• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

العرب في القرآن الكريم

عبدالحميد بن باديس

العرب في القرآن الكريم
  حق على كل من يدين بالإسلام ويهتدي بهدي القرآن ان يعتني بتاريخ العرب ومدينتهم وما كان من دولهم وخصائصهم قبل الإسلام، ذلك لارتباط تاريخهم بتاريخ الإسلام، ولعناية القرآن بهم لاختيار الله لهم لتبليغ دين الإسلام وما فيه من آداب وحكم وفضائل إلى أمم الأرض. فأما أنهم قد ارتبط تاريخهم بالإسلام فلان العرب هيئوا تاريخياً لأجل أن ينهضوا بأعباء هذه الرسالة الإسلامية العالمية، ولأنّ الله الحكم العدل الذي يضع الأشياء في مواضعها بحكمة، ويأمرنا أن ننزل الناس منازلهم في شريعته، ما كان ليجعل هذه الرسالة العظيمة لغير أمة عظيمة، إذ لا ينهض بالجليل من الأعمال الا الجليل من الأُمم والرجال، ولا يقوم بالعظائم إلا العظام من الناس.
وأما عناية القرآن بالعرب فلأجل تربيتهم لأنهم هم الذين هيّئوا لتبليغ الرسالة فيجب أن يأخذوا حظهم كاملاً من التربية قبل الناس كلهم، ولهذا نجد كثيراً من الآيات القرآنية في مراميها البعيدة اصلاحا لحال العرب وتطهيراً لمجتمعهم واثارة لمعاني العزة والشرف في نفوسهم. ومن هذا الباب الآيات التي يذكر بها العرب انّ هذا القرآن أنزل بلسانهم مثل: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) (الزخرف/ 3)، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف/ 2). والذين يعقلون القرآن قبل الناس كلهم هم العرب. ومن أوّل القصد إلى العرب العناية بلسانهم دون جميع الألسنة، جلباً لهم حتى يعلموا أنّه أنزل لهم وفيهم قبل الناس كلهم.
انّ العرب قوم يعتزون بقوميتهم. وهم قوم ذوو عزة واباء خصوصاً في الجاهلية. فكان من حكمة القرآن أن يجلب نافرهم ويقرّب بعيدهم بأن هذا القرآن أنزل بلسانهم.
ومن هذا الباب توسعة الله في قراءة القرآن على سبعة أحرف، وهي اللهجات التي تجتمع على صميم العربية وتختلف في غير ذلك. وسع عليهم في ذلك لتشعر كل قبيلة انّ هذا القرآن قرآنها، لأنّ اللسان الذي نزل به لسانها. وهذا هو ما يقصده القرآن. ومن هذا الباب أيضاً اشعارهم بأن صاحب الرسالة منهم (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) (التوبة/ 128).
فمن الطبيعة العربية الخالصة انها لا تخضع للأجنبي في شيء، لا في لغتها ولا في شيء من مقوماتها. ولذلك نرى القرآن يذكرها بالشرف، ويحدثها كثيراً عن أمة اليهود التي لا يناديها الا بيا بني اسرائيل تذكيراً لها بجدها الذي هو مناط فخرها، كل ذلك لأنها أمة تحيا بالشرف والسمو والعلو، ويذكرها بالذكر، وهو في لسانها الشهرة الطائرة والثناء المستفيض. يقول تعالى لنبيّه وهو يعني القرآن: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) (الزخرف/ 43-44). والأنبياء لم يبعثوا الا في مناسب الشرف، ومنابع القوة، ومنابت العزة، ليبنى المجد الطريف من الدين على المجد التليد من أحساب الأمة وأنسابها وشرفها وعزتها وما كان لها من مناقب تلتئهم مع أصول الدين. فقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني أنه شرف لكم، وقومه هم العرب لا محالة.
ويقول بعد ذلك: (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) ليشعرهم أن عليهم من الواجبات في مقابلة هذا الشرف الذي أعطوه ما ليس على غيرهم، ولا شك أن ثمن المجد غال.
وهذا الشرط الذي ذكره الله وذكر به العرب هو شرط واجب الاعتبار والتنفيذ، لأنّ الأُمّة التي لا تؤدي ثمن المجد لا تحافظ عليه. ثمّ هي أمة لا يعتمد عليها في النهوض بنفسها ولا بغيرها. وانما ذكرهم الله بذلك لينهضوا بالأُمم على ذلك الأساس بالعدل والرحمة والتكريم. وما ذكر القرآن العرب بتكريم بني آدم وخلقهم في أحسن تقويم الا ليعاملوهم على هذه القاعدة التي وضعها الخالق. وان أعداء البشرية اليوم وقبل اليوم يعمدون إلى قتل الشرف من النفوس، ليستذلوا من هذا النوع ما أعز الله، ويهينوا منه ما كرّم الله.
