• ١١ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ٢١ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

في الحب وجمالياته

بشير زهدي

في الحب وجمالياته

     ◄هناك صلة بين الجمال والحب. فليس هناك أجمل من الحب. وإن كل نفس تهفو إلى الجمال وتحبه.

    اهتم بدراسة الحب الكثيرون. وتغنى الشعراء والأدباء والقصصيون بجمال الحب وسحره. وأبدع الفنانون أجمل الصور والمنحوتات المتعلقة بالحب وجماله. واهتم السينمائيون بالحب وقصص المغامرات العاطفية المثيرة.

    واهتم الفلاسفة بالحب ومشاكله، وجمالياته وقضاياه المختلفة. وحرص الميثولوجيون على رواية القصص الميثولوجية المتميزة بجمال الفكرة وتحليل القصة.

    كل هذه يؤكد أنّه ليس هناك أجمل من الحب، وليس هناك أطرف من قصصه عبر العصور. فالحب موضوع السهرات واللقاءات، والاجتماعات الودية. ويبدو تاريخ الحب بمثابة تاريخ الإنسان والإنسانية. فقد رافق الإنسان عبر العصور. وأثار شاعره عواطفهن وراقب مغامراته وطموحاته. وتدور كتب الأدب حول الحب وجمالياته. وتشكل قصائد الغزل في مختلف أقطار العالم أهم ميادين الآداب العالمية شعراً ونثراً، وقصة وأقوالاً مأثورة. وإذا كان (أوفيد OVIDE) اشتهر بكتابه (في الحب)، فإن (ابن حزم القرطبي) اشتهر بكتابه (طوق الحمامة) الذي عالج فلسفة الحب وجمالياته بأسلوبه الأدبي الجميل. كما نجد روائع الشعر العذري والشعر الصوفي تعبّر عن الحب وجمالياته وآدابه وأخلاقياته..

    

    - الحب في القصص الميثولوجية:

    توارثت الأجيال المتعاقبة أطرف أساطير الحب العاطفية في مختلف أقطار العالم. وتعتبر أسطورة (إنانا/ عشتار) ربة الحب والحرب من أجمل أساطير الشرق القديم التي جسدت في هذه الربة كل صفات المرأة وأنوثتها وطباعها وعاداتها وعواطفها، وميولها ومواقفها. وقد تغنّت ببيتها الجديد قائلة:

    سآخذ حبيبي إلى هناك

    حيث يضع يده بيدي

    وقلبه جانب قلبي

    والجدير بالذكر أنّ الشاعر السومري القديم أطلق على هذا البيت الجديد اسم (بيت الحياة). فالحياة توجد وتتجدد بزواج (إنانا/ عشتار) من (دموزي/ تموز).

    ومن أجمل الأساطير المصرية العاطفية أسطورة (أوزيريس) و(ايزيس).

    وتميزت الأساطير اليونانية بقصصها العاطفية وأخص بالذكر منها أسطورة (أيروس) وربة الروح (بسيشه). هناك أسطورة العاشق الشاعر الموسيقار (أورفه).

    اعتبر اليونان (ايروس) رب الحب أجمل الأرباب، وتخيلوا صورته فتى جميلاً بنى قصره في قلب الإنسان العطوف والرقيق والشفاف. وقد ولد يوم ولادة ربة الجمال (آفروديت/ فينوس)، مما يجعلنا نستنتج صلة الجمال بالحب.

    كان (ايروس) جميل الصورة، كثير الفعالية، عذب الحديث، سهمه لا يخطئ، يشكل في القلب نار العاطفة المتوهجة نوراً. وإذا كان بعضهم صوره ضريراً مكفوفاً فذلك للتعبير عن فكرة (الحب الأعمى). وكانت ربة الروح (بسيشه) ذات جمال ساحر، جذب الكثيرين، وصرفهم عن جمال ربة الجمال (آفروديت) مما جعل هذه الربة تطلب من رب الحب الانتقام من (بسيشه) التي أولع بها. انتقلت ربة الروح إلى روضة جميلة ينتشر منها عبير الأزهار وشذى الورود. وكان يزورها رب الحب ليلاً دون أن يدعها ترى ملامحه. فحاولت (بسيشه) في إحدى الليالي أن تعرف ملامح وجه حبيبها. ففاجأته أثناء استغراقه في نومه. فإذا بقطرة زيت تسيل على كتفه وتوقظه. مما جعله ينفعل لعدم تقيد (بسيشه) بعهدها.

    ندمت (بسيشه) على ما قامت به، فأخذت تتردد على المعابد باحثة عن حبيبها رب الحب. الذي كان يساعد حبيبته على تحمل المعاناة. وعند وفاة ربة الروح حصل رب الحب من (زيوس) على الخلود لحبيبته (بسيشه).

