• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

الجامعة وتحديات المستقبل

د. أحميد فرج الصغير

الجامعة وتحديات المستقبل
الملخص:
يحاول الباحث في هذا الموضوع البحثي أن يلقي الضوء ويناقش بإيجاز النقاط الرئيسية التي تدخل في إطار الجامعة وتحديات المستقبل، وهذه النقاط يمكن إجمالها في الآتي:
1-    مفهوم الجامعة.
2-    وظائف الجامعة.
3-    التحديات.
4-    دور الجامعة المنتظر.
 
1- مفهوم الجامعة:
إنّ كلمة جامعة بمنظور لغوي هي كلمة مشتقة من الفعل (جمع) وجاء في لسان العرب جمع: بمعنى جمع الشيء عن تفرقة يجمعه جمعاً... وقدر جماع وجامعة عظيمة، وقيل: هي التي تجمع الجزور؛ قال الكسائي: أكبر البرام الجماع ثمّ التي تليها المئكلة ويقال: فلان جماع لبني فلان إذا كانوا يأوون إلى راية وسؤددة كما يقال مرب لهم[1].
ومن هذا المفهوم اللغوي جاء لفظ الجامعة وهي مؤسسة تضم في قاعاتها أشخاصاً تختلف اتجاهاتهم فتعمل على التأليف بينهم برباط من الأهداف المشتركة والتطلعات المشتركة وتروي عطشهم بما تقدمه لهم من العلوم والمعارف.
وهذه مؤسسة من مؤسسات المجتمع عرفت تطورات عدة في تسميتها عبر العصور، "فسميت بمدرسة أمراء طيبة في مصر القديمة، أو الكلوكيوم في العصر الروماني، أو الدير مع نشأة المسيحية، أو حلقات الدرس في المسجد الجامع، أو دار الحكمة في العصر الأموي والعباسي، أو بالجامع الأزهر وجامع الزيتونة في فترة العصور الوسطى الإسلامية، أو بنقابات المتعلمين التي تأسست في باريس وبولونيا وأكسفورد وكمبردج في العصور الوسطى المسيحية، وظل المجتمع الإنساني حريصاً على قيام تلك المؤسسة... حتى استقرت تسمية هذه المؤسسة بالجامعة في العصور الحديثة"[2].
وعرفت هذه المؤسسة عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة بأداء رسالة متميزة في مجالات المعرفة والفكر وفق احتياجات المجتمع وثقافته.
 
2- وظائف الجامعة:
مع تعقد الحضارات الإنسانية وتشعبها أصبح التعليم الجامعي يتحمل مسؤولية بناء الإنسان الذي يمثل القوة الدافعة لعملية تطور المجتمع ولهذا انصب اهتمام الجامعات على تنمية القدرات البشرية التي يحتاجها المجتمع في مختلف القطاعات. فالإنسان هو محور التنمية وهدفها، والتعليم بجميع مراحله له تأثيره الإيجابي وهو بوابة التقدم للمجتمع ويعول على التعليم الجامعي في إحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال وظائفه التي أكدت عليها كثير من الدراسات والتي حددتها في ثلاث وظائف هي[3]:
وظيفة التدريس، ووظيفة البحث العلمي، ووظيفة خدمة المجتمع.
أ- وظيفة التدريس:
تعد وظيفة التدريس هامة لكل المراحل التعليمية ومنها الجامعة فهي الوظيفة التي يتم بواسطتها توصيل المعرفة ونقل التراث الثقافي للمجتمع واطلاع المتعلمين على كل جديد وتنمية استعداداتهم وقدراتهم العقلية والروحية والنفسية والوجدانية والاجتماعية، وتعتبر هذه الوظيفة مهمة في بناء شخصية الطالب الجامعي بكل أبعادها وهذا ما جعل فردريك هاربسون (1973) يؤكد على أهمية تنمية الموارد البشرية بقوله:
"إنّ الدولة التي لا تستطيع أن تنمي القدرات والمعارف لدى شعبها وأن تستخدم هذه القدرات والمعارف بشكل فعال لخدمة الاقتصاد القومي، إنّ مثل هذه الدولة لن تستطيع أن تطور أي شيء آخر"[4].
