• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

جدّدوا إيمان أولادكم

د. سمير يونس

جدّدوا إيمان أولادكم
الإيمان قضية أزلية أبدية، فهو جوهر رسالات الرسل جميعاً على مدى التاريخ الإنساني، وعليه بُنيت قضايا الدين كلها.. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء/ 25).
وليعلم كل أب وكل أمّ أن جميع الأعمال الصالحة يتوقف قبولها عند الله تعالى على صحة العقيدة، فالله تبارك وتعالى لا يقبل من كافر عملاً، قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة/ 217).
والإيمان هو الحد الفاصل بين السعداء والتعساء، والرابحين والخاسرين، والأخيار والأشرار، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة/ 6-8).
ولقد أقسم رب العزة سبحانه، مؤكداً أنّ الناس جميعاً خاسرون إلا من آمن وعمل صالحاً وتواصى بالحق والصبر، قال تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (سورة العصر).
لذلك قال جميع علماء الإسلام: إنّ علم العقيدة مفروض تعليمه وتعلّمه على الرجل، والمرأة، وواجب على كل مسؤول من والد ووالدة ومعلم ووصي ومربٍّ وأمثالهم أن يهتموا بتنشئة الأطفال على فهم مبادئه، على أن يُعطى كل حسب قدرته العقلية والنفسية، فيتدرج في تعليمه كما يُتدرج في تعليم أي علم ذي أهمية وشأن.
ولا شك في أن كل أب يريد لأولاده السعادة في الدنيا والآخرة، ومن هنا تتضح أهمية غرس العقيدة في نفوس أولادنا، وتنشئتهم على الإيمان، والاستمرار في تجديد الإيمان وتقويته، لأنّ الإيمان يزيد وينقص.
 
- مجالات العقيدة:
يتضمن علم العقيدة المجالات التالية:
1- ذات الله تعالى: فينبغي للوالدين أن يعرفا أولادهما ما يجب في حق الله تعالى، وما يستحيل، وما يجوز، وأن يغرسا في أولادهما توحيد الألوهية (أي عبادة الله وحده) وتوحيد الربوبية (أي اليقين بأنّ الله تعالى هو الخالق والرزاق وإليه المصير)، وتوحيد الأسماء والصفات (أي إنّ لله تعالى أسماء وصفات لا يصح أن يوصف بها غيره).
2- ذوات الرسل عليهم الصلاة والسلام، لمعرفة ما يجب في حقهم، وما يستحيل، وما يجوز.
3- الإيمان بالملائكة وصفاتهم، أي أنهم مخلوقون للعبادة، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا ينامون.
4- الإيمان بالكتب المنزلة من قبل الله تبارك وتعالى وحياً على رسله.
وعن المجالات الأربعة السابقة في الإيمان يقول رب العزة سبحانه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) (البقرة/ 285).
5- الإيمان بالغيب، كالإيمان باليوم الآخر والجنة، والنار، والحساب، والصراط، والميزان، وحياة البرزخ، قال تعالى: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة/ 1-5).
6- الإيمان بالقدر: خيره وشره، حلوه ومره، وأن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. قال تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) (التوبة/ 51).
وفي حديث طويل سأل جبريل عليه السلام نبينا (ص) عدة أسئلة تعليمية إيمانية، فكان من بين هذه الأسئلة: "فاخبرني عن الإيمان"، فأجاب (ص): "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".
 
