• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

القصة.. وسيلة تربوية وتعليمية

القصة.. وسيلة تربوية وتعليمية
  شعرت بالفرحة تغمر كلّ وجودي عندما سمعت جواباً قاطعاً من ابني ذي الثمانية أعوام عندما سألته: هل تتمتع بقراءة القصص يا حبيبي؟ بأجابني الطفل بكلّ ثقة: "نعم يا بابا أشعر بمتعة لا تضاهى" فسألته مرة أخرى: حسناً هل تود أن تحكي إحداها، فلم يجب الطفل على السؤال بل انتفض من مكانه إلى المكتبة وعاد مسرعاً وهو يحمل إحدى القصص الموجودة هناك وبدأ يقرؤها فأخذت أنا وإخوته الصغار نستمع إليه.. كانت الفرحة تغرمني وأنا أرى كلّ هذا الولع والحب يسيطر على ولدي وهو يقرأ القصة، فحمدت الله كثيراً على هذه النعمة، لأنني أعلم بأنّ الحكاية الجيدة هي إحدى وسائل التربية التي تجمع في طياتها الكثير من معاني الحياة.. فتعالوا نضخ الحياة بكلّ ما فيها لأطفالنا صغاراً وكباراً من خلال الحكايات الجيدة والمعبرة والتي لا تنتهي.

 

القصة تطور القراءة:

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أنّ الأطفال الذين يستمعون إلى القصص والقصائد الشعرية منذ فترات مبكرة من حياتهم هم أنجح الأطفال في مدارسهم، وكلما زاد ما يُقرأ للطفل أو يروى له زادت لديه الرغبة في أن يقرأ بنفسه.

وتشير الدراسات أيضاً إلى أنّ للقراءة بصوت مرتفع تأثيراً إيجابياً على قدرة الطفل على القراءة وجعله قارئاً، إضافة إلى أن تعرّض الطفل للقراءة بصوت مرتفع هو أكثر الأنشطة أهمية لبناء المعرفة، والمساعدة في القراءة، كما أنّ الاستماع لهذه القراءة قد يدفع الأطفال إلى حكايتها على الغير بأنفسهم، وهو ما ينمي الثقة بالنفس لدى الطفل، والجرأة على طرح وجهة نظره، إضافة لإمكانية تصحيح النطق وهو ما يؤكد أهمية القراءة للطفل بشكل جيِّد ودقيق.

يقول أحد المتخصصين في هذا المجال: "يعتبر فن الحكي من أقدم وأهم الوسائل التي استخدمتها المجتمعات لتورث وتنقل عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها، والقصة هي أقدم شكل من أشكال المعرفة الإنسانية. وتأتي أهمية التواصل الشفهي "الحكي" كتفاعل اجتماعي نحاول أن نتجاوز به العزلة التي بدأ الآباء يشكون منها؛ حيث إنّ الحكي والتحاور هما الركنان الأساسيان لهذا التواصل".

 

نسج الخيال..

لقد أثبتت الدراسات التربوية التعليمية أهمية رواية الحكاية والقصة لتنمية عدد من المهارات والقدرات التي تساعد على النمو الطبيعي للطفل، مثل:

-         حصول الطفل على مهارة التواصل والحديث والإنصات.

-         تنمية الطفل لغوياً، وإثراء مخزونه من المصطلحات اللغوية، والمساعدة في الإعداد للقراءة والكتابة.

-         تنمية الطفل معرفياً بإثراء معلوماته عن العالم الواقعي المتخيل، ومده بكلّ أنواع المعارف (علوم، رياضيات، تأريخ، حضارات إنسانية...)، كذلك عرض أساليب حل المشكلات.

-         تدريب الطفل على الحوار واحترام الرأي والرأي الآخر.

-         تنمية القدرات الإبداعية للطفل من خلال مشاركته في رواية الحكاية؛ حيث إنّ الرواية التي تُحكى دون الاعتماد على كتاب – مستخدمة الإشارات، والإيماءات، وتعبيرات الوجه والجسد ومحاولة تقليد شخصيات الحكاية بالصوت والحركة... جميع ذلك يثير الأطفال ويحفزهم لتجريب رواية القصة بأنفسهم، ويدفعهم لرواية قصصهم الذاتية.

-         تساعد الحكاية بداية في التعرف على الآداب المختلفة وتذوقها، وهو ما يحقق ألفة بين الطفل والأدب، بل والقراءة بشكل عام.

-         لعل أهم ما تحققه الحكاية هو هذا الجو الحميم الودود الذي يسود جلسة الحكاية بما يمد الطفل بالشعور بالأمان والحب، إضافة للاسترخاء والمتعة.

-         تنمية خيال الطفل بإثارته لتكوين صور ذاتية عن الأشخاص والأحداث والأماكن التي يُحكى عنها. وهذا يختلف عن قراءة كتاب للطفل مصحوباً بالصور؛ فالرواية تساعد خيال الطفل على نسج الصور بنفسه، وهو ما يحتاج إليه حيث لم يعد متاحاً للطفل الفرصة الكافية لاستخدام خياله الخاص.

