• ٦ آب/أغسطس ٢٠٢٠ | ١٦ ذو الحجة ١٤٤١ هـ
البلاغ

لمحة عن تاريخ الألوان في حياة الشعوب

د. عمر الدقاق

لمحة عن تاريخ الألوان في حياة الشعوب
تدور الألوان وتدور خبرات الشعوب حول هذه الألوان
منذ خلق الكون، وبدء الحياة والوجود.. كانت الألوان. وكما تميزت الكائنات في الدنيا بماهيتها وهيئتها، وبشكلها أو حجمها، تميزت أيضاً بلونها. وهكذا إتسم التراب بالحمرة، والسماء بالزرقة والحقول بالخضرة، وعاشت الألوان مع الإنسان، أسماء وصفات وسلوكاً في الحياة.
الطبيعة أغزر منبع للألوان، سواء في عناصرها الجامدة أو كائناتها الحية وثمة ألوان كثيرة في الصخور والحجارة والأتربة والرمال، وأكثر منها في النباتات والثمار والأزهار، وقد تبلغ إعداداً غير متناهية تستعصي على الحصر في عالمي الطيور والأسماك.
وفي فجر الإنسانية فُتن المرء بتنوع الألوان، فاستهواه جمالها، وراقه لمعانها. وكان إن دخلت الألوان في صميم حياة الإنسان، وغدت لها آثار بعيدة في حياته الدينية والاجتماعية، وأيضاً في حياته النفسية والعاطفية.
ويغلب على الظن إن قوس قزح، بألوانه الزاهية وهيئته البهيجة أثار إهتمام الإنسان القديم وانتزع إعجابه، وذلك على غرار ما كانت تفعله في نفسه سائر ظواهر الكون، من شروق وغروب، وكسوف وخسوف وبرق ورعد، ومطر وقحط.. غير إن قوس قزح بما ينطوي عليه من جمال وبهاء، إلى جانب كونه ظاهرة متألقة في الكون، جدير بأن يولّد في أعماق المرء شعوراً خاصاً وأن يبعث في نفسه أضواء الأمل، وأنوار التفاؤل. حتى لقد ساد الإعتقاد لدى بعض الأقوام، بأن ظهور قوس قزح ما هو إلا إشارة صادرة من رب السماوات إلى خلقه على وجه البسيطة، ينبئهم فيها إنّ الأرض لن تكون مُعرضة مرة أخرى للطوفان!
لقد كان للألوان منذ الأزل شأن كبير في حياة البشر، إذ إرتبطت أوثق إرتباط بوسائل عيشهم وبأفكارهم وتقاليدهم وعاداتهم ومفاهيمهم.. وطبيعي أن يتميز كل شعب بجانب من الألوان، تبعاً لمحيطه وبيئته. فمن الملاحظ مثلاً انّ اللون الأسمر كثير الشيوع في ربوع العرب بسبب سطوع شمسهم، والسمرة تتردد على السنة شعرائهم حين ينعتون الرماح بأنّها سمر، وفي غزلهم حين يصفون الحبيبات بأنهنّ أيضاً سمراوات..
 
