• ٢٥ تموز/يوليو ٢٠٢١ | ١٥ ذو الحجة ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الإسلام وكرامة الفرد

د. محمّد عبد الله

الإسلام وكرامة الفرد

◄هل عرف الناس قيمتهم الشخصية في نظر الإسلام؟. هل عرف الفرد الإنساني ما له في دستور الإسلام من منزلٍ عزيز كريم؟.

إنّ الكرامة التي يقررها الإسلام للشخصية الإنسانية ليست كرامةً مفردة، ولكنها كرامة مثلثة: كرامة هي عصمة وحماية. وكرامة هي عزّة وسيادة. وكرامة هي استحقاق وجدارة:

كرامة يشتقُّها الإنسان من طبيعته: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء/ 70)، وكرامة تتغذى من عقيدته: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون/ 8)، وكرامة يستوجبها بعمله وسيرته: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (الأنعام/ 132)، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) (هود/ 3).

أوسع هذه الكرامات وأعَمُها وأقدمُها وأدومها – تلك الكرامة الأولى التي ينالها الفرد منذ ولادته، بل منذ تكوينه جنيناً في بطن أُمّه، كرامة لم يؤد لها ثمناً مادياً ولا معنوياً، ولكنها منحة السماء التي منحته فطرته والتي جعلت كرامته وإنسانيته صنفين مقترنين في شريعة الإسلام.

ما حقيقة تلك الكرامة؟

إنّها قبل كلّ شيء سياج من الصيانة والحصانة. هي ظل ظليل ينشره قانون الإسلام على كلّ فرد من البشر، ذكراً أو أُنثى، أبيضاً أو أسوداً. ضعيفاً أو قوياً، فقيراً أو غنياً، من أيّة ملة أو نحلة فرضت. ظل ظليل. ينشره قانون الإسلام على كلّ فرد يصون به دمه أن يُسفك وعرضه أن ينتهك. وماله أن يُغتصب، ومسكنه أن يقتحم، ونسبه أن يبدل، ووطنه أن يُخرج منه أو يُزاحم عليه، وضميره أن يتحكم فيه قسراً، أو تعطل حريته خداعاً ومكراً.

كلّ إنسان له في الإسلام قدسية الإنسان، له فيه حمىً محمياً، وحرماً محرماً، ولا يزال كذلك حتى ينتهك هو حُرمة نفسه، وينزع بيده هذا الستر المضروب عليه؛ بارتكاب جريمة ترفع عنه جانباً من تلك الحصانة وهو بعد ذلك بريء حتى تثبت جريمته، وهو بعد ثبوت جريمته لا يفقد حماية القانون كلّها، لأنّ جنايته سَتُقدَر بِقَدرها ولأنّ عقوبته لن تجاوز حدها، فإن نزعت عنه الحجاب الذي مزّقه هو فلن تنزع عنه الحُجُب الأخرى.

بهذه الكرامة يحمي الإسلام أعداءه. كما يحمي أبناءه وأولياءه، إنّه يحمي أعداءه في حياتهم. ويحميهم بعد موتهم؛ يحميهم في حياتهم إذ حرّم قتالهم بدءاً بالعدوان، ويحميهم في ميدان القتال نفسه، إذ يؤمنهم من النهب والسلب والغدر والاغتيال. ثمّ يحميهم بعد موتهم إذ يُحرّم قتالهم بدءاً بالعدوان، ويحميهم في ميدان القتال نفسه، إذ يؤمنهم من النهب والسلب والغدر والاغتيال. ثمّ يحميهم بعد موتهم إذ يُحرّم أجسادهم على كلّ تشويه أو تمثيل، ولِمَ لا؟ أليسوا أُناساً؟ فلهم إذن كرامة الإنسان.

هذه الكرامة التي كرّم بها الإنسانية في كلّ فرد من أفرادها. هذه الكرامة التي جعلها الإسلام دِرعاً واقية يُدرَأ بها عن الإنسانية نزوات الطغاة والجبارين. هل أشعر الإسلام بها الضعفاء والمستضعفين؟.

