• ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٤ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

دور المثقف في نهوض المجتمع المسلم

إبراهيم العبادي

دور المثقف في نهوض المجتمع المسلم

في التعاريف الأولى، اطلقت كلمة مثقف على أولئك المشتغلين بفكرهم لا بأيديهم في فرع من فروع المعرفة، والذين يحملون آراءً خاصة بهم حول الإنسان والمجتمع، ويقفون موقف الاحتجاج والتنديد إزاء ما يتعرض له الأفراد والجماعات من ظلم وعسف من قبل السلطات، أياً  كانت سياسية أو دينية.

ثمّ اتسع مفهوم المثقف ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثقافة إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً، الثقافة بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن والعلم والدين، هؤلاء الذين يمكن التمييز فيهم بين نواة تتكون من المبدعين والمنتجين من علماء وفنانين وفلاسفة وكتاب.

لكن مقولة (المثقفين أخذت تنصرف في الأعم الأغلب إلى معنى قوي عندما تستعمل من منظور سياسي أيديولوجي يهتم بالدور الذي يقوم به هؤلاء في حياة المجتمع.

إنّ هناك خصائص ذاتية تجعل صنفاً من المشتغلين بالمعرفة يمتازون عن نظرائهم ويتركون أصداءً اجتماعية قوية، وتأثيراً حاضراً في أجيال المجتمع. فالمثقفون هم أولئك الأفراد الذين يسمون بوعيهم وسلوكهم فوق مستوى الاستغراق في المشكلات المباشرة، التي تفرضها الحياة اليومية، ويتخطون كلّ أنماط التشكل والتكيف بالواقع الحياتي المحيط بهم؛ لكي يتصلوا من خلال قدر من التجريد والتعميم بالمشكلات، التي تعكس وجدان عصرهم أو مجتمعهم أو تراثهم القومي... ليرتقوا من خلال التشيع المنتج بمشاغل أهلهم وهمومهم وتطلعاتهم من الخصوصيات إلى العموميات فيعبروا عنها تعبيراً يجد أصداءً وآثاراً ممتدة في الحياة الاجتماعية.

وبشكل عام فإنّه رغم وجود اتجاهات متعددة لتحديد من هو المثقف سواء في نظرتها إليه من ناحية وصفية أو وظيفية، لكن مجموع التعريفات تشترك في القول! إنّه الشخص الذي يبدع ويفكر ويصنع المجتمع – باعتباره مدافعاً عن حقوقه وعاملاً على رفع مستواه الفكري والأخلاقي – من خلال منظور نقدي فيحاول تغييره إلى الأفضل.

وعلى كثرة العاملين في الحقول المعرفية، إلا أنّ المثقف يمتاز من بينهم بخصوصية الدور والمهام التي يقوم بها، يقول الجابري (فالمثقف يتحدّد وضعه لا بنوع العلاقة بالفكر والثقافة، ولا لكونه يكسب عيشه بالعمل بفكره وليس بيده، بل يتحدّد وضعه بالدور الذي يقوم به في المجتمع كمشرع ومعترض ومبشر بمشروع، أو على الأقل كصاحب رأي أو قضية).

ويميز بول باران بين صنفين من المشتغلين بالفكر، فيسمى الصنف الأوّل عمالاً فكريين، والصنف الثاني المثقفين والحدّ الفاصل لدى باران هو توفر شرطين لكي يسمى الشخص مثقفاً، الأوّل، الرغبة في الكشف عن الحقيقة، والشرط الثاني: هو أن يكون شجاعاً، أن يكون مستعداً للذهاب بالبحث العقلاني إلى أبعد مدى.

إن كون المثقف ناقداً اجتماعياً! ومشروعاً تغييرياً وصاحب رؤية تحليلية، يجعله بمثل العقل النقدي القائد للمجتمع والمبشر بأفق انتقاله إلى مرحلة جديدة من تاريخه، لذلك يمتاز المثقف العامل في الوسط الاجتماعي، المهتم بواقع المجتمع من الأكاديمي أو التقني صاحب الفكرة المجردة المرتبطة بمجال تخصص معين، التي لا تمسي في تأثيرها الواقع الاجتماعي إلّا بقدر محدود وغير مباشر.

من هنا جاز لنا الحديث عن ضرورة توفر هذا النمط الملتزم والفاعل من المثقفين المرتبطين ارتباطاً عضوياً بقضايا المجتمع المدافعين عن حقوقه، المساهمين في إنارة طريقه وتطوير وعيه، وتتأكد خصوصية وقيمة هذا النمط إذا اقترنت من موقع امتلاك ناحية الاجتهاد وإحراز درجة الفقه والفتيا، فمثل هذا المثقف المرجعي ستكون له مكانتان، المكانة الأولى – مكانة الفقيه الذي يحتل موقعاً سامياً منحته إياه الشريعة الإسلامية، وترسخت جذوره في البنية الاجتماعية على مدى تاريخ الإسلام، ومكانة المثقف، المثقف العضوي بتعبير انطونيو غراميش تمييزاً له عن المثقف التقليدي المدافع عن مصالح السلطة المتناقضة مع مصالح المجتمع.
فالفقيه من موقعه كعالم بالشريعة والمدافع عن رسالة الدين في حياة الناس، والحريص على رفع مستوى الالتزام العام للأُمّة بالتكاليف الإسلامية من خلال بيان هذه التكاليف، وحماية مصالح الجمهور والدعوة إلى العدل والعمل والعلم كقيم أساسية، والمثقف من موقعه كصاحب رؤية في تقدم المجتمع وحريته والإجابة على أسئلته القلقة، والمدرك لحقائق العصر، والمواكب للحاجات المستجدة والقضايا المستحدثة والطارئة، القلق على تخلف المجتمع في المضمار الفكري والثقافي والموقع الحضاري، هذا الصنفان هما اللذان يستطيعان المساهمة في استنارة المجتمع وتحرره وتغييره من خلال مشروع قائم على نظام فكري وقيمي وعملي.