ولكي تنجح الجامعة في تحقيق هذه الوظيفة عليها إيجاد عضو هيئة التدريس الجيِّد باعتباره العمود الفقري للعملية التعليمية، فحتى يتمكن الطالب من تحصيل أكبر قسط تعليمي ممكن لابدّ أن يساعده أستاذ على فهم قدراته وميوله ورغباته وتنميتها من خلال عدة أمور يحددها إسماعيل محمد دياب (1990) في الآتي[5].
-               الاهتمام بتوفير التوجيه والإرشاد الأكاديمي لأنّه البداية السليمة للتفاعل الناجح بين الطالب والأستاذ والذي ينتج تعليماً أكثر جدوى وفاعلية.
-               الاهتمام بالكشف عن ميول واهتمامات الطلاب وتنميتها ولهذا يجب أن لا تقتصر العملية التدريسية على التحصيل القائم على التلقين والاستظهار ولكن يجب الاهتمام بالكشف عن المواهب والقدرات وصقلها وتنميتها بصفة مستمرة من خلال استخدام طرق التدريس والوسائل التعليمية المختلفة للنجاح في توصيل المعلومة بما يتناسب مع قدرات الطلاب، والاهتمام أيضاً بالربط بين الجوانب النظرية والتطبيقية من أجل تكوين الخبرة التربوية المتكاملة وتشجيع الطلاب على حب الاطلاع للكشف عن كل جديد ومستحدث في مجال تخصصهم.
-               تقديم برامج تعليمية تتسم بالمرونة والاختيار وبحيث تعطي الفرصة لكي يقوم الطالب باختيار بعض المقررات التي تتناسب مع ميوله واهتماماته ورغباته، بحيث يشمل برنامج الدراسة مقررات إبجارية وأخرى اختيارية.
-               هذه النقاط المتعلقة بوظيفة التدريس والتدريب تهدف إلى إكساب الطلاب المعارف والمهارات والاتجاهات التي يحتاجونها لبناء أنفسهم وإعدادها للمهن المتجددة والمتغيرة التي تنتظرهم في مجتمعهم.
ب- وظيفة البحث العلمي:
لم تعد تقتصر مهمة الجامعة العصرية على وظيفة التدريس فقط، بل أصبح للتعليم الجامعي وظائف متعددة ومنها وظيفة البحث العلمي التي يرى عمر محمد التومي الشيباني (1992) أنها "تستطيع بها الجامعة أن تساعد في الكشف عن كثير من أسرار الكون والمادة والحقائق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وما إلى ذلك من الحقائق، وفي الاستعانة بالمعلوم من الحقائق والمعارف في اكتشاف المجهول منها، وفي تفسير الظواهر ووصفها، وفي الاستغلال الأمثل للموارد البشرية، والأرضية، والطبيعية بصورة عامة"[6].
وتؤكد بعض الدراسات التربوية على العلاقة ما بين التنمية والبحث العلمي وتوصلت إلى: "أن معدل النشاطات في الأبحاث وكثافتها ذا علاقة إيجابية بمعدل التنمية وكثافتها أيضاً"[7].
وعليه فإنّ المجتمع العربي في حاجة ماسة للأبحاث العلمية التي تجريها الجامعات وإن كانت هناك صعوبات تعرقل قيام الجامعات بمهامها البحثية، ولضمان نجاح وظيفة الجامعة العلمية، يجب أن تمنح الجامعات التمويل المالي والدعم المعنوي وأن تتوفر لها التسهيلات المناسبة وأن تتمتع بقدر كافٍ من الحرية الأكاديمية.
وعرفت الدول الصناعية أهمية البحث العلمي في التقدم فخصصت له ميزانيات مقدرة من دخلها القومي، حيث تشير بعض الاحصاءات "أن ميزانية البحث العلمي في عام 1990 في كل من اليابان 3%، وفي الولايات المتحدة الأمريكية 2.8% وفي ألمانيا 2.9%. أما في البلاد العربية فإن ما يخص البحث العلمي لا يتعدى في أحسن الأحوال 1%، من الدخل القومي... وهذا ما جعل توصيات مؤتمر وزراء التعليم العالي في الوطن العربي عام 1981م، تنادي بدعم البحث العلمي حتى تتم الاستفادة من الكفاءات العلمية العربية وأساتذة التعليم العالي في مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية"[8].
