• ٣١ أيار/مايو ٢٠٢٠ | ٨ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

العلم المطلوب لإصلاح المجتمع

د. محمَّد السيد يوسف*

العلم المطلوب لإصلاح المجتمع

العلم الذي يطلبه الإسلام ويشيد به القرآن ويحث عليه النبي (ص) هو العلم النافع الذي يدل الإنسان على الله ويهديه إليه ويربطه به.

وهذا العلم الذي يحض الإسلام أتباعه هو علم الدنيا والآخرة، والعلم الذي يزكي النفس، ويسمو بالروح، ويعرف المسلم حق الله عليه، ثمّ العلم الذي يجعل من الدنيا مكاناً طيباً للحياة عن طريق المعرفة والحضارة.

ولذا لم يفرق القرآن الكريم بين علم الدنيا وعلم الدين، بل حث عليهما جميعاً وقد جمع الله تعالى كثيراً من علوم الكون في آيتين، وهو بذلك ينبه عليها ويحث على طلبها وتحصيلها، ويجعلها طريقاً إلى معرفته وخشيته.

وهاتان الآيتان هما قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر/ 27-28).

ففي ذكر إنزال الماء من السماء إشارة إلى إلهيته والفلك، وارتباط السماء بالأرض، وفي ذكر الثمرات المختلفة الألوان إشارة إلى علم النبات، وفي ذكر الجبال إشارة إلى علم الجيولوجيا.

وفي ذكر الناس والدواب والأنعام واختلاف كل منهم إشارة إلى علم البيولوجيا.

ومن هذا التركيب العجيب نستطيع أن نلمح أنّ الله تعالى يأمر الناس بدراسة الكون، ويحضهم على ذلك. ويجعل العارفين منهم بدقائقه وأسراره هم أهل معرفته وخشيته.

ويؤكد الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – هذا المعنى فيقول:

العلم – بطبيعة الحال – ليس مقصوراً على علم العقيدة، وعلم الفرائض الدينية، فالعلم يشمل كل شيء، وهو يتعلق بالقوانين الطبيعية وتسخيرها في خلافة الأرض تعلقه بالعقيدة والفرائض الدينية على السواء، ولكن العلم الذي ينقطع عن قاعدته الإيمانية ليس هو العلم الذي يعنيه القرآن الكريم، ويثني على أهله.

إنّ هناك ارتباطاً بين القاعدة الإيمانية وعلم الفلك، وعلم الأحياء، وعلم الطبيعة، وعلم الكيمياء، وعلم الطب وسائر العلوم المتعلقة بالنواميس الطبيعية والقوانين الحيوية.

إنّها كلها تؤدي إلى الله حين لا يستخدمها الهوى المنحرف للابتعاد عن الله.

ويقول الشيخ شلتوت – رحمه الله –:

ليس العلماء هم أهل الفتيا في المسائل الفقهية في الحل والحرمة فقط وإنما هم العلماء الذين يعلمون احكام الله وشرائعه على وجهها الصحيح والذين يعلمون أسرار الكون وخواص أنواعه وعناصره فيستدلون بما يعلمون على عظمة الخالق في علمه وقدرته وحكمته.

ولذلك فإن دائرة العلم في الإسلام أوسع من أن تحد، وأشمل من أن تحصر بنوع أو اتجاه، فالمسلم يتعلم كّل ما ينفعه، وكلّ ما يحتاجه وكلّ ما يطمح له ويستعد. لكن المسلم يعلم أنّ العلم لا خير فيه، ولا أثر له، إن لم يهد إلى الحقيقة الأولى، وهي معرفة الله سبحانه وإلا فما الفائدة أن يعلم الإنسان من خصائص الكون، وطبائع الأشياء ما يعلم ثمّ يغفل عن الخالق الذي أعطى كل شيء خلقه ثمّ هدى. إنّ العلم هنا لم يقم بدوره ولم يهد الإنسان إلى غاية وجوده، وحقيقة مهمته في هذه الحياة.

