعتاد أن يجلس عليه بقرب طاولة الطبيب كعادتهما يتحدثان، يثرثران، يتناقشان.. إلا أنه تابع انسحابه من الغرفة.. فتح الباب وعبر الممر.. ولكنَّه، قبل أن يخطو خطوته التالية توقف والتفت باتجاه "الحمام" ربما.. يكون.. أو.. كلا.. لا يمكن.. تابع خطوه باتجاه صالة الانتظار وهو على يقين أنه سيجد أمامه، وراء الطاولة، الممرضة.. كما أنه سيجد المرضى يملؤون الصالة.. لا شك ستنظر إليه الممرضة باستغراب، ما تلبث أن تضحك وتسأله: أراك خارجاً من عند الطبيب؟ ثم تتابع: ولكن أخبرني متى دخلت إليه؟ لم أرك.. يضحك لها ويقول مازحاً: لقد استغليت فرصة عدم وجودك فتسللت إلى الطبيب.. دفع الباب أمامه.. انفتح على صالة الانتظار.. كلّ شيء على حاله، كان يتوقع أن يرى ما يراه، رغم أنَّه في دخيلة نفسه يظن غير ذلك.. كان يأمل أن يجد الممرضة قابعة وراء طاولتها، تسجل في دفتر المواعيد أو ترد على الهاتف.. كما أنَّه كان يأمل أن يرى المرضى وكلّ واحد منهم يجلس منتظراً دوره.. هذه الصورة التي رآها فيما مضى من الأيام، في أثناء زياراته للعيادة اختلفت اليوم، لم يتوقعها أبداً.. لا يصدّق ما يرى! أيمكن أن تكون العيادة خالية من المرضى، وأيضاً من الممرضة؟ وباستغراب أشدّ، لا بل حتى من الطبيب بالذات! أمر لا يصدق! تقدّم إلى الأمام.. كانت الموسيقى وحدها تنبعث في صالة الانتظار، وقف وتملى ما حوله.. فراغ.. مجرد ديكور لعيادة.. وهو ديكور جميل، يدل على أنّ الطبيب صاحب ذوق رفيع.. وهذه الموسيقى تؤكّد ذلك أيضاً.. والآن.. هل يخرج من العيادة ويعود إليها مرة أخرى بعد ساعة من الزمن مثلاً؟ أو يأتيها في يوم غد؟ لم يصل إلى قرار أو رأي.. ظلَّ الانتظار.. متردداً، حائراً.. يقدم رجلاً ويؤخر أخرى كما يقولون.. ولكن الأمر الذي ظل يشغله.. أمر الفراغ والغياب في العيادة.. ولكي يشغل نفسه عن الجواب، اتجه إلى الميزان القابع على الأرض بجانب طاولة الممرضة.. أراد أن يقيس وزنه، فهو لم يقسه منذ أكثر من ثلاثة أشهر.. وقف فوق الميزان فدارت إبرته حتى استقرت على رقم/ 72 كغم/ وقليلاً من الغرامات الأخرى التي لم تتعد المئة.. ما زال وزنه كما هو.. ولكن عليه أن يخفضه قليلاً.. يجب أن يبقيه دون السبعين، فهو الوزن المناسب لطوله.. نزل عن الميزان، أراد أن يجلس قليلاً، أن ينتظر، وبخاصة أن الساعة لم تتجاوز العاشرة، إنَّّها تشير إلى العاشرة إلا ربعاً.. أي ما زال الوقت باكراً لإغلاق العيادة.. هذا يعني ربما الطبيب يأتي في أية لحظة، أو تدخل الممرضة في أية ثانية، فليس من عادتها الغياب عن العيادة.. ..ولكن الفراغ والغياب هما اللذان أقلقاه.. ماذا سيفعل إن جلس وانتظر؟ لا شيء. ولكن، على ما يبدو، هناك أمر غير طبيعي دفع بالمرضى إلى هذا الغياب، ودفع بالممرضة والطبيب إلى عدم الحضور إلى العيادة.. أما ما هو هذا الأمر فلا يعرف.. إذاً عليه الذهاب.. عليه الخروج من العيادة وليعد إليها غداً، في الغد سيسأل الطبيب.. نعم سيسأله عن أسباب رحيل المرضى وغيابه وغياب الممرضة.. نعم عليه الآن الخروج من العيادة.. سيسلك طريقه بهدوء إلى المقهى، وهناك سيتناول فنجان قهوة مع صحبه.. وخطا باتجاه الباب.. خطا متردداً، ولكنه استمر في خطوه، لا يدري لماذا؟ عندما وصل إلى الباب، شعر كأنَّه قطع مسافة طويلة للوصول إليه، أو أنَّ المسافة التي قطعها استغرقت زمناً أطول مما هو معتاد.. شعور غامض.. ولكن هذا ما أحسّ به.. كان الباب مغلقاً.. مدَّ يده إليه، أمسك قبضته العريضة، شده بهدوء.. إلا أنَّ الباب لم ينفتح.. استغرب! ماذا؟ شدّة مرة أخرى، لم ينفتح أيضاً.. تقدم من الباب خطوة حتى أصبح بلصقه، عالجه شداً ودفعاً.. إلا أنَّ الباب كان مغلقاً بإحكام. كأنَّه مقفول بأكثر من قفل.. غريب! الباب لا يتحرك.. رغم أنَّه يشده بكلتا يديه، وبكل قوته التي وهبها الله تعالى له.. ظلَّ الباب مغلقاً بإحكام.. تلفّت حوله وهو يتساءل: ماذا؟ هل أغلقت الممرّضة الباب في لحظة دخوله غرفة الطبيب وتجواله ما بين غرف الكشف يا ترى؟ لا يعرف.. ولكنه لم ير الممرضة، ولم يسمع صوتها، أو حتى صوت قدميها على أرضية العيادة.. لقد دخل إلى العيادة وهي فارغة، فارغة من المرضى والممرضة والطبيب.. إذاً من أغلق الباب عليه؟ وقف حائراً وشيء من الخوف والقلق ولحظات عابرة من الاضطراب راحت تجول في صدره وقلبه وعقله.. وقبل أن يترك مقبض الباب، بعد أن شدَّة لآخر مرَّة، راحت الأضواء تنطفئ واحداً بعد الآخر، وتتلاشى موسيقى فيفالدي فصلاً وراء فصل.. مالبثت أن حلت العتمة وساد الصمت..   *أديب وقاص من سورية

ارسال التعليق

Top