• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مركز نون للترجمة والتأليف

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الحضارة الحقيقية:

قد يظن الكثيرون أنّ القلاع والحصون والصور والتماثيل وغير ذلك من الآثار هي عنوان حضارة أي أمة من الأُمم فتغدو أعمدة القلاع أعمدة حضارة أي أمة من الأمم. نعم ربما نجد علاقة ما بين كلّ ما سلف والحضارة.

إلا أنّ الأهم من الأعمدة الحجرية واللوحات الفسيفسائية وغيرها هو تلك العوامل التي تمنح الأمم بقاءها وديمومتها بما يحفظها من التلاشي والإندثار.

وقد اعتبر القرآن الكريم أنّه كما للأفراد آجال وحياة موت كذلك للأمم حياة وأجل وموت.

قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف/ 34) ولقد أرشد الإسلام أتباعه إلى أسباب انحطاط الحضارات الغابرة وموت الأمم، وقدم للمسلمين حلاً يشكل إكسير الحياة لأمّة المسلمين بما يضمن بقاءها وخلودها من جهة، ويمنع عنها المصير الذي آلت إليه الأمم السابقة.

فأحد أهم الأسباب لإنحطاط الأمم السابقة كان إهمال صلحائها لمهمة ووظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ...) (هود/ 116)، وكان هذا البيان لأجل دعوة المسلمين لاستمرار قيامهم بالواجب الذي يمنع عنهم السقوط ويكون سبباً لبقاء واستمرار عزتهم وحضارتهم وبقائهم في صدارة الأمم، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ...) (آل عمران، 110).

وبالتالي فبنيان الحضارة الإسلامية الشاهق والمنيع لا يقوم ولا يرتكز على الأعمدة العالية ولا على القصور الفارهة للمستبدين والجبابرة، بل يقوم على أكتاف المؤمنين إذا تحملوا مسؤولية حماية ورعاية ونشر القيم الإلهية.

ولذلك فإن وظيفة كلّ مؤمن هي التصدي لإجتثاث مادة المنكر بالقيام بما يدفع الناس لترك ارتكاب المنكرات، والعزم على أداء هذه الفريضة الإلهية وإلا فالنتيجة ستكون الذل والهوان.

عن رسول الله (ص): "لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم".

وبالنتيجة فإن صناعة الحضارة وحفظها وإدامة عزّ الأُمّة الإسلامية تتلخص بحراسة ونشر القيم التي جاء بها الإسلام، والوسيلة الأساس لذلك هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولذلك نرى المولى الكريم قد أشار إلى طبيعة العلاقة بين المؤمنين في المجتمع الإسلامي قائلاً: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 71)، ما أحسنها من آية تشير مباشرة إلى العلاقة بين الإيمان الفردي والإيمان الجماعي في مجتمع المؤمنين وتربط بينهما برابط السببية والعلية.

فما يترتب على الإيمان الحقيقي هو علاقة المودة والاهتمام بالمصير المشترك، وهذا بدوره يترتب عليه القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إذ كيف يحب المؤمن أخاه المؤمن ويكون له ناصراً وولياً إذا لم يهتم بمصيره الأخروي كما الدنيوي، وكيف يكون مهتماً بمصيره الأخروي والدنيوي ما لم يقم بوظيفة إرشاده إلى الخير والصلاح وتنبيهه وتحذيره من الشر والضلال؟

ولذا ففي آخر الآية ذكر تعالى القيام بالواجبات ذات الطابع العبادي أو الاقتصادي، إذ بواسطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمكن القيام بوظائف العبودية لله تعالى "يقيمون الصلاة" وكذلك يمكن القيام بالواجبات الاجتماعية كإعانة الفقراء من خلال أداء الزكاة "ويؤتون الزكاة" وكذلك القيام بأداء التكاليف السياسية وما هو أعم منها من خلال أداء حق الطاعة لأولي الأمر "ويطيعون الله ورسوله".

 

مظاهر أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

1-    وظيفة الأنبياء والأولياء:

في إطلالة بسيطة على تاريخ البشرية نستطيع أن ندرك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانا مرافقين لمسيرة الإنسان ابتداءً من آدم أبي البشرية إلى أبنائه من الأنبياء والصالحين.

ولا نبالغ إذا قلنا إنّ جميع الحركات الإصلاحية والتغييرات البناءة في المجتمع البشري إنما تحققت بفضل قيام هؤلاء الصالحين والمصلحين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما تلفت إليه آيات القرآن الكريم.

وقد كانت هذه الجهود متواصلة ولم تتوقف حتى آل الأمر إلى أعظم مخلوق وهو النبيّ محمّد (ص) فبظهوره قطفت ثمار تلك الجهود التي بذلها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل الصالحين.

2-    القرآن الكريم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

لقد بيّن القرآن الكريم بتعابير مختلفة أهمية وعظمة هاتين الفريضتين وإليك إحدى آياته حولهما.

قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران/ 110)، فقد علق القرآن خيرية الأُمّة الإسلامية بمعنى كونها خير الأُمم وأفضلها، على قيامها بفريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إضافة إلى الإيمان بالله.

وما يلفت في الآية هو تقديمها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان، وذلك لأنهما الضمانة لتوسيع دائرة الإيمان بين البشر ولو تركا فسيؤدي ذلك إلى ضمور ساحة الإيمان وضعف تأثير الدين في نفوس الآدميين.

هذا إضافة إلى ما ذكرناه من الفقرة الأولى حول آية (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض...).

3-    أهميتهما في الفقه الإسلامي:

إنّ موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد أولي عناية كبيرة وأعطي مكاناً عالياً في الكتب الفقهية الإسلامية، وقد فاقت مكانته الكثير من المواضيع والواجبات الأخرى حتى أفرد فقهاء المسلمين لهما باباً أساسياً في الكتب الفقهية التي تتحدث عن العبادات والمعاملات واعتبروا وجوبه من ضروريات الدين بحيث يعتبر منكره مع التفاته إلى تعلق إرادة المولى سبحانه وتعالى به كافراً.

كما ويظهر اهتمام الفقهاء بهذه الفريضة أنهم أقاموا أدلتهم على وجوبه وأحكامه من الأدلة الأربعة وهي الكتاب والسنّة والإجماع والعقل.

4-    أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من السنّة:

إنّ الأحاديث الصادرة من الرسول (ص) وأهل بيت العصمة (عليهم السلام) إضافة إلى جهودهم التي كانت تتوج بالشهادة، هي التي استطاعت تعريف الناس على حقائق الإسلام وتشريعاته وأن تبث قيمه وتصونها وتبقيها حية. وإضافة إلى ذلك فقد شكلت تراثاً علمياً وعملياً أنتج مجموعة من الفقهاء الواعين وخلال عصور مختلفة استندوا إلى ذلك التراث في فهم الدين وافهامه للناس، وقاموا بواجب الدفاع عن الإسلام وتعاليمه وعملوا على المساهمة في نشرها.

وإذا أردنا أن نعود إلى هذا التراث الضخم فسنطيل المكوث ولذا فسنقتصر على بعض ما ورد عنهم (ع) ومن هذا المعين إليك بعض هذه الروايات.

عن رسول الله (ص): "مَن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه".

وهذه الرواية تبين أنّ هذه الفريضة من الأسس الإلهية المرتبطة بالله ورسوله وكتابه.

وعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع): "وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي".

فالرواية اعتبرت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل وأهم من جميع الأعمال حتى الجهاد، وذلك لدورها في القيام بهذه الواجبات واستدامة القيامة بها.

على أنّ الجهاد مثلاً هو محاربة للفساد الآتي من الخارج إلى الأُمّة مجتمعاً وأفراداً، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما حركة مجابهة للفساد الداخلي يعملان على صيانة الأُمّة من السقوط من الداخل فيما لو انحرفت عن القيم والمبادئ والأخلاق وغيرها.

ويقول الإمام الصادق (ع): "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقان من خلق الله فمن نصرهما أعزه الله ومن خذلهما خذله الله".

وهذه الرواية وما سبقها والكثير غيرها مما يطول ذكره، إضافة إلى كونها تبين عظمة وأهمية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي تشكل باعثاً وداعياً ومشجعاً يرغب الإنسان بالقيام بهذه الفريضة.

5-    أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشريعة:

يقول أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب (ع): "قوام الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

بناءً على هذه الرواية، فإن كلّ حكم من أحكام الشريعة واجباً  كان أو حراماً، مستحباً أو مكروهاً أو مباحاً، يرتبط بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ارتباطاً مباشراً حيث تكون هذه الفريضة وسيلة ثبات الأحكام وبقائها وديمومتها. وتشكل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدم الذي يجري في عروق جسم الأحكام الإلهية لضمان حياتها وبقائها، وبالتالي حياة وبقاء الأُمّة الإسلامية ودوام سموها ورفعتها وسؤددها.

ولعل أبرز مظاهر أهمية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتضح من خلال علاقة هذه الفريضة مع باقي التكاليف الإلهية الأخرى، ففي رواية عن الإمام الباقر (ع): "... إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض" فليست هذه الفريضة قوام الشريعة فقط بل هي أيضاً وسيلة إقامة الواجبات وانفاذها في حياة الأفراد والمجتمعات، وبالتالي فحياة الشريعة ونمو ساحة الممتثلين لأحكامها، واتساع رقعة المتبنين لعقائدها والحاملين لمفاهيمها، ونمو عدد الناظمين لعلاقاتهم على ضوء قوانينها، متوقف على القيام بأداء هذه الفريضة المقدسة حيث إنّ حياة الدين منوطة بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

المصدر: كتاب حياة المجتمع/ سلسلة الدروس الثقافية (15)

ارسال التعليق

Top