- كيف تجدّد إيمان ولدك؟
أوّلاً: تعليم الأولاد مفهوم الإيمان:
فلنعلّم أولادنا أنّ الإيمان هو: التصديق الجازم بكل ما جاء به نبينا محمد (ص)، كالإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
ومن ذلك – أيضاً – الإيمان بفرضية الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والإيمان بالحلال والحرام.
والإيمان محله القلب، والعمل يصدقه، قال (ص): "الإيمان ما وقر في القلب، وصدقه العمل"
ثانياً: استخدام الأدلة المرئية المنطقية:
أذكر أن ابني في سن الرابعة من عمره سألني: إذا كان الله موجوداً؛ فلماذا لا أراه؟ ثمّ قال عقب السؤال: أنا لا أراه؛ إذن فهو غير موجود.
ولقد كنت أشاهد أحد برامج الفتوى على إحدى القنوات الفضائية، وسألت إحدى الأُمّهات المفتي السؤال نفسه الذي ورد على لسان ابنتها، وطلبت من المفتي أن يعرّفها الرد على البنت، فقال: قولي لها: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير.. ولم يكن المفتي موفّقاً في الإجابة؛ لأنّ البنت كانت لا تزال في سن الطفولة المبكرة، وهي مرحلة يسميها التربويون وعلماء النفس "المرحلة الحسية"، فهي تحتاج إلى أدلة محسوسة، أما إجابة الشيخ فتصلح لتلاميذ المرحلة المتوسطة؛ لأنّهم قادرون على استيعاب ذلك.
لما سألني ابني هذا السؤال قلت له: انظر خزانة ملابسك (الدولاب) وكان مغلقاً، هل ترى فيه شيئاً قال: لا. فأخذته من يده برفق، وسرنا نحو الخزانة، وفتحتها، وسألته: ماذا تشاهد؟ قال: ملابسي. قلت: إذن: ماذا تتعلم من ذلك؟ قال: الشيء موجود لكنني لا أراه. فسألته: هل تعرف لماذا؟ قال: لا، فقلت له: لأن قدرتك البصرية لا تمكنك من رؤية ما بداخل الخزانة، وكذلك فالله موجود لكن قدرتنا البصرية محدودة لا تراه، ومن ثمّ فالشيء يكون موجوداً برغم أننا لا نراه، ثمّ ضربت له مثالاً آخر عن طريق الحوار الهادئ الحاني أيضاً دون زجر ولا تعنيف ولا تسفيه، ولا إنكار، وذلك بالنقود تكون في جيب أحدنا ونحن لا نراها مع أنها موجودة.
ثالثاً: مناقشة النصوص الشرعية المناسبة:
يستطيع كل أب وأمّ أن يخصصا جلسة أسبوعية – على الأقل – يكون من بين فقراتها مدارسة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المرتبطة بالعقيدة والإيمان، ولهما أن يستعينا بكتب أو شرائط أو أسطوانات موثوق بها، مع إتاحة الفرصة أمام أولادهما للسؤال عما يعنّ لهم، مع تقبل الأسئلة مهما كانت ساذجة، أو تتجه نحو الشك، لأنّ الطفل خبراته ضعيفة.
رابعاً: استخدام القصة وأقوال العلماء ومواقفهم:
فللقصة أثر تربوي عظيم في التربية بوجه خاص، وفي تعميق الإيمان على وجه التخصيص.
- قصة الجنيد مع تلاميذه:
يروى أنّ الجنيد قال لتلاميذه ذات يوم: كل منكم يأتيتي المرة القادمة بفرخ مذبوح، بشرط أن يذبحه في مكان لا يراه فيه أحد!! فجاءه جميع تلاميذه وقد ذبحوا إلا أحدهم، فلما سأله: لماذا لم تطع أمري؟ فأجابه: لأنني لم أجد مكاناً لا يطلع فيه أحد عليَّ، كنت كلما ذهبت إلى مكان وجدت فيه ربي معي!!
خامساً: الإكثار من ذكر الله مع الأولاد:
فذكر الله يربي القلوب ويطمئنها، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد/ 28).
من هنا، يمكن للآباء أن يبتكروا وسائل لتعميق هذه العبادة في نفوس أولادنا والمداومة على ممارستها، ومن الوسائل المقترحة: تقديم كتيب أذكار لكل ابن أو بنت في الأسرة، لمساعدة الأولاد على حفظ الأذكار، وتعويد الأولاد أذكار الطعام والشراب، والخروج من البيت ودخوله، وترديد الآباء والأُمّهات هذه الأذكار مع أولادهم، واستخدام الملصقات ووضعها في أماكنها المناسبة بالبيت، فدعاء دخول البيت يوضع على باب البيت من الخارج، ودعاء الخروج يوضع على الباب من الداخل، وهكذا نهيئ لأطفالنا بيئة إسلامية يشبون فيها، ويألفونها، ويسعدون بها.
سادساً: إحياء عبادة التفكر:
التفكر عبادة منقرضة من حياة المسلمين الآن، وما أحوجنا إليها الآن لنشارك فيها أولادنا، وقد حث عليها القرآن الكريم، ودعت إليها السنّة المطهرة.
ويمكن للآباء أن يشركوا معهم أولادهم في عبادة التفكر بأنواعها المتعددة، وذلك بدعوة الوالدين للأولاد للتفكير في:
1- مخلوقات الله: لقوله تعالى: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران/ 191).
ومن مخلوقات الله التي إن أعملنا فيها عبادة التفكير كان لها تأثيرها القوي: الإنسان.. قال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات/ 21)، ومن هذه المخلوقات أيضاً: الشجر، والحيوان، والنبات، والماء، والأرض، والسماء.. وغير ذلك كثير.
2- التفكير في آي القرآن الكريم: قال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد/ 24).
3- التفكر في أحوال الموتى: فلذلك أثره في الإيمان، ومن هنا فمن المفيد للأب أن يصحب معه ابنه لزيارة المقابر، وحضور دفن الموتى، وتشييع الجنازات، وحضور العزاء، وخاصة مَن هم في سن التكليف وما بعده من أبنائنا.
4- التفكر في مداولة الأيام بين الأفراد والأُمم: فتفكر الإنسان في فرد كان غنياً فافتقر، أو قوياً فضعف، أو العكس، وكذلك في أحوال الأُمم يزيد الإنسان إيماناً، وقد أكد رب العزة ذلك في قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران/ 140).
وما أروع قول الله تبارك وتعالى في ذلك: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران/ 26).
·       أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد

ارسال التعليق

Top