• ١٠ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٩ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

العبادة.. مبادئ وقيم سلوكية

عمار كاظم

العبادة.. مبادئ وقيم سلوكية

تترك العبادة الحقيقية الأثر الطيب والنافع على وجود الإنسان، فيحوّله إلى طاقة إيجابية تنطلق في الحياة من أجل النهوض بها، هذا النهوض الواعي المنطلق من داخل نفس مخلصة قد ذاقت طعم الإخلاص والإيمان في كلّ كيانها وحركتها، فكانت العبادة لديها فرصة كي تزداد قرباً من الله، ويقيناً به، وسعياً للحصول على رحمته ومراضيه، والانفتاح على حدوده وتعاليمه، وترجمتها إلى واقع سلوكي إيماني يشمل كلّ مواقع المجتمع. فالعبادة هي الوسيلة الفضلى التي تؤكّد روحية العلاقة النقية بين العبد وخالقه، بحيث تنعكس مزيداً من التقدّم على المستوى الروحي والتقوائي والنضج الفكري، وعلى مستوى الوعي في إدارة شؤون الحياة (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة/ 5).

إنّ الإنسان يفرغ من خلال العبادة كلّ مشاعره النبيلة الراقية التي تشعر الآخرين بالحسّ الإنساني الذي يؤنس الناس ويقدّم لهم كلّ ما يحتاجونه من مشاركة عاطفية وشعورية رحيمة، إنّ العبادة تشعر الإنسان حقّاً بإنسانيته الحقّة، فتحرّك فيه نبضات القلب والشعور على كلّ خير وفلاح، بما ينسجم مع إرادة الله في مخلوق يمارس غاية العبودية لله في كلّ شيء.. هذه العبودية التي تنطلق من كلّ عفوية ونقاوة، وليس من منطلق التكلف والتصنع، فالتكلف لا يتوافق البتّة مع روح العبودية في خلوصها لله تعالى وابتغاء وجهه الكريم، والمنسجمة مع مشاعر الإنسان الحقيقية والثابتة والواضحة والصادقة التي تغني المجتمع وتمدّه بكلّ قوّة ورسوخ.

العبادة تعمّق في النفوس معنى العبودية الخالصة، في إخلاصها وانقيادها وخضوعها للألوهية الخالقة المطلقة، فكلّ كلمة من كلمات العبادة تحفر في العمق الروحي موقعاً جديداً للإيمان، وكلّ حركة من حركاتها، تهزّ في الكيان شعوراً حميماً، ليتحوّل الإنسان من خلال ذلك إلى روح تعرج له تعالى في تطلّعاتها وأشواقها وابتهالاتها، وإلى ذات نتفتح عليه سبحانه بكلّ أفكارها ومشاعرها وخطواتها، وإلى جسدٍ ينقاد لإرادته في كلّ أقواله وأفعاله.. فالعبادة وسيلةً من وسائل القرب من الله تعالى، وحركةً روحية جسديةً للانفتاح عليه سبحانه، ولم يردها شكلاً جامداً لا يملك مضموناً في الروح، أو كمّاً تتكاثر فيه الأعداد من دون أيّ عمق في الكيف. لقد أردتها في الإنسان تغني إنسانيته بالكثير الكثير من المشاعر الحميمة في مواقع رضاه، وتحرّك خطواته في دروب الخير في الحياة. ولذلك، أرداها الله جلّ وعلا عفويةً تنطلق من عفوية العابدين له في صفاء الإيمان وبساطته، وطهارة الروح ونقائها، بحيث ينطلق الإنسان بلهفةٍ وشوقٍ كلهفة الظمآن إلى الينبوع الصافي، وشوق الحبيب إلى لقاء حبيبه، الأمر الذي يفرض عليه أن لا يقسو على جسده، فيسقط إعياءً تحت تأثير الجهد، ولا يتعب ذهنه، فيملّ من التفكير، فيبتعد عن الإقبال على العبادة، ويضيع في متاهات الملل، فتكون العبادة متكلّفة يتحرّك فيها الجسد بمشقة، وتنطلق معها الروح بإعياء، حتى لا تترك أيّ تأثير إيجابي في سموّ الروح، بل تتجمع كلّ سلبيات التعبّد والملل لتجعلها شيئاً بغيضاً إلى النفس، بعيداً من كلّ جوّ حميم ورغبةٍ صافيةٍ.

ختاماً، أكّد الإسلام أن تكون العبادة بالطاعة المطلقة لله، والخضوع له في كلّ الأُمور، بحيث يذوب الإنسان في الله. وقد ورد في بعض الأحاديث عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، عمّن يظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه، قال: «ورجلٌ لم يقدّم رجلاً ولم يؤخّر أُخرى حتى يعلم أنّ ذلك لله رضى أو يحبس». ومن جهة أُخرى، اعتبر الإسلام قيام الإنسان بمسؤولياته فيما يعول به أهله، وفيما يعول به الناس الذين يسأله الله عن رعايتهم، اعتبر ذلك عبادةً؛ فقد ورد في الحديث: «العبادة عشرة أجزاء» ـ وفي رواية سبعون جزءاً ـ «أفضلها طلب الحلال»، فعندما تطلب المال من حلّه لتقوم بمسؤولياتك في رعاية عيالك أو رعاية الناس من حولك، فأنت بذلك تعبد الله.

ارسال التعليق

Top