وبصفة عامة فإنّ الاهتمام بالبحث العلمي لا يساعد فقط على الاكتشاف والاختراع والتعرف على الحلول للمشكلات المختلفة للمجتمع، بل يساعد كذلك على تطوير العملية التدريسية، والتي هي إحدى وظائف الجامعة، وبالتالي فإنّ النجاح في العملية التدريسية مرتبط بوظيفة البحث العلمي للجامعة لأن كلاً منهما لازم ومكمل وهام لتطوير الوظيفة الأخرى.
ج- خدمة المجتمع:
تعتبر خدمة المجتمع الوظيفة الثالثة للجامعة باعتبارها إحدى مؤسسات المجتمع التي تنبع من حاجاته، وتعبر عن آماله وتسهم في حل مشكلاته، وتزوده باحتياجاته من القوى البشرية المدربة التي تساعده في ترقية ثقافته وتراثة وتجددهما وتطورهما وتنقيهما من الشوائب التي تكون قد لحقت بهما. وبالتالي فإن وظيفة خدمة المجتمع تعد هي الوسيلة الضرورية لتحقيق رسالة الجامعة. وإنّ النجاح فيها يسهم في إنجاح الوظيفتين الأخريتين، وفي حالة عدم ارتباط الجامعة بالمجتمع ومشكلاته فإن ذلك يؤدي إلى مشكلات الهدر والفاقد التعليمي لمخرجات النظام التعليمي، وبالتالي تظهر مشكلات سوق العمالة ومشكلة التخطيط السليم لإعداد القوى البشرية.
وكل مشكلة من المشكلات المذكورة أعلاه تترتب عليها مشكلة أو مشكلات اجتماعية واقتصادية ونفسية أخرى سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع.
تلك هي أبرز وظائف الجامعة التي أوجز الباحث القول عنها. وهي وظائف مترابطة ومتكاملة مع بعضها البعض، وكلما زاد الترابط والتنسيق بينها زاد ذلك من فاعلية كلاً منها، ومكن الجامعة من تحقيق رسالتها "فالجامعة الصالحة – مثلاً لا تستطيع من ناحية أن تقتصر على التدريس أو التدريب وحده وتنفصل عن المجتمع الذي نبعت منه ونشأت فيه، بل لابدّ أن يكون لها – بجانب ذلك – دور فعال مباشر وغير مباشر في خدمة المجتمع والمساهمة في تنميته وفي حل مشاكله، خاصة بعد أن يتسع حجمها ويكتمل بناؤها وجهازها من أعضاء هيئة التدريس الوطنيين الملمين بمشاكل مجتمعهم، القادرين أكثر من غيرهم على خدمته والتفاعل معه"[9].
 
3- التحديات:
أوّلاً: التحديات المحلية:
1- تحدي الانفجار السكاني:
يعد تحدي الانفجار السكاني ليس مشكلاً محلياً، بل هو من التحديات التي تواجه العالم بأسره، حيث أن من المتوقع أن يرتفع عدد سكان العالم من 5.5 بلايين نسمة إلى 8.2 بلايين نسمة بحلول عام 2025، وأن 95% من هذه الزيادة ستكون في الدول النامية التي يمثل العالم العربي جزءاً منها. فجوهر حقيقة تحدي الزيادة السكانية بالدول النامية ومنها الدول العربية لا تتناسب مع زيادة الدخل القومي.
ومن الأمثلة الواضحة لذلك زيادة السكان بمصر، وأن عدد سكان مصر كان يتضاعف كل نصف قرن تقريباً منذ بداية القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين، ثمّ أصبح يتضاعف كل 28 عاماً تقريباً بعد ذلك، وتزداد حدة المشكلة إذا أدركنا أنّ الموارد وخاصة الزراعية والغذاء لا تتضاعف بنفس المعدل. ومن هنا، توجد فجوة حقيقية بين كل من نمو السكان ونمو الموارد[10].