    تأثر الفنانون بقصة (بسيشه) فأخذوا يصورونها (فتاة جميلة ذات جناحين) تتطلع إلى الخلاص من سجن الجسد.

    نرى في هذه الأسطورة عدداً من (قضايا الحب) وبخاصة:

    - الغيرة: إنّ الحب أناني يرفض كل شريك ثاني.

    - رغبة المرأة في المعرفة والاطلاع.

    - عدم كتمان السرّ.

    - العاطفة الإنسانية النبيلة بين الزوجين الحبيبين.. إلخ.

    وتحدث أفلاطون في كتابه (فيدر) عن قصة خلق الكون الجميل والكائنات ونشوء الحب، وحلم كل من الرجل والمرأة بفرحة اللقاء.

    

    - تاريخ الحب:

    يعتبر (تاريخ الحب) أطول التواريخ عمراً، وأكثرها غنى وتنوعاً. وأشدها جاذبية، وأوسعها انتشاراً في أقطار العالم عبر العصور.

    عالج المنكرون قضايا الحب المختلفة. وحاولوا تعريف الحب ودراسة مظاهره وعلاماته، وأنواع وآثاره، وانتصاره وخلوده بأثر خالد.. وتحدثوا عن الحب والمحبين، وأجمل ما قيل في الحب (من شعر ونثر، وقصة وفكاهة، وحكم وأقوال مأثورة..). وعالجوا مواضيع آداب الحب وأخلاقياته وجمالياته، وضحاياه وشهدائه.. وعلاقة الحب بالطب والحياة والسعادة.. وموقف المجتمع من العشاق والمحبين..

    وشهدت أقطار العالم احتفال الشباب والشابات بعيد الحب، عيد القديس (فلانتين) في 14 شباط من كل عام.

    

    - الحب والوفاء:

    يعتبر الوفاء والإخلاص والإيثار من أجمل خصائص الحب. ومن القصص العاطفية المنشورة في (ملحق الثورة) قصة (الحب والوفاء) التي جاء فيها ما يلي:

    كانت مريضة في دار ابنها في (لوس أنجيليس)، وقد مضى على وفاتها عام، ومع ذلك كان زوجها يتخيلها باستمرار كأنها في رحلة جغرافية أو مهمة دراسية. وكان يحبها حباً صادقاً وقوياً في أعماقه. والحب الصادق خالد لا يموت. وإن ذكريات الأحباب عذبة لا يمحوها مرور الأيام. لقد جعل بيتها كمتحف وفاء. كل ما فيه من صنع يديها وكما تركته قبل أن تغادره للمعالجة الطبية، دون أن تدري أنها لن تعود إليه. وإن كل ما أضيف إلى بيتها عدد من صورها الشخصية الفنية رسمتها ريشة كبار الفنانين المختصين بهذا الفن. فكان يقف أمام كل منها بخشوع وحب كمن يقف أمام أيقونة السيدة العذراء، أو كأنّه في حوار عاطفي صامت معها، يتغزل بها مردداً أقواله العاطفية والصوفية:

    هل تعلمين من أنت؟

    أنت كلي أنا وأنت..

    وعندما يتفجر ينبوع الحزن الإنساني في أعماقه، وتنهمر الدموع من مآقيه، كان يردّد بصمت حزين قائلاً:

    إذا فرَق (الموت) بيننا إلى الأبد

    فإنّ (الحب) يجمع بين قلبينا إلى الأبد

    

    - محاولات في تعريف الحب:

    اختلف الباحثون في تعريف الحب، وتحدثوا عنه بلغات ومواقف مختلفة كاللغة الشعرية واللغة الأخلاقية، واللغة البيولوجية، واللغة الاجتماعية، واللغة الصوفية.. إلخ. ومن أجمل تعاريف الحب ما يلي:

    - الحب هو الشعور النبيل المتميز بالقوة والقيمة الأخلاقية والسلوك المثالي والإخلاص اللامحدود واللامتناهي والوفاء الصادق والإيثار المتميز.

    - الحب أنبل العواطف الإنسانية، وتبادلها بصدق وإخلاص ووفاء ورغبة.

    - الحب هو ما تهفو إليه النفوس والأرواح.

    - الحب شعور نبيل ينعش الروح ويفرح القلب.

    - الحب غبطة روحية، تغمر قلبي المحبين، وتشعرهما بسعادة غير محدودة.

    - الحب شعور عاطفي نبيل يغزو القلب وينعشه، ويفرح الفؤاد ويأسره بضمه العاطفي إلى قلب المحبوب، لتوحيد عواطفهما وسعادتهما وطموحاتهما وتطلعاتهما.