-        ثياب الإحرام:
وفي الإسلام كان البياض لون رداء الإحرام، لأداء مناسك الحج، والطواف حول الكعبة، والوقوف على جبل عرفات. وهذا الرداء الأبيض البسيط، غير المخيط ينم على هالة من الطهر والنقاء، وخلوص النفس وهي في رحاب خالقها، من أدران الدنيا وذنوبها، ومفاسد الحياة ومعاصيها..
أما لون السواد فهو رمز الحزن عند أكثر الشعوب، وفي جملتهم العرب. وهو ما يرتديه أقارب الفقيد وذووه من ثياب سود إلى أجل محدود. وقد يكتفي بعضهم في العصر الحديث بارتداء ربطة عنق سوداء، أو بوضع شارة سوداء أو نحوها على طرف الصدر.
على إنّه من الغريب أن يكون البياض، وليس السواد، هو رمز الحزن لدى بعض الأُمم، ومنها أمة الصين. وهذا يعني إنّ الأفهام قد تتعارض، وإنّ الأذواق قد تتباين. وقد ذكر إبن بطوطة خلال رحلاته إنّه شاهد أهل الصين يتخذون البياض لوناً لملابس الحداد. وما زال الصينيون إلى اليوم على هذه العادة وما لنا نذهب بعيداً وعرب الأندلس أنفسهم إتخذوا الثياب البيض دلالة على الحداد، وما زال المسلمون في أقطار المغرب على ما كان عليه جدودهم في هذه الأحوال.
وقد بين أحمد تيمور – وهو في صدد جمعه للنبذ التاريخية – إنّ السواد لم يكن دائماً لون الحداد، فمثله كانت ألوان البياض والخضرة والصفرة والزرقة.. فمن عادة الفاطميين إن ولي العهد كان يرتدي حلة خضراء أثر موت الخليفة، وهي لباس الحداد، ثمّ يخلعها ويبدلها عند مبايعة الرعية له، ويرتدي ثوب الخلافة. وقد ذكر الديري في أوراقه إن علامة الحزن لدى بعضهم كانت وضع مئزر أصفر على الرأس. وأورد إبن الخطيب إن لباس الحزن في غرناطة بالأندلس كان أزرق اللون.
 
-        الجنة الخضراء:
وكان إن اكتسبت الألوان على مرّ العصور معاني ودلالات في حياة الأُمم ما لبثت ان استقرت في ألفاظها وتجلت في عباراتها، وغدت بعئذ بمثابة رموز فكرية، أو إيحاءات شعورية، تنطوي على سمات محددة وخصائص مميزة. فاللون الأحمر، وهو أصلاً لون الدم، بات يرتبط بالحرب والثورة والعنف والبطش... واللون الأخضر يوحي بالخصب والرخاء والنعيم وجنة الفردوس.. واللون الأسود يشير إلى الظلام والعبودية والظلم واليأس.. واللون الأبيض يرمز للنقاء والطهر والأمل والسلام.
وقد توسعت الإنسانية في استخدام الألوان عن طريق القفز من الحقيقة إلى المجاز، نظراً لما تنطوي عليه الموصوفات نفسها في الأصل من صلة دلالية بألوان معينة. ولهذا وصف العيش بأنه أخضر، واليوم العصيب بانّه أسود، والقلب الطيب بأنّه أبيض، والعدو اللئيم بأنّه أزرق.
 

