• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

المقصد التربوي للصيام في الجانب الروحي للفرد المسلم

المقصد التربوي للصيام في الجانب الروحي للفرد المسلم
الصيام من أكثر العبادات تأثيراً حسناً في الجانب الروحي للفرد المسلم، يتضح ذلك من جوانب كثيرة أهمها:

أوّلاً: الصيام بآدابه وأركانه مؤدٍّ إلى التقوى، والتقوى هي عماد إصلاح النفس، فإذا تحققت فإنّ النتيجة هي السعادة التي تنتفي معها الأحزان والهموم والخوف والفزع لقوله تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (الأعراف/ 35)، والمعلوم أنّ الخوف والحزن هما عماد اضطراب النفس، والتقوى والإصلاح ينفيان كلّ صور الحزن والخوف من المستقبل أو الحزن على الماضي، وذلك لأنّ التقوى توجد الميزان الذي يهتدي به المسلم في الظلمات وينجو به من النوائب لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (الطلاق/ 2-3)، ويظل المسلم في دائرة الولاية لله تعالى ما دام تقياً ورعاً لقوله سبحانه: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس/ 62).

أما عن آثار التقوى في سعادة المسلم في آخرته فيكفيه رضا وراحة نفس وطمأنينة قلب أن يوقن بقوله تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) (الدخان/ 51-56).

ثانياً: المسلم الذي يحب الله تعالى يداوم على الصيام فهو ينتظر شهر رمضان ليغسل نفسه غسلاً كاملاً من الذنوب والآثام، ويطهر نفسه من المعاصي وهذا يزيل الران عن القلب وذلك لما رواه البخاري بسنده عن أبي هريرة (رض) أنّ النبي (ص) قال: "مَن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه". فإذا ما انتهى رمضان صار الصوم له إلفاً، ومصدر سعادة قلبية لانشراحه برحمة الله وفضله فهو يصوم الأيّام البيض من شوال ويصوم العشر الأوائل من ذي الحجة ويحرص على صيام عرفة، ويكثر من الصيام في شعبان، ويحرص طوال العام على صيام الإثنين والخميس، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً إنْ قدر عليه، ولا يقل عن صيام ثلاثة أيّام كلّ شهر، وبهذا يظل المسلم والمسلمة في طهارة من الذنوب دائمة، وعن رسول الله (ص): "الصوم لي وأنا أجزي به، يدعُ شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطرة، وفرحة عند لقاء ربه". فهو صيام يختص به الله تعالى، ويعود فضله على العبد فرحة في الدنيا برحمة الله، وفرحة في الآخرة بنعيم الله تعالى.

ثالثاً: المسلم يجد نشاطاً روحياً خاصاً في شهر رمضان وذلك لأنّ الله تعالى يقيد مردة الشياطين ويرسل ملائكة تنادي: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر، وشعور العبد أنّ الفريضة في رمضان تعدل سبعين فريضة فيما سواه، وأنّ النافلة مثل ثواب الفريضة، وأنّه شهر العتق من النار، والعودة إلى الله، وتحرى ليلة القدر، والاعتكاف في العشر الأواخر، يمثل هذا جرعة روحية كبيرة لا تكاد تعدلها جرعة أخرى طوال العام اللّهمّ إلا جرعة الحج ابتغاء وجه الله تعالى.

رابعاً: إذا كان المسلم في رمضان يجد نشاطاً روحياً بالنهار؛ لأنّه يدع شهوته لله تعالى، فإنّه بالليل ينعم أيضاً بهذا النشاط الروحي بقيام الليل في أداء الصلاة المخصوصة لكلّ ليلة.

خامساً: من المنح الروحية في الصيام أنّ للصائم دعوة ما ترد وذلك فيما روي أنّ النبي (ص) قال: "إنّ للصائم عند فطره لدعوة ما تُردّ". هذه الدعوة مفتاح خير إلى سعادة المرء في الدنيا والآخرة حيث يلحف في المسألة لله تعالى أن يصلح له دنياه، وينعم آخرته بالفردوس الأعلى من الجنة.

سادساً: يظل المسلم والمسلمة ينتقل من خير إلى خير، فيزداد تعلق القلب بالله تعالى، ويقل تعلقه بالدنيا فيشعر أنّه بحاجة إلى خلوة مع ربه جلّ وعلا، فيلجأ إلى الاعتكاف آخر الشهر في العشر الأواخر ليزيد حبال المودة بالرغبة والرهبة والخوف والرجاء، ويشدو اللسان في الليل والنهار بقراءة القرآن، ويشنف الآذان بالاستماع إليه، ويعمل فكره في بديع خلق الله وكثرة نعمه على خلقه فتبكي العين خوفاً وفرقاً من عذاب الله، ويطمئن الفؤاد طمعاً وأملاً في رحمة الله، ويكثر القيام والقعود بين يدي رب الوجود سبحانه وتعالى فيفيض هذا على القلب رياً وعلى النفس رضاً، وعلى الجسم حيوية، وعلى الخلق رقياً، وكلما ذاقَ حلاوة الوصال واصل الصلاة بالتهجد والذكر بالدعاء، والاستغفار بالثناء، والتضرع بالبكاء، والحب بالخوف، حتى لا يحرم خيرها إلا شقي، ولا يصيبه إلى تقي، فتشبع النفس من هذا الهدير الذي يمسح على القلب، ويظل في بوتقة الحب حتى إذا جاء يوم العيد قام إليه يتلقى جائزته، ويصافح ملائكته، ويخالط الخلق بأخلاق الحقّ، يحنو على فقيرهم، ويقيل من مسيئهم فيستغفر لذنبهم، ويستحث مدبرها، فيكون قد صنع على عين الله، وحمل أخلاق الإسلام وآدابه بعد هذه الخلوة التي تعيد الإنسان إلى الفطرة السليمة، وهكذا تبقى الروح في نضارتها وطهارتها فيسعد صاحبها في الدارين.

ارسال التعليق

Top