2- تحدي التأخر الصناعي والموارد البشرية:
لقد ظلت الصناعة في معظم البلاد العربية في مراحلها الأولى، على الرغم من توفر مصادر اقتصادية وفي مقدمتها النفط في الوطن العربي فهو لا يزال يعاني من التخلف الاقتصادي وإن كان يتفاوت من قطر لآخر. إضافة إلى النفط هناك مصادر طبيعية أخرى منها المعادن. والتي لم تستغل بعد الشكل المطلوب. وبطبيعة الحال إن استغلال هذه الثروات يحتاج إلى رأس المال من ناحية وإلى القوى البشرية المدربة من الناحية الأخرى، فلو نظرنا إلى رأس المال فهو موجود لدى بعض الأقطار العربية ونخص منها الدور النفطية، والتي يمكن أن تسهم في تمويل المشروعات الاقتصادية وإن كانت الدول العربية تعاني من مشكلة قلة رؤوس الأموال، أما فيما يتعلق بجانب القوى البشرية المدربة فلا تزال محدودة في الوطن العربي وتحتاج إلى تنمية كبيرة، ويوضح محمد منير مرسي (1974) ذلك بقوله:
"يملك العالم العربي ثروة بشرية كبيرة بحساب الأعداد... فهو عدد يزيد على ضعف سكان كل من إيطاليا وبريطانيا... لكن الغالبية العظمى لهذه المجموعة البشرية الكبيرة أميون أو لا يجيدون أي مهارات فنية ومعنى هذا أن هناك فاقداً كبيراً في الثروة البشرية في البلاد العربية"[11].وهذا يوضح عمق المشكلة، وبالتالي لابدّ للبلاد العربية من التعاون في المجالات الاقتصادية وتبادل الخبرات فيما بينهما وتعمل على محو الأمية لأبنائها وعلى تنمية الموارد البشرية لأنها مسألة ضرورية للتنمية والبناء، وهذا لا يتحقق إلا بالتعليم الجيِّد. تلك من جملة التحديات التي تواجه الأمة العربية وهي تخطو نحو القرن الحادي والعشرين، وعلى الرغم من قناعة الباحث بأن هناك تحديات محلية أخرى إلا أنّه اكتفى بأهمها من حيث علاقتها القوية بالتعليم والتنمية الاقتصادية والبشرية.
ثانياً: التحديات الدولية:
1- العالمية:
يمر العالم حالياً بفترة غاية في الأهمية، فهو ينتقل من نهاية قرن إلى بداية قرن جديد، وينتقل من نظام اقتصادي وسياسي إلى نظام مختلف تماماً. وبفضل ثورة الاتصال أصبح العالم قرية صغيرة وتجاوز حواجز الزمان والمكان والقطرية. فالعالم يتجه نحو نظام عالمي جديد، يتغير فيه نمط الحياة تماماً، وأصبح يعيش نوعية جديدة من التقانة، والتي تحتاج لمواطن على درجة عالية من الإعداد والتأهيل والقدرة على التكيف مع أي مهن جديد، وبالتركيز على إعداد الإنسان لما له من أدوار ومسؤوليات سيقوم بها في المجتمع لابدّ أن يضع في الاعتبار أمرين أساسيين[12].
الأمر الأوّل: ويتمثل في البُعد المستقبلي للتعليم، وهذا يعني إعداد إنسان ليس للسنوات القليلة القادمة، بل للعيش في هذا العالم في العقود الأولى من القرن القادم أي بعد 15، أو 20 عاماً أو أكثر، في نفس الوقت الذي ستتغير فيه كل الظروف التي كانت موجودة.
الأمر الثاني: عند التخطيط لإعداد الشباب العربي لمواجهة الحياة أن يكون في مفهومنا – البعد العالمي، ... هذا يعني، أنّه لابدّ أن نفكر بطريقة عالمية، ونتصرف بطريقة محلية، بحيث يكون البعد العالمي جزءاً أساسياً من تفكيرنا، بما يستتبعه ذلك من نتائج تتصل بالمناهج وطرق التدريس واللغة التي نستخدمها، والأساليب التي نتبعها والتخصصات التي نحتاج إليها، ونخطط لها.
هذه الأساليب لابدّ من تطبيقها في إعداد أبناء الأُمّة العربية ليكونوا مسلحين بلغة العصر الجديد، ومفاهيمه بالقدر الذي يؤهلهم للتعامل الجيِّد مع آليات العصر، واحترام الوقت واستثماره والقدرة على التكيف مع الظروف القادمة.
2- تحدي ثورة الثقافة:
يمر العالم بثورة جديدة يطلق عليها اسم (الثورة الثالثة) وهو مزيج بين التقدم التقني والثورة المعلوماتية، وتتميز هذه الثورة عن الثورة الزراعية والثورة الصناعية بالسرعة الفائقة وإنتاجها خدمات وأفكار والقدرة الكبيرة على مواجهة تغير أذواق المستهلكين وهذه السرعة تتطلب التسلح بنظام معلوماتي فائق السرعة لمعرفة ما سيحدث في المستقبل لمتطلبات المجتمع، ويحدث هذا التعديل في خطوات الإنتاج لملاحقة التغير، ولإنتاج خدمات وأفكار جديدة.