-        الرايات والعمائم:
وعلى هذا الغرار مضى الإنسان المتحضر يتعامل مع الألوان المتنوعة في إطار الرمز، سعياً وراء دلالات جديدة تزيد آفاقه غنى، فاتخذ الحمامة البيضاء شعاراً للسلام، والراية البيضاء علامة للإستسلام أو التوقف عن إطلاق النار والكف عن سفك الدماء. وقد جرت امم كثيرة وأقوام سالفة عبر التاريخ على إتخاذ رايات ذات ألوان بعينها لتكون بمثابة رمز لها، وشعار لمقاتليها. وكثيراً ما كانت الراية ذات لون واحد، وقد تنسج من الحرير أو الديباج، أو ترصع باللآلىء والجواهر.
وفي العصور الحديثة، غدا من الطبيعي أن تحرص كل دولة على أن يكون لها علم متميز تؤلفه وفق ما يتصل بتاريخها وبيئتها وعقيدتها. فالعرب في طور انبعاثهم ومرحلة نهوضهم، حرصوا منذ تحررهم واستقلالهم، على أن يتخذوا لأنفسهم اعلاماً تؤكد حقيقتهم، وتنم على شخصيتهم. وكان من البديهي أن يستوحي العرب المعاصرون من ماضيهم المجيد ما يؤكد انتماءهم إلى أولئك الجنود الأماثل الذين كانت لهم مشاركة كبرى في دفع موكب الحضارة الإنسانية إلى الامام عبر العصور.
وهكذا اتخذت الثورة العربية الكبرى التي هبت منذ التسلط التركي أبان الحرب العالمية الأولى، علما رباعي الألوان شعاراً لها يتألف من اللون الأسود فالأبيض فالأخضر، وهي الألوان الثلاثة التي ترمز لدول العباسيين والأمويين والفاطميين عبر العهود العربية الإسلامية. وقد احتوى الألوان الثلاثة مثلت جانبي احمر، أضيف إليها ليكون رمزاً لنزعة العرب التحررية. ومن أروع ما حدث، إنّ الثورة الفلسطينية التي ما لبثت ان شبت بعد حين في سبيل إستخلاص وطنها وتحقيق سيادة شعبها، سرعان ما تلقفت الراية نفسها من تلك الأيدي الرائدة والنفوس المجاهدة، وكأن فحوى ذلك إنّ الثورة العربية ماضية أبدأ في طريق الفداء.
كذلك بقيت دول عربية أخرى ضمن هذا الإطار السلفي للألوان، فاقتصرت على اللون الأخضر في إختيار علمها مثل المملكة العربية السعودية أو جعلت مع الأخضر لوناً أبيض مثل مصر، أو جعلت مع هذين لوناً ثالثاً أحمر مثل الجزائر.. وغالبية الأعلام المعاصرة للعرب باقية بالإجمال داخل إطار هذه الألوان ودلالاتها العريقة.
على أنّ اللون الأخضر هو اللون الأثير في الشرق، وهو أكثر الألوان شيوعاً في أعلام الدول العربية والدول الإسلامية. إنّه باد في أستار كعبتها، وعلى أضرحة أوليائها، وفي قباب عدد من مساجدها، وعمائم فئات من مشايخها.. فهذا اللون ينطوي على هالة محببة في نفوس المسلمين تكونت حوله على مر العصور، وهو في الوقت نفسه بمثابة رمز للجنة التي وصفت بهذا اللون في القرآن الكريم ووعد الله بها عباده المتقين.
ثمّ غدت لقطاعات الجيوش الحديثة ألوان ترمز إليها وتعرف بها، فاللون الأبيض لباس سلاح البحرية، والأزرق لسلاح الطيران، واللون الأخضر في بعض الجيوش علامة لسلاح المشاة..
 
-        السلاح الأبيض:
وعلى هذا الغرار في صدد الحروب يقال: جرت المعركة بالسلاح الأبيض، أي حدث إلتحام بين الجيشين فلم تفتح النار من بعيد وإنما تم القتال عن كثب بالسيوف الخناجر والمدى، وما إلى ذلك، مما يعني ضراوة القتال.
وشبيه بذلك ما يصدر بين الحين والحين عن بعض الدول أو الزعامات من نشرات أو كتيبات يطيب لأصحابها أن ينعتوها بألوان معينة ذات صلة ما بمحتواها، فكثيراً ما نسمع بصدور كتاب أسود أو كتاب أحمر أو كتاب أخضر..
ومن تمام الأبهة لدى إستقبال الملوك والرؤساء مد بساط طويل أحمر إعظاماً لشأن الضيف الكبير حين تطأ إقدامه أرض البلاد. ويبدو إن ذلك العرف كان معهوداً في القديم على نحو ما، وقد أشار إليه المتبني في وصف دخول موفد بيزنطة على سيف الدولة في قصره بحلب.
وإذا مضينا على الصعيد الجغرافي في هذا السبيل بدت لنا تسميات كثيرة لمناطق ومدن وبحار وأنهار، مستمدة من أسماء الألوان، وذلك بقصد التمييز أيضاً شأن كل أسماء الإعلام. ومن أشهر هذه التسميات ما يعرف بالقارة السوداء أي أفريقيا لأن غالبية سكانها من السود أو السمر ومن أشهرها أيضاً البحر الأبيض المتوسط الذي يتوسط القارات الثلاث وهناك البحر الأحمر الذي يفصل البر الآسيوي عن البر الأفريقي، والبحر الأسود الذي يقع بين تركيا وروسيا..
 