 

أي القصص نختار؟

أولى الخطوات هي اختيار القصة المناسبة للمرحلة العمرية:

-         ما يناسب الأطفال قبل المدرسة هو القصص القصيرة التي تدور موضوعاتها حول العلاقات الأسرية أو أبطالها من الحيوانات والأطفال. كما أنّهم يحبون القصص الكوميدية أو الفكاهية.

-         بينما يحب الأطفال بين 6-10 سنوات القصص الخرافية التي تتحدث عن الشخصيات الخارقة والمغامرات، كما تجذبهم القصص المنقولة من الثقافات الأجنبية لما فيها من معارف مشوقة.

-         ويقبل الأطفال الأكبر سناً أي بين 10-12 سنة على القصص الواقعية وقصص الأبطال التي تتضمن شخصية إيجابية، كما تستهويهم المغامرات والأساطير الشعبية.

يمكن تقسيم القصة الواحدة لعدد من الجلسات بالنسبة للأطفال الكبار، وأما الصغار فيفضل لهم القصص ذات النهاية السريعة لعدم قدرتهم على التركيز والانتباه لمدة طويلة.

وأشارت إحدى الخبيرات في فن رواية القصة إلى بعض النقاط المهمّة في هذا المجال؛ فتقول:

1-  تقرأ القصة لعدة أجزاء، ويفهم كلّ جزء ودلالته وارتباطه بباقي الأجزاء، مع التأكيد على أهم الأحداث التي تتصاعد لتصل للنهاية.

2-  تحاول الراوية أن يكون لها أسلوبها الخاص بالتعبير والتجسيد لكلّ جزء من الحدث بشخصياته وانفعالاته، ويستخدم التلوين الصوتي حتى تصل لأقصى الأصوات المناسبة.

3-  قد ترويها عدة مرّات أمام المرآة للتأكد من التجسيد التام للمعاني المختلفة، وتستخدم نبرات الصوت، وتغيرها حسب الشخصيات والانفعالات المختلفة وتستخدم اليدين والأصابع وتعبيرات الوجه للتعبير عن الانفعالات المختلفة (غضب، سعادة، خوف...).

4-  استخدام بعض العرائس أو الدمى وتوظف حسب الأحداث، وكذلك المجسّمات التي تدل على مكان حكي الرواية".

وعن توظيف العرائس في الحكاية يتحدث أحد الخبراء عن طرق عدة:

1-  كما لو كانت شخصيات الحكاية تنطق بجمل حوارية.

2-  أو تقوم بتقديم الحوارات الجانبية.

3-  قد تغنى أغنية تدخل ضمن نسيج الحكاية، ويفضل أحياناً أن تقوم العروسة بحكي الحكاية لتنبيه الطفل، أو توجيهه، أو إرشاده أو تعديل سلوكه ويستجيب الطفل للعروسة.

4-  أسلوب 3... 2... 1 ابدأ حيث يستحب تنبيه الطفل لوقت الحكاية للفت انتباهه، وقد يُستخدم لذلك جرسٌ لطيفٌ، أو تصفيقة، أو صفارة، أو أي شيء آخر يضفي مرحاً ويترك ذكرى جميلة لوقت الحكي.

وقد يصحب الحكيَّ أصواتٌ، ثمّ نحفز الطفل لاستقبال الحكاية، وذلك بعدة طرق يعرضها الخبير الذي ذكرناه، وهي:

1-  مجموعة أسئلة حول الخبرات التي ستعرضها الحكاية.

2-  تعريف الطفل بالمؤلف، وإضافة معلومات شيقة حول المكان والزمان اللذين تتم فيهما القصة.

3-  عرض الغلاف والحديث عن توقعات الأطفال حول الأحداث، وهو ما يجعلهم يتابعون بشغف للوصول لتوقعاتهم وتخيلاتهم أثناء الحكي.

4-  تحكى الحكاية بجدية وحماس وتفاعل، ثمّ يتركون دقائق لاستيعاب ما سمعوه.

5-  يمكن أن تقدم الأُم ملخصاً للقصة في النهاية وتعليقاً لتوضيح المفاهيم العامة والكلمات الجديدة، ثمّ تطلب رسم الشخصيات أو الجزء المحبب من القصة بالنسبة للطفل.

6-  ويمكن للأُم أن ترسم لوحات القصة أثناء حكيها، أو تعدها مسبقاً، أو من المفضل أن تشرك الأطفال معها في ذلك. وهذه الصور تمكن الأطفال من إعادة رواية القصة، وهو ما يزيد من مهارات التواصل ويحفزهم لإبداع حكايات جديدة، وهذا النشاط ينمي المهارات الفنية واللغوية في ذات الوقت.

وهكذا تتحوَّل القصّة من مجرد مصدر أدبي إلى مصدر إبداعي ابتكاري ينمي العديد من القدرات والمهارات لدى أطفالنا.

 

الكاتب: السيد أحمد باقر القزويني

المصدر: كتاب فن تربية الطفل

ارسال التعليق

Top