وإذا توفر الانسجام بين هذين النمطين، واستطاع أحدهما أن يكمل الآخر فإنّ الأُمّة ستكسب الكثير، لكن هناك حقيقة ينبغي الاعتراف بها، وهي أنّ المثقف يعاني من إشكالية عدم الحصول على الشرعية الدينية، هذه الشرعية التي تسلبه القدرة على العمل والإبداع وممارسة الدور المناط به، وبينما ينصرف الفقيه إلى العمل وهو أيضاً مثقل بمشاكل كثيرة منهجية وتاريخية ورؤيوية تصده عن ممارسة الدور الذي يمارسه المثقف في عالمنا المعاصر، فإنّ الخسارة ستكون كبيرة، ولذلك لابدّ من أن يتجاوز الفقيه العوائق، التي تعيد له ممارسة دوره الأساسي المنبثق من صميم الإسلام، والذي هو في جوهر تعضيد لوظائفه الشرعية، أعني بها ممارسة المهمة النقدية البنائية؛ لأنّه يمتلك الشرعية الكاملة، ولأن قيادة المهمة التغييرية بكلّ ما فيها من هدم وبناء مناطه به أوّلاً وهو المسؤول عنها، بل إنّه يرفض أن يتولاها – من لم يمتلك ناحية الاجتهاد؛ لأنّه عنوان الحصانة الفكرية.

 

دور المثقف:

لا يمكن تحديد مفهوم ومعنى المثقف إلا من خلال التعرف على أدواره في المجتمع انطلاقاً من المكانة والوظيفة التي يمارسها، فعلى ضوء أهداف المهام الفكرية التي يقوم بها، يتميز عن غيره من المشتغلين بحقول المعرفة كاختصاصيين من موقع أكاديمي صرف مع هامش محدود في المجال التربوي والأخلاقي.

يتحدث ريمون آرون عن أدوار المثقف فيحصرها في ممارسة الآتي:

1-    نقد منهجي ينحصر في الملائمة بين المناهج الفكرية والتغيير الاجتماعي.

2-    نقد أخلاقي يكمن في بيان التناقض بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

3-    نقد أيديولوجي وتاريخي يقوم على نقد الواقع والتطلع إلى مستقبل أفضل.

إنّ ممارسة مهمة التحدث بلسان المجتمع مع كشف الخلل العام والأزمات التي يعاني منها. والتأثير على طريق الخروج من المآزق عبر فتح منافذ وبوابات التغيير، وتكيف المجتمع مع التحولات والتطورات الجارية أو تهيئته نفسياً وفكرياً للتلائم مع هذه تحولات، هي التي تعطى لمن يقوم بهذه الأدوار مكانته في المجتمع، وهي المكانة التي يحتلها المثقفون في عالمنا المعاصر.

وبهذه المواصفات، فإنّ المثقف لابدّ من أن يمارس دور التنوير والتنظير والمشاركة في الحوار الثقافي العام، الذي يولد على أرضية الأسئلة التي تجول في عقل الفرد والمجتمع والمتأتية بدورها من الاحتكاك والتفاعل مع الآخر والمتولدة من متغيرات العصر ومتطلباته، والهدف العام من هذا الدور هو إشاعة ثقافة حرة وحية وفاعلة تلامس عقول الناس منبثقة من صميم البناء الفكري المحدّد لذات وشخصية الفرد والمجتمع، إنّ هذا الدور يعني بناء الوعي بشكل مستمر من خلال معاينة مشاكل الحاضر، وصلتها بمشاكل الماضي، وطريقة استمرار تلك المشاكل في وعي وثقافة وذاكرة المجتمع، وعبر النقد والتصحيح ومواجهة التحديات يستطيع الوعي أن يترسم مشروع المستقبل في أطره العامة.

(يتحدّد دور المثقف.. (بـ) تحليل حاضر المجتمع وتحديد مشكلاته بوعي تاريخي، توعية الناس بتلك المشكلات وتحديد أهداف المجتمع وبلورة وعيه حول تلك الأهداف، إشاعة وتأصيل الثقافة الجادة ووحدتها، إقامة المؤسسات الثقافية وتنشيطها وحمايتها، مواجبة سلبيات الواقع ونقدها).

وبالإجمال فإنّ (المثقف هو لسان حال المجتمع، يتبنى قضاياه ويدافع عنها، فيعطي الحياة الاجتماعية مغزاها، ويعصرنها من خلال تصديه للمتغيرات المحلية والدولية والبحث في أبعادها الاجتماعية.

 

المصدر: كتاب الاجتهاد والتجديد/ سلسلة قضايا إسلامية معاصرة (2)

ارسال التعليق

Top