-        النيل الأزرق والنهر الأصفر:
ومن هذا القبيل إطلاق إسم الشاطىء اللازوردي على الساحل الجميل في جنوب فرنسا واللازورد لون بين الخضرة والزرقة لنوع من الأحجار الكريم تدل عليه في الأصل الكلمة الفارسية (لاجورد).. ويقال إن نهر النيل سُمي بذلك لأن مياهه قريبة من لون الكحل أو صبغة النيلة وهي الزرقة القاتمة. أما رافداه فيحملان أيضاً اسمين من أسماء الألوان هما النيل الأبيض والنيل الأزرق ويلتقيان في عاصمة السودان عند قرنة الخرطوم أو المقرن وهما ليسا في الواقع. بأبيض ولا أزرق.. ومن اعظم الأنهار في آسيا النهر الأصفر، ويقع جنوبي الصين ويمر بالقرب من شانغهاي. كذلك ثمة نهر كبير في أمريكا الجنوبية إسمه النهر الأسود، وهو واحد من أنهار البرازيل، وقد حملت إسمه أيضاً مدينة النهر الأسود بولاية بارانا.
وفي ربوع الوطن العربي عدد من الأماكن تحمل اسم الجبل الأخضر، منها منطقة الجبل الأخضر في ليبيا التي عُرفت مقاومة الاحتلال الإيطالي من قبل الثوار المسلمين والمجاهدين السنوسيين بزعامة البطل الشهيد عمر المختار. وثمة مدن عربية عديدة تحمل إسم البيضاء، أشهرها أيضاً في ليبيا، وشبيه باسمها أيضاً مدينة الدار البيضاء المغربية على المحيط الأطلسي. ومدينة الزرقاء معروفة في الدولة الأردنية، وكذلك بلدة البلقاء. ومدينة حلب العريقة تعرف أيضاً بلقبها (الشهباء) بسبب غلبة لون الشهبة القريب من البياض على أبنيتها الحجرية الفريدة، وقيل: بل الشهباء لون البقرة التي كان نبي الله إبراهيم الخليل يحلبها كل مساء في سفح قلعة حلب ويتصدق بها على المساكين الذين كانوا يتنادون لدى رؤيته صائحين: لقد حلب الشهباء..
 
-        الحجر الأسود:
ومن أعرق التسميات في هذا الصدد في تراث الإسلام ومقدساته الحجر الأسود، الذي جاء في السيرة انّ الرسول (ص) أبدى رأيه السديد في كيفية إعادته إلى مكانه – ومكان يافعاً آنئذ – بأن يوضع في ردنه ويحمله جميع من كانوا في الكعبة المشرفة. وهو حجر صلد أملس لامع شديد السواد محفوظ في تجويف داخل البيت العتيق، وتقبيله من قريب أو بعيد جزء من مناسك الحج إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة.
وكانت أسرة بني الأحمر التي حكمت آخر دويلات الأندلس – وهي باسمها أيضاً، آخر حبة في عقد الوجود العربي في ذلك الفردوس المفقود، وقد تركت دولة بني الأحمر واحداً من أروع المنشآت العمرانية في غرناطة، أطلق عليه أيضاً إسم قصر الحمراء، وهو آية في فن العمارة الإسلامية.
وقديماً كان قصر كسرى في فارس يعرف باسم القصر الأبيض، وهو مشهور بإسم الأيوان، وبقاياه ماثلة في بلدة المدائن بالعراق. وهذه التسمية تذكرنا في هذا العصر الحاضر بالبيت الأبيض، وهو مقر رئيس الجمهورية في العاصمة الأميركية ويبدو إنّ الناس أطلقوا عليه هذا الاسم أول الأمر لبياض لونه، ثمّ شاعت التسمية حتى غلبت عليه.
 