وهذا يحتم على التعليم الجامعي العربي الاستعداد لكل هذا التحدي بمخرجات تتصف بقدرات عالية ولها القدرة على التعامل مع آليات العصر من تقنية واستعمال الرياضيات المعقدة وأجهزة الحاسوب واتخاذ القرارات وتقييم جودة الإنتاج وفي مواجهة التقدم بما يفرضه من احترام التقانة المتقدمة واستعمالها لابدّ من حماية المجتمع العربي من سيطرة التقانة المتقدمة على الحضارة والثقافة، وهذه المشكلة يعاني منها حالياً المجتمع الغربي وهي الظاهرة التي تعرف بسيطرة التقانة على الثقافة والحضارة ونتج عنها مشاكل اجتماعية وأخلاقية أدت إلى التفكك الأسري وانتشار الجريمة والإدمان والانتحار.
وفي مواجهة هذا التحدي لابدّ من أن تصبح مهمة المؤسسات التربوية ومنها الجامعة في مجتمعاتنا "متعاونة مع المؤسسات الثقافية الأخرى من أجل اختيار القيم الأخلاقية التي تتناسب مع الظروف الجديدة كما تساعد على بناء القيم الأخلاقية التي تدعم التغيرات المختلفة التي تهدف إلى خلق المجتمع الاشتراكي الديمقراطي"[13].
ويتضح من هذا الاستعراض السريع أنّ الأُمّة العربية أمامها جملة من التحديات المحلية والدولية غير التي أشار إليها الباحث، ومنها التلوث البيئي وتحدي المنافسة العالمية والاحتكارات الدولية، تحدي استقلالية القرار الوطني، وكل هذه التحديات وغيرها تفرض حتمية تطوير التعليم ودعمه بكل مراحله وبخاصة التعليم العالي منه كخيار استراتيجي يعول عليه في هذه المواجهة.
 
4- دور الجامعة المنتظر:
في ضوء ما تقدم يرى الباحث أن دور الجامعة المستقبلي يحتاج إلى مجهود جاد ومتواصل لإيجاد توازن وتنسيق بين العمل والفكر وتشجيع البحث العلمي وربط الجامعة بقضايا المجتمع ومشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولكي تقوم الجامعة بدور على الوجه المطلوب تجاه مشكلات المجتمع كما يرى كثير من المربيين ومنهم بوتكين الذي يقول إنها: كمختبر (معمل) يجري فيه تحليل الماضي واختيار الحاضر، في إعداد البدائل للمستقبل. ولكي تنجح الجامعة في هذا العمل الضخم الشاق، فإن عليها أن تندمج بصورة أوثق وأعمق في مجالات اختصاصها وهذه هي العمليات الخاصة بنمو المجتمعات وتنميتها، ويتطلب هذا حد أدنى من الاستقلالية[14].
فالجامعة ومن خلال مسيرتها التاريخية مع حركة الحضارات الإنسانية تظل في موقع الصدارة ناقلة ومراجعة للعلوم ومنقبة في الحاضر ومتطلعة إلى المستقبل وآفاقه الكونية.
وعلى ضوء الأدوار التي قامت بها الجامعة في الماضي يمكن أن تصور نموذجاً طموحاً لمجموعة من الخصائص يمكن للجامعة مستقبلاً القيام بها والنموذج التصوري كما يراه حامد عمار (1995) هو تلك المؤثرات المعيارية التي سوف نسعى إلى بلوغها والاقتراب منها على الأقل إلى أكبر قدر ممكن. وهذا النموذج المعياري المقترح تتخذه إطاراً مرجعياً لتشخيص واقع جامعاتنا، ومدى إسهامها في الإعداد للمستقبل ومواجهة التحديات وبناء الإنسان.