    - الحب شعور نبيل يطرق بابي قلبي المحبين في صدفة سعيدة ويربطهما برباط مقدس خالد وأبدي.

    - الحب رباط مقدس بين قلبي المحبين إلى الأبد.

    - الحب هو ما يتجلى فيه سحر الحياة العاطفية وجمالياتها.

    - الحب شعور إنساني نبيل ينعم به المحبان في فراديس السعادة الأرضية.

    - الحب شعور إنساني نبيل يتميز بالخلود مدى الحياة وما بعد الحياة.

    - الحب كالحياة نعمة يتمتع بها المحبون للحياة السعيدة.

    - الحب (ألف باء) قصة الحياة السعيدة.

    كل ذلك يجعلنا نقول أنّ (الحب جدير بكل الحب).

    

    - أنواع الحب:

    للحب أنواع عديدة، أو درجات مختلفة، وبدايات طريفة تحدث عنها الباحثون في مختلف أقطار العالم.

    فهناك الحب الإلهي عند الصوفيين، والحب الأخلاقي عند العذريين.. وهناك حب الأسرة كالأب والأُم والأخ والأخت والأقرباء.. وهناك حب الوطن والمواطنين والأصدقاء والزملاء.ز وحب الثقافة والعلوم والفنون والآداب والرياضة.. وحب الطبيعة، وحب السياحة والرحلات، وحب الشهرة، وحب الذات.. وحب المال والعمل.. إلخ.

    وكان القديس أوغسطين يقول بأننا لا نجد سعادتنا إلا في الله. فالله وحده هو الحياة السعيدة. وعلى الإنسان أن يحب الله.. وكان ابن حزم القرطبي يرى أنّ المحبة ضروب وأنواع، وأفضلها محبة المتحابين في الله. ومحبة القرابة، ومحبة الألفة.. وهناك من اعتبر كتاب (ترجمان الأشواق) للشيخ محي الدين بن عربي بمثابة طريق إلى (الحب الإلهي).

    كما اهتمت كل من (رابعة العدوية) والقديسة (تيريزا دافيلا) بالحب الإلهي. فإذا كان هناك حب متجه من عالم الأرض إلى عالم السماء، فإن هناك أيضاً حباً من عالم السماء إلى عالم الأرض..

    

    - مظاهر الحب:

    للحب مظاهره المختلفة وعلاماته المتميزة التي تتجلى في أحاديث الحب وملامح وجهه ونظرته الحياتية، ويميز بعضهم مرحلتين هما:

    - مرحلة ما قبل التجربة العاطفية والزواج الشريف.

    - مرحلة ما بعد التجربة العاطفية والزواج الشريف.

    فالحب الذي يغمر بعاطفته الإنسانية النبيلة قلب المحب يترك أثره الكبير في كلامه وملامح وجهه وموقفه من الآخرين بل ومن الكون كله الذي يبدو له جميلاً، كأنّه يراه لأوّل مرة بهذا الجمال.. فليس هناك أجمل من (قمر المحبوب) يضفي الجمال على هذا الكون العظيم وكائناته المختلفة الجميلة بإشعاعه العاطفي..

    وذكر أفلاطون في كتاب المأدبة على لسان (أجاثون) إنّ الحب يمقت الشيخوخة، ويفر منها، ويتعلق بالشباب، إنّه الشباب الدائم.. وإن من نعم الحب على الإنسان أنّه يجردنا من الاعتقاد بأننا غرباء فيما بيننا، ويجعلنا الحب نفيض بالاعتقاد بأننا من ذوي القربى، وتعقد تحت لواء الحب جلسات الفكر والسحر والعبادة.. والحب هو الأجمل والأفضل يفتن عقول البشر.. إنّه مصدر الشعر والفنون الجميلة.. وعندما يحب البشر يتحولون إلى شعراء، وتستجيب نفوسهم لنداء الجمال.

    وكان الشاعر الفرنسي (فكتور هوغو) يقول أن تحت شعري الأبيض يعيش (حب الربيع)، لأنّ الضياء لا يعرف معنى الشيخوخة. إنّ الحزن مقدمة الفرح وسيمفونية الحياة، إذا عرفنا كيف نستمع إليها، كي تتحول إلى أناشيد النصر..

    ويؤكد الباحثون أنّ للحب حرارته ودفأه، وشعلته ونوره، وضياءه ووفاءه، وهذا من أجمل مظاهره وصفاته..