-        الليالي البيض:
ومن غرائب الطبيعة في بعض أطراف الأرض ما يسمى بالليالي البيض في المناطق الشمالية من أوروبا القريبة من القطب، ففي أجزاء من روسيا وكذلك في فنلندا والنرويج.. تكاد تبقى الشمس معظم اليوم في السماء دون أن تغيب وراء الأفق إلا ساعات قليلة، وهي حتى في هذه الحال لا تغوص كثيراً في جهة الغرب، فيبقى شعاعها متناثراً في الجو مما يحول دون حلول ظلام دامس ويحدث ذلك مرة في بداية كل صيف خلال الأسبوع الثالث من شهر حزيران (يونيو) حين يبلغ النهار أقصاه (حوالي عشرين ساعة) والليل ادناه.. ومن هنا غلب على هذه الليالي البياض أو شبهه فعرفت بالليالي البيض.
وبفعل التداعي يرد إلى الأذهان إسم الليالي الحمراء، وهي تعني لدى الناس السهر الماجن وما ينطوي عليه... أما الليلة السوداء فهي الممتلئة بالهموم والآلام. على حين إنّ الليلة البيضاء هي التي تحفل بالسعادة والهناء. ومثلها في التعبير الأدبي أيام غراء، أي مشرقة حافلة بالأمجاد.
 
-        الورد الأحمر:
ومع التقدم الحضاري أخذت أهمية الألوان تتنامى في حياة المجتمعات المعاصرة، وغدا كثير منها ينطوي على دلالات وإيحاءات. ففي مناسبات الفرح باتت من الأعراف المستحبة إهداء الورد الأبيض دلالة على الصفاء والطهر، وأيضاً إهداء الورد الأحمر تعبيراً عن الهيام والحب.
كذلك أصبح من التقاليد الاجتماعية البهيجة أن ترتدي العروس الحلة البيضاء ليلة زفافها، على حين يحسن بالزوج أن يظهر في بزة قاتمة أو سوداء.
وعلى هذا الصعيد التنظيمي في إدارة حركة السير اصطلحت المؤسسات في هذا العصر على مجموعة من الإشارات المعتمدة على الألوان لتنظيم مرور وسائل المواصلات، من سفن وطائرات وقطارات وسيارات، بالإضافة إلى إعتمادها أيضاً في مداخل العمارات والمرائب والمتاحف والسلالم... إذ يعني اللون الأحمر منع المرور دفعاً للخطر نتيجة دهس أو تصادم.. كما يفيد اللون البرتقالي التحذير أما الأخضر فيشير إلى أنّ الطريق سالك والسير آمن. ومن متممات ذلك التنظيم الدقيق في ديار الغرب أن يحمل مكفوف البصر عصا بيضاء تميزه خلال سيره، بقصد لفت إنتباه الآخرين إليه – راجلين وراكبين – فيعطي أفضلية إجتياز الطريق ويمر بيسر وسلام.
 
-        الكذب الأبيض:
انّ الألوان لم تدخل حياة الإنسان من الخارج فحسب بل توغلت في فكره ونفسه، وظهر أثرها جلياً في ألفاظه وعباراته، فاكتسبت هذه مدلولات جديدة، قد لا تبدو معانيها في ظاهر ألفاظها، لولا القرينة أو الإحاطة السابقة بأسرار اللغة وخصوصية الأسلوب.
فلون البياض يعني بوجه عام الطهر والنقاء والخير والسلام، فهذا امرؤ أبيض القلب، أي طيب العنصر، نقي السريرة، خال من الحقد واللؤم. والعرب تقول أيضاً: أبيض الكبد، لإعتقادهم أنّ الكبد هو موطن الضغائن والأحقاد. وقولهم: (بيّض الله وجهك) دعاء لك بالفلاح لتغدو مرفوع الرأس وتحظى بتقدير الناس. و(له علينا يد بيضاء) أي فضله علينا لا يجحد، ونعمته مشكورة. ومن هذا القبيل أن يوصف المرء بأن (صفحته بيضاء) أي ماضيه نظيف، وسجله خال من يشين ويعيب. وحظه أبيض أي أتته النعمة وأصابه الخير من حيث لا يحتسب. والكذبة البيضاء، هي الممازحة التي لا تورث أذى ولا تلحق ضراً، وقد تثير بهجة وتنقذ من حرج. والإنقلاب الأبيض، هو قلب نظام الحكم السائد في بلد دون حاجة إلى عنف أو إراقة دم.
غير إنّ البياض قد يخرج عن دلالته المعهودة. فيعني في النادر، صفة غير مستحبة مثل: إبيضت عيناه حزناً، أي علتهما غشاوة فكلَّ بصره من فرط البكاء... وشبيه بذلك: إبيض شعر رأسه، أي أدركه المشيب ورحل عنه الشباب، وفي الشعر العربي روائع من المعاني والصور في هذا الموضوع.
 