وقبل عرض النموذج لابدّ من طرح بعض الأسئلة:
ما هي الجامعة التي نريد؟ وأي إنسان نريد إعداده للمستقبل المنتظر؟
هذان السؤالان ليست الإجابة عليهما بالشيء اليسير، ولكن في حدود تصور النموذج المقترح لدور الجامعة المستقبلي على ضوء أفكار وآراء خبراء التربية والتعليم، التي يتفق معها الباحث، نرى أن هذا النموذج يرمي إلى دلالات ومقومات مفهوم الجامعة لأمور متعددة هي[15]:
1-                 جامعة لعناصر التميز في إعداد النخب، واعتبار ذلك مهمة أساسية من مهماتها في المنظومة التعليمية وفي السياق المجتمعي العام.
2-                 جامعة لمعارف عامة مشتركة تمثل قاعدة لمعارف ومهن متخصصة والتخصص السليم لابدّ أن ينطلق من قاعدة عامة وهي تجمع إلى جانب ذلك مجالات معرفية يختارها الطالب على هدى من ميوله واهتماماتها الذاتية التي يريد أن ينميها لتضيف إلى رأس ماله العلمي والثقافي.
3-                 جامعة لشتات المعارف التي لا يقتصر نموها منعزلة في امتدادات خطية إنما تتلاقى وتتشابك في تكامل معرفة بعضها مع بعض من خلال مختلف الخصوصيات المنهجية لمجالات المعرفة.
4-                 جامعة لالتقاء الثقافة الوطنية بخصوصياتها مع الثقافات التي تشاركها في القيم والمعاني والمصائر الحياتية، ومع الثقافات الإنسانية الأخرى، بما يؤدي إلى إثراء حصيلة طلابها.
5-                 جماع مختلف الفكر والتصور والخيال الإنساني.
6-                 هي مكاناً لتعبئة الطاقة المكونة والمحركة لوعي المتعلم، وعياً بالنفس، ووعياً بمحيطه ومكوناته ووعياً بما يضطرب به العالم من حوله ووعياً بحاضره وتحسباً لاحتمالات المستقبل ومتغيراته.
7-                 جمع لتأثير المجتمع الذي يؤسسها، كما تكون مسؤولة في الوقت ذاته عن التأثير الإيجابي في مسيرته. ومن ثمّ فإنها تسعى إلى ترسيخ خصوصيته المتميزة بما يدعم التماسك الاجتماعي، ويعزز الاستقرار وإكساب المجتمع الحيوية للتطوير والتجديد، بل والإسهام الفعال في الحضارات الإنسانية الأخرى.
8-                 فيها يكتسب المتعلم مجموعة من القدرات العقلية ومهارات العمل وقيمه وعاداته... ونقد المعرفة والاستقلال في بلورتها والحكم عليها، وتطبيق المعرفة واستثمارها الأمثل.
9-                 هي مجتمع بما فيه من مقومات الحياة الديمقراطية من حيث توسيع مشاركة الطلاب في تنظيم الحياة الجامعية من خلال التواصل الخصب بين الأساتذة والطلاب والتواصل مع الإدارة الجامعية وبالتواصل بين أساتذة الجامعة أنفسهم وهم يمثلون فريقاً من فرسان العلم يتبارزون مع مجالات تخصصهم ومع الحياة بأسلحة المعرفة والبحث العلمي، وتتألف مدارسهم الفكرية خدمة لطلابهم تعليماً وتعلماً وخدمة لمجتمعهم أيضاً.
هذا النموذج الذي يطرح أفكاراً وآراء تربوية الرسالة الجامعة في خدمة الإنسان وإعداده المعرفي والحضاري لخدمة المجتمع. قد يتحقق تطبيق جزء من هذا النموذج في بعض الجامعات بينما تتحقق معايير أخرى منه في جامعات أخرى، وقد تتحقق جميعها في جامعة واحدة. المهم أن تكون هناك الجدية في محاولة الوصول لتنفيذ تلك المقترحات للجامعة، وأن يستمر الجهد حتى يظل التحسن مطرداً، وأن تظل الجامعة على اتصال دائم بحركة الحياة وآفاقها المتطورة، وأن لا تعزل نفسها عن المجتمع حتى لا يفقد العلم قيمته الاجتماعية والمعرفة. وهذا النداء لجامعاتنا العربية لا يتعارض مع أهمية الاطلاع والتفاعل مع المنتجات العلمية للجامعات الأخرى، بل ذلك الاتصال ضرورة للحيوية الفكرية فقط أن لا تكون ذلك بديلاً عن متابعة قضايا المجتمع وإيجاد الحلول المبدعة من أجل تحريك الحاضر إلى الممستقبل المنشود.