    

    - انتصار الحب:

    الحب قوة متميزة تولّد القوة، وتعجز القوى المختلفة عن إكراه الحب الذي يبدو أنّه لا يقهر. وأنّ الحب بقوته الكبيرة يسهم في تحقيق ما تعجز عن تحقيقه أقوى إرادة. ويتمتع الحب بفضيلة الصبر وتحمل المعاناة والآلام والحرمان. ويتميز الحب بالتفاؤل بالمستقبل المنشود والغد الأفضل المرغوب فيه.

    وإذا كانت العبرة للنهاية، فإننا نرى الأدباء والمفكرين يهتمون بإبراز أهمية نهاية القصة العاطفية التي ترضي القراء والمستمعين والشاهدين. ويمكن تميز نماذج نهاية القصص العاطفية كما يلي:

    - تنتهي القصة العاطفية (بنهاية سعيدة) مثل زواج المحبين وسعادتهما في حياتهما الزوجية السعيدة وذلك بعدما تجرع كل منهما كأس مرارة البعد والعذاب بل والاكتئاب..

    - تنتهي القصة العاطفية بنهاية متميزة بانتصار الحب على القيود المختلفة والمصاعب العديدة، والمتاعب المتنوعة.. أضف إلى ذلك أثر العادات والتقاليد الاجتماعية والفوارق الطبقية والاقتصادية والثقافية.. ومواجهة كل هذا بالصبر الجميل، والتضحية والوفاء، والإخلاص وحسن التصرف بسلوك أخلاقي..

    - تنتهي القصة العاطفية بنهاية حزينة وقاتمة وكئيبة ومأساوية.

    

    - من قصص الحب:

    حاول (عروة) الزواج من (عفراء)، ولكن قلة ماله حال دون ذلك في حياتهما. فقد رفض الأب أن يزوجه من ابنته لفقره وضيق يده.. ولكنهما تعانقا بعد الموت بهيئة شجرتين متلفتين.. وكان المارة ينظرون إلى هاتين الشجرتين الجميلتين ويتساءلون عن اسم هذا النوع من النبات.

    والجدير بالذكر أنّ المجتمع العربي كان يقدر العشاق ويحترمهم ويتحدث عنهم بكثير من التقدير والإعجاب بوفائهم.

    وهناك أيضاً قصة حب تتحدث عن عادات اجتماعية حالت دون إجراء عرس (عتبة) و(ريا). وبعد وفاتهما نبتت على قبرهما شجرة جميلة متميزة بألوان ورقها يقال لها (شجرة العريسين: عتبة وريا).

    وقيل أن عبدالملك سمع بنبأ مجيء (بثينة) التي تغزل بها (جميل)، فرغب أن يلتقي بها، فوجدها امرأة عادية، فقال لها كيف ملأ (جميل) الآفاق في الحديث عنها، والتغزل بها، فأجابته: كان جميل يرى فيّ ما لا تراه..

    وأنشد (شاب هندي) في (الجمال النسائي) لدى محبوبته قائلاً: بعدما خلق الخالق عينيك بأزهار اللوتس، وأسنانك كالياسمين، وشفتيك كأزرار الورود الحمراء الجميلة.. كيف أراد يا عزيزتي (أن يخلق قلبك من الحجر؟).

    

    - كثرة مفردات الحب في اللغة العربية:

    تميز العرب بالعواطف الإنسانية النبيلة المتميزة. ومن صفاتهم الرقة وحسن التعبير عنها بألفاظ عربية جميلة تدل على أهمية هذه العواطف. وقد تحدث الباحثون أنّ للمحبة في لسان العرب ستين اسماً. فهناك: المحبة- العلاقة- الهوى- الصبوة- الصبابة- الشغف- المقه- الوجد- الكلف- التتيم- العشق- الجوى- الدنف- الشجو- الشوق- الشجن- اللوعة- الفتون- الود- الغرام- الهيام- التدليه- الوله- التعبد.

    

    - ضرورة الحب وحاجة الإنسان إليه:

    يعتبر الحب عاطفة إنسانية نبيلة تلبي متطلبات الإنسان الضرورية، وتعبر عن حاجته إلى هذه العاطفة التي من شأنها أن تلبي الرغبة الإنسانية الفطرية والضرورية، وتنشر التعاطف والتلاطف والتآلف والمشاركة الحياتية السعيدة بين المحبين، حتى إن أحد المحبين ردّد قائلاً: إني أحب كي أحيا، وأحيا كي أحب. فالحب يدل على السعادة المنشودة. وإنّ الحضارات من ثمرات الحب الذي يعلمنا آداب القول وحسن التصرف بتهذيب وإبداع كل ما هو مفيد وجديد.