إنّ الكرامة نفسها شيء والشعور بها شيء ثانٍ، والشعور الحاد القوي شيء ثالث. حسن جميل أن تقرر الحقّ لأربابه، وتوضح لهم معالمه ولكن أحسن وأجمل أن تمهد لهم طريق حمايته، وأن تجعل صورته في نفوسهم شُعلة متقدة تدفعهم للذَبِ عنه والاعتزاز به. فهل صنع الإسلام شيئاً لكي يغرس هذا الشعور الأبيّ في نفوس الأفراد ويوقد ناره في قلوبهم؟.

نعم، إنّ الإسلام لم يكتف بأن عرّف كلّ فرد حقّه نظرياً في هذه الحصانة الإنسانية، ولكنّه أخذ يهيب به أن يدافع عن هذا الحقّ، وطَفِقَ يحرّضه أشد التحريض على أن يقاتل دونه وأن يضحي بنفسه في سبيله. ألا فلتسمع صوت نبيّ الإسلام (ص): "من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دَمِه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون أهله فهو شهيد، ومَن قُتِل دون مَظلمَتِه فهو شهيد".

هل سمعت أقوى من هذا إلهاباً وتحريضاً؟ بل لنستمع إلى كتاب الإسلام حين ينعي على المستضعفين إخلادهم إلى الذل طمعاً في السلام ورضاءهم بالهوان خوفاً من فراق الأوطان: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء/ 97)، هل سمعت أشد من هذا وعيداً وتهديداً؟

قلنا: إنّ الكرامة الإنسانية – قبل كلّ شيء – سياج من الحرمة والعِصمة والصيانة والحَصانة، تعصم صاحبها من أن يهون على الناس ويضيعوا حقّاً من حقوقه، أو ينتهكوا حرمةً من حرماته.. ذلك هو جانبها السلبي الخارجي الدفاعي.. أما في حقيقتها الإيجابية الانبعاثية، فإنّها تاج من الشرف والنبل، يتقاضى صاحبه أن ينظر إلى نفسه نظرة احترام وتكريم، نظرة يعرف بها أنّ مكانته في هذا العالم كأنّه السيد لا المسود لا أعني سيادة الإنسان على الإنسان، فالناس في نظر الإسلام كلّهم إخوة كلّهم سيد في نفسه لا سيادة لأحد على غيره، ولا سيادة لغيره عليه، وإنّما هي من جهة سيادة عالمية؛ يسيطر بها المرءُ على مختلف الأشياء في البَرِ والبحر والهواء. ألم يُسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً، ولم يسخر هو لشيء منها؟

ثمّ هي من جهة أُخرى سيادة ذاتية، لكلّ فرد فيما بينه وبين الناس سيادة تُسوي رأسه برؤوسهم ومنكبه بمناكبهم. ومن هذه السيادة المزدوجة تتألف المرتبة الثانية من الكرامة الإنسانية. كرامة الحرية والعزة التي تأبى لصاحبها أن يهون على نفسه، وأن يذل لمخلوق غيره كائناً من كان.

هذه المرتبة من الكرامة هي كسابقتها منحة طبيعية عامة تولد مع الإنسان، غير أنّه لا يشعر بها على تمامها ولا يقدرها حقّ قدرها، إلّا المؤمن الموحد الذي لا يعرف السجود لحجر ولا لشجر ولا لشمس ولا لقمر ولا لملك ولا لبشر، وهكذا يضم كرامة الإيمان إلى كرامة الإنسان: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون/ 8).

وأخيراً نرتفع من مستوى الطبيعة ومن مستوى العقيدة إلى مستوى السلوك والسيرة، فنلتقي بمرتبة ثالثة من الكرامة ينشأها المرءُ إنشاءاً، ويكتسبها اكتساباً بما يختطه لنفسه من نهجٍ حميد، وما يحققه بجده وجهده من أهداف رفيعة مسترشداً بأمر ربه وهُداه، محاذراً من خدع شيطانه وهواه، تلك هي كرامة العمل الصالح المصلح، وأنّها لعلى درجات متفاوتة تسير طرداً وعكساً على نسبة الإتقان والإخلاص في العمل: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13).

اللّهمّ كما رزقتنا كرامة الإنسان وكرامة الإيمان، فارزقنا كرامة الإحسان. اللّهمّ آمين... آمين.►ج

 

المصدر: كتاب كتاب زاد المسلم للدين والحياة

ارسال التعليق

Top