والخلاصة أن عناية القرآن باحياء الشرف في نفوس العرب ضرورية لاعداهم لما هيئوا له من سياسة البشر. وبهذا نستعين على فهم السر والحكمة في اختيار الله للعرب للنهوض بهذه الرسالة الإسلامية العالمية، واصطفائه اياهم لانقاذ العالم مما كان فيه من شر وباطل. وهذا السر هو أنهم ما كانوا عليه من شرف النفس وعزتها والاعتداد بها هو الذي هيا هم لذلك، ولو كانوا أذلّاء لما تهيّأوا لذلك العمل العظيم.
وانظروا واعتبروا ذلك بحال أمة هي أقرب امة إلى العرب وهي أمة اسرائيل فإنها لم تكن مهيأة لانقاذ غيرها، وانما هيّئت لانقاذ نفسها فقط لان مقوماتها النفسية لم تصل بها إلى تلك الدرجة العليا. ولذلك عانى موسى معها ما عىنى، مما قصة القرآن، علينا لنعتبر به في الحكم على الأمم.
ولا حاجة إلى التطويل في الحديث عن بني اسرائيل فإنّ القرآن قد فصّل لنا شؤونهم تفصيلاً، وانما نبّهكم على هذا الفارق الجوهري بين الامتين.
وقد تقولون: ان بني إسرائيل اختارهم الله وفضلهم على العالمين. والجواب الذي يشهد له الواقع انّه اختارهم لينقذوا أنفسهم من استعباد فرعون، وليكونوا مظهراً للنبوّة والدين في أوّل أطوارهما وأضيق ادوارهما وهذا هو الواقع. فإنّ الأُمّة العربية استطاعت ان تنهض بالعالم كله وان تظهر دين الله على الدين كله. وأما بنو إسرائيل فإنهم ما استطاعوا أن ينهضوا حتى بأنفسهم وانما نهض بهم موسى نهضة قائمة على الخوارق. وما نهضوا بأنفسهم الا بعد موسى بزمن، مع اتصال حبل النبوة فيهم، ومغاداة الوحي الإلهي ومراوحته لهم.
فالامتان، العربية، والاسرائيلية، متمايزتان بحديث القرآن عنهما. وإذا تلمسنا الحكمة المقصودة من اختيار الله لبني إسرائيل، مع أنهم غير مستعدين للقيام بنهضة عالمية عامة، وجدنا تلك الحكمة في القرآن مجلوّة في أبلغ بيان في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص/ 5-6).
فالسر المتجلي من هذه الآية هو أنّ الله أراد بما صنع لبني إسرائيل، وبما قال لهم، أن يعلم هذا العالم الإنساني من سنن الله في كونه ما لم يكن يعلم، وهو اخراج الضد من الضد واخراج الحي من الميت وانقاذ الأمة الضعيفة التي لا تملك شيئاً من وسائل القوة الروحية ولا من وسائل القوة المادية، من العباد الأقوياء المتأهلين. والتمكين لهم في الأرض، وإرادة الأقوياء المستعلين في الأرض عاقبة باطلهم لكيلا ييأس المستضعفون في الأرض من روح الله. وقد قال موسى لبني إسرائيل تمكينا لهذا المعني في نفوسهم: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأعراف/ 129).
وإلى هذا المثل العملي تشير الآية: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (البقرة/ 243).
وأما العرب فإنّهم اختيروا لوظيفة عالمية عامة لما فيهم من شرف متأصل واستعداد كامل، وصفات مهيأة، ولهذا كان منبع الرسالة بمكة، وشأنها عند العرب هو شأنها فهم مجمعون على تخليصها، ولأنّها في وسط الجزيرة وصميمها، ووسط الجزيرة بعيد كل البعد عن المؤثرات الخارجية في الطباع والألسنة، تلك المؤثرات التي يجلبها الاحتكاك بالأجانب والاختلاط بهم. وكل أطراف الجزيرة لم تخل من لوثة في الطباع وعجمة في الألسنة جاءت من الاختلاط الأجنبي. ولا أضر على مقومات الأُمم من العروق الدساسة: فاليمن دخلتها الدخائل الأجنبية من الحبشة والفرس على طباع أهلها وألسنتهم، والشام ومشارفه كانت مشرفة على الاستعجام. فكانت هذه الأطراف تنطوي على عروبة مزعزة المقومات، ولم يحافظ على الطبع العربي الصميم الا صميم الجزيرة، ومنه مكة التي ظهر فيها الإسلام. وهذا الوسط وان كان عريقا في الصفات التي تمس العصر لأجلها جاهليا، ولكنه بعيد عن الذل الذي يقتل العزة والشرف من النفوس. والجاهل يمكن أن تعلمه والجافي يمكن أن تهذبه، ولكن الذليل الذي نشأ على الذل يعسر أو يتعذر أن تغرس في نفسه الذليلة المهينة عزة واباء وشهامة تلحقه بالرجال.
هذا توجيه موجز مقرب لاختيار الله تعالى العرب للنهوض بالرسالة العامة.
وشيء آخر يرتبط بهذا وهو أنّ الله كما اختار العرب للنهوض بالعالم كذلك اختيار لسانهم ليكون لسان هذه الرسالة وترجمان هذه النهضة، ولا عجب في هذا فاللسان الذي اتسع للوحي الإلهي لا يضيق أبدا بهذه النهضة العالمية مهما اتسعت آفاقها وزخرت علومها.

ارسال التعليق

Top