    ويسهم الحب في حسن الإعداد للزواج الشريف وإنجاب البنين والبنات وإعمار الأرض، وإثارة الشعور بالفرح والسرور والسعادة الحقيقية في الحياة الزوجية السعيدة، والتمتع معاً بجمالية الحياة التي هل أجمل ما في الحياة. فالحياة فن ويجعلها الحب أعظم الفنون.

    فالحب يسهم في اكتشاف التآلف بعد مرحلة التعارف. ويحقق رغبة المحبين في الحياة المشتركة السعيدة. فليس هناك مثل الحب الذي يسهم في تهذيب الإنسان ورقيه، والسمو بعواطفه الإنسانية وميوله الحياتية، والتمسك بالعفة والفضيلة، والمروءة والقيم الإنسانية والأخلاقية. فهو الذي يحرر الإنسان من عزلته وكآبته، وآلامه ومعاناته المختلفة، ويشجعه على العمل بأمل في سبيل تحقيق أحلامه وأمنياته وتطلعاته..

    

    - الحب والمتناقضات:

    تبدو الحياة مليئة بأخبار وأسرار ومتناقضات مختلفة اهتم الباحثون بدراستها وتحليلها وتفسيرها والبحث عن حلول لها. ومن تلك المتناقضات قصة (والترسكوت) الذي أحب فتاة رفضت الزواج منه، وأخيراً تزوج من فتاة رفضت أن تحبه، ولكنها مع ذلك أُعجبت برزانة شخصيته، ومرحه واتساع آفاقه الفكرية. فكان زواجهما قد انتهى بمحبة ولكن بدون حرارة دائمة. فكان هذا الجو العائلي ملائماً لنمو عبقريته الأدبية، وحسن الكتابة المتميزة بإثارة المتعة الأدبية.

    وكان الكاتب الفرنسي (أونوريه بلزاك) في لحظات سوداوية تدفعه أحياناً إلى الانتحار، وقد منعه من ذلك (حب امرأة) كانت أكبر منه سناً، وأكثر منه تجربة، وحكمة وصبراً، حدثته بصوتها الهادئ وعباراتها اللطيفة، بكلمات مفرحة ومشجعة جعلته يعترف بذلك قائلاً: أقسم أنك على صواب، إن عبقريتي الأدبية ستجعلني أعيش..

    

    - من علامات الحب وآدابه:

    للحب علامات ودلالات، وأداب وأخلاقيات لابدّ من التحلي بها والحرس عليها لدوام الحب. فهناك الإخلاص والوفاء، والود والمحبة، والتلاطف والتعاطف، والتعاون والتآلف، والتضحية والإيثار، والرغبة في الحياة المشتركة السعيدة.. أضف إلى ذلك الثقة الكبيرة المطلقة، والاحترام المتبادل، والتقدير المشترك، والانفتاح وسعة الصدر والفكر، ووحدة الهدف المشترك. فليس في الحب حاكم ومحكوم، لأنّ الحب مشاركة فعالة تتم بين حريتين.

    وإذا كان الحب يبدأ بالنظرة الأولى، والسمع والتقدير والإعجاب، فإن إدمان النظر، والإقبال بالحديث عن المحبوب، والموافقة على ما يقوله، والإسراع بالسير نحوه، وتعمد الدنّو منه، وروعة المحب عند رؤية محبوبه فجأة، وانجذاب المحب عند رؤية من يشبه محبوبه أو سماع اسمه وتعمّد لمس اليد عند الحديث، وشرب ما تبقى من إناء المحبوب، وتتبع أخباره، وإظهار المحبة والمودة لأهل المحبوب، والسهر والقلق والنّحول.. إلخ، كل هذا يعتبر من علامات الحب ودلالاته.

    

    - من آفات الحب وأعدائه:

    وهناك آفات وعيوب مختلفة تقضي على الحب ودوامه مثل: سوء الظن، والشك، والعتاب، والغيرة، والانفعال وغيره.

    وهناك أعداء الحب والمحبين مثل الوشاة والحاقدين والحاسدين والفاسدين والمغرضين والدساسين والطائشين.. وغيرهم.

    

    - الحب زينة الحياة وعنصر سعادتها:

    ليس هناك ما يزين الحياة كالحب. وليس هناك ما يسعد الإنسان مدى حياته كالحب. فالحب زينة الحياة السعيدة وعنصر دوامها. وأننا نواجه بالحب متاعب الحياة. وبالحب نؤكد استمرارية الحياة السعيدة. فالحب صورة إنسانية نبيلة لحب الحياة التي هي أجمل ما في الحياة. وبالحب نجدّد الحياة السعيدة، وننتصر على الكآبة والشعور بالفناء. وإلى الحب ندين بإبداعنا الفكري والأدبي والعلمي، كما ندين إليه بطاقاتنا الإبداعية والجمالية وجمال نظرتنا الحياتية، وثقتنا بأنفسنا وقوتنا المعنوية.. فالحب جميل كالطفل الذي هو الحاضر والمستقبل ورمز استمرارية الحياة وسعادتها. فالجميع يحبون الحب، ويحلمون أن يكونوا محبوبين، ويرددون قائلين: إننا نحب كي نحيا، ونحيا كي نحب.