-        الإبتسامة الصفراء:
أما السواد، وهو ضد البياض، فيشير بالإجمال إلى دلالات مضادة، إذ يقال إنّه اسود القلب، أي قاس حقود لئيم.. واسود الوجه، أي خاسر منبوذ بعد إنكشاف طويته وإفتضاح أمره. وحظه أسود، أي يفوته الخير والنجاح برغم دأبه وسعيه. واسودت الدنيا في عيونه، أي ضاقت عليه السبل ومنافذ العمل وفرص السعي، حتى كأنّه في ظلام، فغلب عليه اليأس. ومثل ذلك أن يقال راودته أفكار سوداء، أي غلبه التشاؤم والغم وأخذ يهم بسلوك الدروب الوعرة ويتوهم أموراً سيئة.
ولسائر الألوان في فن التعبير حيز أقل مثل اللون الأحمر، إذ يقال احمرت عينه، أي بدا فيها الشر والتمع الشرر وبات يخشى أذاه وبطشه. واحمر وجهه، أي عراه الخجل والحياء..
وأقل من ذلك إستعمالاً بين الألوان الزرقة والخضرة والصفرة، وما إليها، كأن يقال: إنّ عظمه أزرق، أي بالغ الحقد شديد التعصب. أو يقال: يا لها من إبتسامة صفراء أي تنطوي على المكر والخبث وسوء الطوية. وقد ينُعت الوباء بأنّه الأصفر، ويشار به إلى إستفحال الكوليرا، كما يقال الوباء الأسود للطاعون الذي يحمل الموت الزؤام... والكتب الصفراء تعبير خاص باللغة العربية، وهو إصلاح مستحدث يراد به كتب التراث القديم.
وثمّة عبارات أخرى معتمدة أيضاً على الألوان شاع أمرها بين الناس، ولا سيما في مجال المال والإقتصاد، من أهمها: السوق السوداء أي تعامل الناس سراً في مضمار السلع والعملات خلافاً للأنظمة السائدة، وكأنهم يجوسون في الظلام بطرق غير شرعية. ومن هذا القبيل ذيوع عبارات مستحدثة، خرجت من الحقيقة إلى المجاز، لتضفي مزيداً من الأهمية على معانيها الأصلية، مثل: الذهب الأسود، أي الفحم الحجري قبل حين، والنفط في هذه الأيام. والذهب الأبيض أي القطن بأهميته الإقتصادية في العالم..
وإذا اُستعمل اللون صفة لشيء أو حالة، فقد يراد به التأكيد على المعنى المراد وإبراز أهميته وشدته، كقولنا: موت أحمر، وجهنم الحمراء، وفتنة سوداء، وكذبة بلقاء، وحقد أسود، وفقر أسود.
إنّ الإنسان الحديث راح يلح في إثراء عيشه وإمتاع بصره بسحر تلك الألوان وذلك من خلال الألبسة والأزياء وأصناف الطعام والشراب وشاشات السينما والتلفزيون وأجهزة التصوير والسيارات وجدران الغرف وأثاث المنازل... وغير ذلك مما لا ينضب له معين في هذا العالم الذي لا تسبر أبعاده، ولا تحد آفاقه.

ارسال التعليق

Top