والأُمّة العربية والإسلامية تواجه تحديات العصر وبخاصة وهي تمر مع نهاية هذا القرن – كما سبقت الإشارة – بمرحلة دقيقة تستوجب على جامعاتنا أن تستمر في الابتكار والإبداع في إطار حضاري وفي تفاعلاتها مع الثقافات الأخرى وتستوعب لغة العصر وأدواته، بل وتسهم في صنع التقدم على هدى من قيم المجتمع الروحية والتراثية. وهذا لا يتحقق إلا بالإنسان المعد الإعداد العلمي السليم القادر على المنافسة العالمية المحتدمة في السوق العالمية بخاصة مع بداية الألفية الثالثة.
وفي الختام نقول كما قال أحمد علي الفنيش "أنّ الجامعات العربية مطالبة اليوم أن تجعل من العملية التعليمية عملية مستمرة وأن تطور العملية التعليمية ذاتها وتمد نطاقها خارج مجالها المحدود، وأن تقوم بالبحوث في مختلف المجالات النظرية والتطبيقية، وتتعاون مع جهات العمل المختلفة وتنسق معها على مختلف المستويات"[16].
ونضيف إلى هذا أن قيام الجامعات بدورها يبني مستقبل الأُمم، ولعل هذا ما عبر عنه فيلسوف وشاعر الصين كوان تسو قبل أكثر من ألفي سنة بقوله: "إذا أردت أن تحصد بعد عام فازرع قمحاً، وإذا أردت أن تحصد بعد عشر سنوات فازرع شجرة، وإذا أردت أن تحصد بعد قرن فعلم الشعب، لأنك إذا زرعت قمحاً فإنك تجني مرة واحدة، وإذا زرعت شجرة فإنك تجني مرة واحدة كل عام، وإذا علمت شعباً فإنك تحصد دائماً".
 
المصدر: مجلة المعرفة/ العدد 478
 
* باحث من القطر الليبي أستاذ في جامعة سبها – كلية الآداب


[1]- ابن منظور المصري: لسان العرب، (باب جمع) المجلد الثامن، بيروت، دار صادر، ص52-57.
[2]- حامد عمار: دراسات في التربية، والثقافة، الجزء (1)، مصر، مكتبة الدار العربية للكتاب، 1995، ص94.
[3]- انظر: إسماعيل محمد دياب: العائد الاقتصادي المتوقع من التعليم الجامعي، القاهرة، عالم الكتب، 1995، ص38.
[4]- F. H. Harbison (Human Resources the Wealth of nation. New York, Oxford University Press, 1973, P.3.
[5]- إسماعيل محد دياب: مرجع سابق، ص39-40.
[6]- يعمر محمد التومي الشيباني: التربية وقضايا التنمية والتحدث في المجتمع العربي، طرابلس، الهيئة القومية للبحث العلمي، 1992، ص413.
[7]- عبدالله رمضان بوبطانة: دور التعليم العالي والجامعي في التنمية العربية المجلة العربية لبحوث التعليم العالي، العدد الثاني، ديسمبر 1984، ص39-40.
[8]- انظر: فخرالدين القلا – محمود السيد – عدنان الأحمد: التربية في الوطن العربي، دمشق، منشورات جامعة دمشق، 1998، ص226.
[9]- عمر محمد التومي الشيباني: مرجع سابق، ص414.
[10]- انظر: حسين كامل بهاء الدين: التعليم والمستقبل، القاهرة، دار المعارف، 1997، ص58.
[11]- محمد منير مرسي: التعليم العام في البلاد والمستقبل، القاهرة، دار المعارف، 1997، ص58.
[12]- حسين كامل بهاء الدين: مرجع سابق، ص35-36.
[13]- لطفي بركات أحمد: التربية ومشكلات المجتمع، القاهرة، دار النهضة العربية، 1978، ص237.
[14]- جيمس بوتكن وآخرون: التعليم وتحديات المستقبل، ترجمة عبدالعزيز القوصي، القاهرة، المكتب المصري الحديث، 1981، ص175.
[15]- انظر: أحمد عمار: مرجع سابق، ص96-98.
[16]- أحمد علي الفنيش: التربية بين المجتمع والجامعة، ليبيا، المنشأة الشعبية للنشر والتوزيع والإعلان والمطابع، 1981، ص115-116.

ارسال التعليق

Top