    

    - موقف المجتمع من المحبين:

    إنّ المجتمع يقدّر المحبين ويحترمهم، ويتحدث عنهم بكثير من الحب والإعجاب والتقدير. وقد اعتاد أفراد المجتمع أن يتسامروا بقصص المحبين في المجالس، وحول المواقد والمدافئ، وفي القصور وجوار الخيمة. وكثيراً ما يعتبرون المحبين شخصيات متميزة بالوفاء والإخلاص والإيثار والفعالية وحبّهم المثالي. وتعتبر قصصهم العاطفية صورة جميلة تثير المشاعر وتهز العواطف وتأسر الأسماع وتمسّ أوتار القلوب المملوءة بالرقة والعاطفة. وما زالت المجتمعات تتحدث عن أولئك العشاق العذريين وأخص بالذكر (عروة بن حزام) الذي أحب ابنة عمه (عفراء).. وقصة (قيس بن ذريح) الذي أحب (لبنى بن الحُباب).. وقصة (جميل بن معمر العذري) الذي أحب (بثينة بنت الحباب).

    ولكن هناك فئة أخرى من المجتمع سخرت من المحبين، واعتبرتهم مرضى أصابهم الخلل في عقولهم، والاضطراب في أفكارهم، والضعف في قلوبهم، مما جعلهم غير فعالين في المجتمع، ولا يتصفون بالشجاعة اللازمة لمتابعة الحياة ومعالجة متناقضاتها، ومواصلة الكفاح في ميادين الحياة مدى الحياة.

    

    - الحب بالنيابة:

    لاحظ الأديب الإيطالي (جيوفاني بوكاشيو 1313-1375) أن أعظم شيء يسرّ المرأة هو اللعب بنيران العاطفة. فإذا كانت المرأة تخاف من حرق أصابعها، فإنها تشعر بالسرور في قراءة القصص العاطفية التعلقة بالذين لعبوا بنار العاطفة وذاقوا عذاب معاناة الحياة العاطفية، وهذا ما يسمى (بالحب بالنيابة). ونجد كثيرين يميلون إلى مشاهدة الأفلام والمسلسلات العاطفية وقراءة القصص والروايات المختلفة، وسماع أخبار الشباب والشابات وعلاقاتهم العاطفية، وتزين جدران غرفهم بصور ممثلين وممثلات قاموا بأداء أدوار عاطفية..

    من الأمثال والأقوال المأثورة المتعلقة بالحب:

    توارثت الأجيال المتعاقبة أجمل الحكم والأمثال والأقوال المأثورة التي تعبّر عن تجربة عاطفية وخبرة إنسانية، فأسهمت بإغنائها وانتشارها كقولهم:

    - تجسّد المناجاة الإلهية حباً قوياً متميزاً لا يفنى في قلب عاشق متصرف يحيا بالذكرى ويبقى للحب الإلهي.

    - للوطن حبه المقدس في قلوبنا.

    - الحب كالكنز يبحث عنه الجميع.

    - إن خاتم الزواج أعظم هدية يحتفظ بها الزوجان ويفخران بها مدى الحياة.

    - المحب فنان بحديثه وتفكيره وسلوكه.

    - الحب كالهواء يتعذر على الإنسان العيش بدونه.

    - الحب كالطفل الجميل يحبه الجميع.

    - بالحب تولد الحياة السعيدة ويستمر تجددها.

    - بالحب يبدأ يوم ميلاد حياتنا السعيدة.

    - الحب صرخة إنسانية عالمية ودية لا تعترف بالفوارق والحدود.

    - الحب نشيد الحياة السعيدة، ووعد بالسعادة الحقيقية.

    - الحب يعلمنا أجمل الدروس العملية في فن الحياة السعيدة.

    - الحب أعظم مرب للإنسان.

    - الحب عذب كأنغام الموسيقا.

    - الحب من أهم مصادر الإبداع الأدبي والفكري والفني والعلمي.

    - تتميز ذكريات الحب بالخلود.

    - اللسان قلم الحب يعبر عن فرحة السعادة بالحب.

    - كلمة من حبيب أهم من رأي ألف طبيب.. إلخ.