فأي علم لا يؤدي إلى الاهتداء إلى الله تعالى، ولا يقوم على إدراك فضل الله في تعليم الإنسان مالم يعلم وفي منحه القدرة على الإدراك وفي تسخير النواميس الطبيعية له، أي علم لا يقوم على هذه الأسس هو علم ضال مضل، وليس هو العلم الذي تقصده الآيات القرآنية، وتثني عليه.

ولهذا ينعى القرآن الكريم على حضارات البشر الجاحدة التي تركتهم قطيعاً هملاً لا تتعدى معارفهم المادة وظواهرها دون أن ينفذوا إلى الحقائق أو يعقلوا المعاني قال تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ) (الروم/ 8).

وإنا لنرى الحضارات المادية في عصرنا تنفذ إلى كثير من خصائص العلم المادي، وتصل إلى آفاق عليا في شتى ميادينه، ولكن تصورها للحياة، ومعرفتها بحقيقة الكون وغايته لا تعدو أن تكون معرفة ظنية تشوبها الخرافات والأوهام، أو الجحود والنكران، فما يتناسب تفوقها العلمي مع حظها من إدراك الحق، وصلتها بالله تعالى خالق الكون والإنسان، أما الإسلام فإنّه يرتب كلّ الحقائق، ويبني صروح العلم على أساس اليقين بوجود الله تعالى، وتوجيه الحياة إلى طاعته.

أما عن موقف الإسلام من العلم الحديث "فإننا نؤكد أنّ الإسلام لم يقف يوماً في وجه التقدم العلمي، بل إنّه يقدر الجهود الفكرية في الإنسان إلى درجة يرفعه فيها إلى درجة الملائكة.

وما من دين ذهب أبعد من الإسلام في تأكيد غلبة العقل وبالتالي غلبة العلم على جميع مظاهر الحياة".

ولقد قرر فقهاء الأُمّة أن كلّ علم يحتاج إليه المسلمون في دينهم أو دنياهم فإن تعلمه وإتقانه فرض كفاية تأثم الأُمّة كلها إذا فرطت فيه، ويأثم بالأخص أولو الأمر.

والمتدبر للقرآن الكريم يدرك أنّه يحض أتباعه على معرفة علوم الكون، وصنائع العلم. ويحث على الانتفاع بكل ما يقع تحت نظرنا في الوجود. قال تعالى: (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (يونس/ 101)، وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية/ 13).

ولا يليق بالمسلمين وهم المخاطبون بهذا الوحي أن يفروا من وجه هذه المنافع العامة، ولا أن يزهدوا في علوم الكون، ولا أن يحرموا أنفسهم فوائد التمتع بهذه القوى العظيمة التي أودعها الله لخلقه في خزائن سماواته وأرضه.

وذلك لأنّ البقاء في هذه الحياة للأصلح، والحياة في هذا الوجود للسلام المسلح. والأسلحة في كلّ عصر عامة، وفي هذا العصر خاصة إنما تقوم على التمهر في العلوم وعلى السبق في حلبة الصناعات والفنون والويل فينا للضعيف، والحظ كلّ الحظ للقوي.

وخطاب الله تعالى واضح في هذا الشأن حيث يقول سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال/ 60)، مع ملاحظة أن لفظ "قوة" جاء منكراً ليشمل جميع أنواع القوة.

وحديث النبيّ (ص) يؤكد هذا المعنى ويزيده وضوحاً حيث يقول: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..".

فالإسلام يحث أتباعه على أن يكونوا أقوياء في دينهم ودنياهم ليملكوا زمام الدنيا، ويسخروها لمصلحة الإسلام وأهله، بدلاً من أن يستخدمها أهل الباطل لأهوائهم، ويتخذونها وسيلة للعلو في الأرض والإفساد فيها.

 

*مُدرس بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق

 

المصدر: كتاب منهج القرآن الكريم في إصلاح المجتمع

ارسال التعليق

Top