• ٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

ديننا يدعونا إلى إيجابية الأمل

د. عمرو خالد

ديننا يدعونا إلى إيجابية الأمل

◄إنّ خطورة اليأس أنّه يهز عزيمة المسلمين، ويُزعزع عقيدة القضاء والقَدَر عندهم، فيفقدون القدرة على الحركة، لأنّه توجد لديهم قيمة يسعون وراءها، ولو وجدت القيمة فلا توجد الهمة.

إنّ الأُمّة المنهزمة ليس لديها ما ترجوه.

إنّ اليأس خطير جدّاً، خاصة إذا ظهر وسط الظلمة. أتدرون لماذا لا نجد تفوّقاً في أي مجال، لا رياضياً ولا ثقافياً ولا أدبياً، إلا بعض المتفرقات التي لا يُقاس عليها؟

لأنّ الإحباط يُورث الفشل، واليأس ينزع الثقة بالله من النفوس، فيبدأ الانهيار.

إنّ الأمل إيجابية، وديننا يدعو إلى الإيجابية، ويجب أن يظل الأمل موجوداً، ويجب أن نزرعه في نفوسنا. مناحي الحياة. إنّ الأمل طاقة جبّارة دافعة إلى الحركة والإنتاج، ومن دون أمل يفقد كل كلامنا معناهُ، ومن غير بصيص الأمل أخبروني.. كيف يحدث التغيير، إذا كان ليس هناك فائدة؟

إنّ ديننا دين البُشرَى والبِشارة. والبشرى في معناها هي إدخال السرور على الشخص حتى يظهر على بشرة الوجه، فتنفرج الأسارير وتفرح وتسعَد.

وتَعَال اسمع معي قول الله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ...) (البقرة/ 25).. (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران/ 170). وقال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة/ 155)، وقال أيضاً: (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الحج/ 37).

هناك في القرآن 50 أو 60 آية تتحدث عن البُشرى. وكلمة "البَشريّة" نفسها مُشتقة من الاستبشار، أيّ أنّ الأمل أصيل في أمّتنا. الزُّرَّاع يطلقون على الزَّرع الجديد اسم "بشائر" لأنّه بداية الامل في الثمار.

والأمل أيضاً للأنبياء. فقد قال الله تعالى عن سيّدنا إبراهيم: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) (الصافات/ 101) وعن السيدة سارة: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود/ 71)، وقال عن زكريا: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) (مريم/ 7)، وأيضاً: (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) (آل عمران/ 45).

وهناك ملحوظة هي أنّ البشارة جاءت للأنبياء بالولد، حتى في سورة يوسف: (يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ) (يوسف/ 19).

إلا بُشْرَى أمة محمد (ص)، فكانت البُشْرى بالرسول (ص): (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصف/ 6).

بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) (البقرة/ 119).

ونجد أنّ البشرى تظهر في الإسلام في أحْلَك الظروف. فعند موت السيدة خديجة الحبيبة والزوجة، جاء جبريل ليقول للنبي (ص): (بَشِّر خديجة بقصر مِن قَصَب في الجَنَّة).

ويقول (ص) لجابر بن عبدالله بن حرام، وهو ينظر إلى أبيه وقد مَثَّل المشركين به: "أفلا أبشّرُكَ بما لَقِيَ الله به أباكِ". قال قُلتُ بَلَى يا رسول الله. قال "ما كَلَّمَ الله أحداً قطّ إلا من وراء حجابٍ وأحيا أباك فكلمةُ كِفاحاً"، أي مُواجَهَةً.

إنّ ديننا دين أمل، وكلمة أمل معناها في المعجم تَوقُّع حدوث شيء طيّب في المستقبل مُستبْعَد حصوله. فتعالوا نتساءل: هل الأمل قضية تَرَف أم قضية عقديّة؟ بمعنى: هل الأمراض فرض أم رفاهية وفضل؟

الأمل يا سادة فرض: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف/ 87).

سبحانه وتعالى خلق الرحمة على مئة جزء، فأنزل إلى الأرض جزءاً تتراحم به الخلائق، وأبقَى 99 لذاته يرحمنا بها. إذن، يجب أن يكون هناك أمل.

قال تعالى: (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأنعام/ 12). وهو سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف/ 156).

عن أبي هُرَيْرة (رض)، قال: قال رسول الله (ص): "لمّا قَضَى الله الخَلْقَ، كَتَبَ في كتابِهِ، فهو عندهُ فَوقَ العَرْشِ": (رحمتي غَلَبَتْ غَضَبِي) – رواه البخاري.

لو شككنا في رحمة الله تعالى، تُصبح لدينا مشكلة إيمانيّة كبيرة. لكن هذا ليس معناهُ أنّ اليائس من رحمة الله كافر. لا، بل عنده صفة من الصفات السلبية. فصفة اليأس ليست من صفات المؤمنين. فهل ترضى أن تحمل صفة ليست من صفات المؤمنين؟

أرجوك، لا تيأس، واستبشر وانشر الأمل حولك. اجعل محنتك وما تمرُّ به من أزمات دَفْعَة إلى الامل. اجعلها دفعة إيجابية.

أيُّها البطل الرياضي، ويا أيها الشاب، ويا أيها التلميذ، ويا كل أم وأب.. ازرعوا الأمل في نفوسكم ونفوس أولادكم. ويا مَن تلعب الرياضة.. اذهب وتفوَّق، ويجب أن يكون لديك الأمل، وأنك ستشارك في الأولمبياد، وستحصل على الميدالية الذهبية.

فنحنُ أمّة مُقدَّر لها أن تَتفوّق بإذن الله لو أخذَت بالأسباب. ولِمَ لا؟

تعالوا نَحْلم حلماً نَحْيَا به ومن أجله حتى نُحقّقه. هذه ليست مُهاتَرات. هذا هو الأمل، ومعه الإيجابية والثقة بالله. بهذه التَّليفة يكون الحلم.

فلماذا لا نحلم؟ والأمل بدايته حلم. وتأكّد أن تَحْلم بأمر تُريد أن يتحقق، فتعيش من أجله، ولابدّ أن يتحقق. هذه سُنة الله في الكون: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا) (فاطر/ 43).. (صدق الله العظيم).►

ارسال التعليق

Top