    

    - من أغاني الحب:

    تشكل أغاني الحب قسماً من (قائمة الأغاني) التي يتذوقها الجمهور، ويرددها باستمرار، ويرغب في سماعها على الدوام في الدار والرحلات.. ويجد في معانيها وأنغامها ما يجذبه إليها لأنّها تعبّر عن عواطف إنسانية نبيلة. ومن تلك الأغاني في الحب ما يلي:

    - أغنية: ربّة الوجه الصبوح أنت عنوان الأمل اسكري باللثم روحي/ خمرة الروح القبل..

    - أغنية: إن تجودي فصليني/ يا عيني صليني/ أسوة بالعاشقين..

    

    - الحب والزواج:

    ينشأ الحب مع الوعي الإنساني، وتعاطف الإنسان على الآخرين وبخاصة أمه وأبيه وإخوته وأقربائه، وأصدقائه وزملائه، وجيرانه.. وتجدر الإشارة إلى الحب الإلهي، وحب الوطن والمواطنين..

    وإنّ حسن علاقة الشاب مع الفتاة، وتعاطفه وتلاطفه معها مما يؤدي إلى زواجه منها، أو تبقى علاقته من الذكريات العاطفية التي لا يمحوها مرور الأيام.

    إنّ الحب جدير بكل الحب، ويبقى بريئاً وطاهراً وشريفاً وعفيفاً مدى الحياة.. وقد تتوج العلاقة العاطفية بالزواج والرباط المقدس. وإذا كان هناك رباط مقدس بين الزوجين فإننا كثيراً ما نتخيل رباطاً مقدساً بين محبين. ويعتبر (الحب العذري) نموذجاً رائعاً للحب المثالي يجسد سمو هذه العاطفة الإنسانية النبيلة. وإذا كان الزواج علاجاً، فإنّ الحب فردوسه وروضة سعادته. ونقرأ في (سورة الروم/ الآية 21) ما يلي:

    (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً...).

    

    - الحب والطب:

    في كثير من الأحيان يقوم الحب بدور الطب، ويحرر الإنسان من حزنه وكآبته، وعزلته ومعاناته. وقد قيل أن كلمة حلوة من حبيب ربّما كانت أكثر فائدة من علاج ألف طبيب، لأنّ للحب دوراً كبيراً في إثارة فرح النفس وسرورها، وانشراحها وتحررها من كآبتها ومعاناتها. وقد اكتشف (ابن سينا) صلة بين المرض والمشاكل العاطفية. وكان الطبيب (أركسماخوس) يرى أنّ الصحة هي ائتلاف الأضداد بالحب. وكان (جالينوس) يقول: أعياني دواء العشق..

    

    - خلود الحب بإبداع أثر خالد:

    يعتبر مبنى (تاج محل) في الهند بمثابة صرخة حب ووفاء ورثاء وذلك من قبل (شاه جيهان) لزوجته الشابة المحبوبة (ممتاز محل). فقد صمم الإمبراطور (شاه جيهان) إقامة هذا المعلم الحضاري المعماري المتميز والخالد كي يخلّد به حبه لزوجته المحبوبة الراحلة. وإنّ جمال هذا المبنى المعماري الخالد جعل الكثيرون يعتبرونه من المعجزات المعمارية والعجائب المعمارية الكبرى في العالم. ووصفه بعضهم أجمل وصف كقولهم: إنّه بمثابة (سيمفونية الحب الخالد) تعزفها أنامل التاريخ على قيثارة الرخام الأبيض الجميل.

    وهناك أيضاً (معبد كاجوراهو) الشهير في الهند بمنحوتاته التي تمثل مواضيع عاطفية متميزة ترمز إلى جمالية الحب والحياة العاطفية السعيدة. وقد تغنى الشاعر عمر أبو ريشة بجمالية هذا المعبد الهندي ومنحوتاته العاطفية الجميلة.

    

    - الحب في أدب الفكاهة:

    عالج أدب الفكاهة قضايا الحب المختلفة بأسلوب أدبي وفكاهي يهدف إلى التسلية والمتعة الأدبية. ومن تلك القصص الفكاهية ما يلي:

    - عقد مؤتمر حقوق النساء في روشستر. وكانت السيدة (إليزابيث كادي ستانتون) إحدى خطيبات هذا المؤتمر النسائي. وقد جرى نقاش بين هذه السيدة وقسّ وبخها قائلاً:

    إنّ بولس الرسول أوصى النساء بالصمت، فلماذا تخالفين أوامره؟

    فأجابته السيدة قائلة: إنّ الرسول بولس أوصى القسيسين بالعزوبة، فلماذا خالفت أوامره؟

    - قيل إن رجلاً فقيراً في طريق مكة رأى امرأة فتبعها. فقالت له: مالك؟

    فأجابها: لقد سلب حبك قلبي.

    فقالت: فكيف لو رأيت أختي.

    فالتفت فلم ير أحداً. فقالت له: أيها الكاذب في دعواه، لو صدقت ما التفت.

    - سئل شخص متزوج من أكثر من امرأة عن أسباب هذه العادة المتعلقة بتعدد الزوجات فأجاب لأنّه لم يعثر على الجمال في امرأة واحدة.

    - وقيل في (حب المسنين وزواجهم المتأخر) ما يلي:

    - حينما يعقد المسنّ قرانه على فتاة شابة، فإنّه يدعو الموت لحضور حفلة زفافه.

    - المسن الذي يُقدم على الزواج مثل الذي يطمع أن يحصد في الشتاء.

    

    - الاحتفال السنوي بعيد الحب في 14 شباط:

    كان القديس (فالانتين) مشهوراً بمعجزاته، مما جعل الفيلسوف الوثني (كراتون) يدعوه إلى روما لشفاء ابنه الشاب المريض. فاشترط القديس عليه شرط اعتناقه المسيحية مع أفراد أسرته. وتم ذلك، وشفي الشاب المريض. وحدث أن قدم ثلاثة شبان من آثينا من طلاب الفيلسوف (كراتون)، وطلبوا من القديس (فالانتين) التعميد. ولكن الحاكم لم يرض عن هذا كله، وأمر بقطع رأس هذا القديس عام 273م. فقام الشباب الاثنيون الثلاثة بنقل جثمان القديس إلى (ترني Terni) في منطقة (أومبريا) الإيطالية.

    انتشرت شهرة القديس (فالانتين) في أوساط الشباب والشابات الذين توارثوا عادة الاحتفال (بعيد الحب في 14 شباط) من كلّ عام ذكرى (قديس الحب فالانتين).

    

    - والخلاصة:

    ليس هناك كأجمل من الحب الشريف. وإنّ الجميع يحبون الجمال والحياة السعيدة، ويحلم كل إنسان أن يحب وأن يكون محبوباً.

    وإذا كان الحب يجسّد الرغبة في التكاثر وبقاء النوع مما أضفى على الحب صفة القداسة، فإنّ الصوفيين أسهموا في إغناء تراثنا الأدبي والعاطفي. ولا نجد أجمل من قصيدة الشيخ محي الدين بن عربي يقول في آخرها:

    أدين بدين الحب أنى توجهت

    ركائبه فالحب ديني وإيماني

    طوبى لمن أحب وعرف كيف يولد الآخرين (حب الحب). إنّ جميع الإنسانيين يحلمون أن يرفرف (علم الحب) في كل مكان في أرجاء العالم، وينعم الجميع بالحب والحياة والسعادة التي هي من أهم حقوق الإنسان.

    

    

    من المراجع:

    1-      د. محمد حسن عبدالله: الحب في التراث العربي – عالم المعرفة (36 عام 1980، زكريا إبراهيم: مشكلة الحب – دار الآداب بيروت 1963، إميل لودفيغ: الحياة والحب – ترجمة عادل زعيتر – دار المعارف بمصر 1959، ص13-109. زكريا إبراهيم: مشكلة الحياة – مكتبة مصر، ص137-160.

    2-               دريني خشبة: أساطير الحب والجمال عند اليونان – دار التنوير للطباعة والنشر – الطبعة الأولى 1983، ص24.

    3-      د. فاضل عبدالواحد علي: عشتار ومأساة تموز – منشورات وزارة الإعلام – الجمهورية العراقية – سلسلة الكتب الحديثة 62، 1973، ص 56-104.

    4-               مرجريت مري: مصر ومجدها الغابرز سلسلة 1000 كتاب ترمة محرم كمال 1957، ص223-245.

    5-              J. Schmidt; Dictionary de La mythology Grecque Et Romaine. Lib, larousse Paris 1965. p116, 266.

    6-               ملحق الثورة الثقافي العدد 492، 3/1/2006، ص13.

    7-               د. يوسف خليف: الحب المثالي عند العرب (سلسلة اقرأ رقم 220) دار المعارف بمصر 1961، ص20-25.

    8-               د. حسين مؤنس: أحاديث منتصف الليل – سلسلة (كتاب الشهر) العدد 220، دار الهلال 1977، 21-24.

    9-               جورج سانتيانا: الإحساس بالجمال ترجمة د. محمد مصطفى بدوي. ص82-87 مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة.►

    

    المصدر: مجلة المعرفة/ العدد 524

    * آثاري وباحث في علم الجمال/ سوريا

ارسال التعليق

Top