• ٢٨ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١١ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

مقياس الأخوة وشرائطها

مقياس الأخوة وشرائطها
◄للأخوة في الله مقاييس وشرائط وأساسيات وآثار لابدّ من معرفتها والاهتمام بها وانتهاج سبيلها.. ففيها سعادة الإنسان في الدنيا.. والله تعالى يحاسب المرء عنها يوم القيامة.. "فإنّ الله يسأل عن صحبة ساعةً"، "والمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل"، "ومن أحب قوماً حشره الله في زمرتهم"، "ولو أنّ عبدين تحابّا في الله واحد في الشرق وآخر في الغرب لجمع الله بينهما يوم القيامة. يقول: هذا الذي كنت تحبه"..

وما دام الأمر على هذه الدقة والخطورة فما هو المقياس الذي ينبغي علينا أن نقيس به إخواننا في الله، وما هو الميزان الذي تليق دقته بخطر هذا الانتقاء؟.

لقد حدد الله عزّ وجلّ هذا المقياس على لسان موسى (ع): (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) (طه/ 29-35)..

لقد حدّد موسى (ع) الغاية من الأخوّة التي نشدها، فهو يريد من أخيه هارون أن يكون سنداً له يشدّ عضده ويعينه على نوائب الحياة، وهو يريده شريكاً في أمره يقاسمه بؤسه ونعيمه ويتبادل وإياه الرأي حياله، ثمّ هو يريده أخاً يعينه على ذكر الله وتسبيحه..

فهذه الصفات الثلاث: التعاون على الحياة، والشركة في الأمر، والإعانة على ذكر الله هي المقياس الذي ينبغي أن نقيس به من نريد مؤاخاتهم في الله.. هذه الصفات هي المثل الأعلى الذي تنشده الأخوة في الله.. ولكن هذه الصفات لا توجد في المرء دفعة واحدة وإنما تتكامل على مرّ الأيّام.. فالأخ الذي تبحث عنه ليعينك إنما يبحث عنك لتعينه، فمثل الأخوين إذا التقيا كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى.. كذلك الأخوان في الله في كلّ منهما عيوب تزول بالتذكير والتنبيه والتناصح والتواصي بالحقّ..

ثمّ على المرء أن تكون محبته لأخيه بقدر ما فيه من الخصال التي يحبها الله ويحبها رسوله.. وذلك بعرض هذا الأخ على مقياس القرآن الكريم ثمّ النظر كم من الأخلاق التي يدعو إليها القرآن قد تمثلت فيه، وما هو مدى انطباق سنّة رسول الله (ص) على حياته وسلوكه.. ولتكن محبته له متناسبة مع ذلك. فقد قال رسول الله (ص) "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النّار".

وأما شرائط هذه الأخوة فهي.. أن تكون لله وفي الله بحيث تخلو من شوائب الدنيا وعلائقها المادية، ويكون الباعث عليها الإيمان بالله تعالى لا غير.. ويمكن أن نوجزها بما يلي:

1- أن تكون الأخوّة خالصة لله.. وذلك بأن يتنزه المتآخون من كلّ مصلحة ذاتية، ويتجردوا من كلّ منفعة شخصية.. وعندئذ تؤتي الأخوّة أكُلها، وتسري في المجتمع آدابها..

ومما يدل على ضرورة إخلاصها وتجردها.. إنّ رسول الله (ص) قال: "إنّ رجلاً زار أخاً له في الله فأرصد الله له ملكاً، فقال: أين تريد؟ قال: أريد أن أزور أخي فلاناً، فقال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا، قال: فبم؟ قال: أحبه في الله، قال: فإنّ الله أرسلني إليك أخبرك بأنّه يحبك لحبك إياه، وقد أوجب لك الجنّة".

2- أن تكون الأخوة مقرونة بالإيمان والتقوى.. وذلك بأن ينتقي المسلم من الأصحاب مؤمنهم، وأن يختار من الأصدقاء أتقاهم وأحسنهم أخلاقاً.. لأنّ الفاسق الخارج عن طاعة ربه لا يؤمن جانبه، وسيء الخلق وإن كان عاقلاً فقد تغلبه شهوة أو يتحكم فيه غضب فيسيء إلى صاحبه..

ومما يدل على إيمان الأخوّة وتقواها.. قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات/ 10)، وقوله: (الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف/ 67).

3- أن تكون الأخوّة ملتزمة منهج الإسلام باتّباع الكتاب والسنّة والبُعد عن الخرافة والبدعة.. ويكون هذا بتحكيم شرع الله، والسير على هدي الرسول الكريم (ص)..

وإلى هذا أشار النبيّ (ص) في الحديث الشريف: "ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"..

ومن أجل هذا وفي ظلال هذه الأخوّة والحب في الله كان الرجلان من أصحاب رسول الله (ص) إذا التقيا لم يتفرّقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر، ثمّ يسلم أحدهما على الآخر. فكانا يتعاهدان على الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر.

4- أن تكون الأخوّة قائمة على التناصح في الله.. وذلك بأن يكون الأخ مرآة أخيه المؤمن، فإن رأى أحدهما من أخيه خيراً شجعه عليه وطلب منه المزيد، وإن رأى منه تقصيراً نصحهُ سرّاً، وطلب منه أن يتوب إلى الله ويعود إلى الحقّ..

قال النبيّ (ص): "الدين النصيحة".

5- أن تكون الأخوّة قائمة على التعاون والتكافل في السراء والضراء.. فقد جعل الإسلام التعاون بين المسلمين أمراً لازماً، وحقاً واجباً.. والمتآخون في الله تعاهدوا فيما بينهم على التزام منهج الإسلام قولاً وعملاً، وعلى تطبيق شريعة الله جملةً وتفصيلا.. والله سبحانه وتعالى يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة/ 2).. والرسول (ص) يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"..

ويقول: "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاونهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى". وهكذا يربي الإسلام كلّ فرد من أبنائه على التعاون والتكافل، وعلى مشاركة كلّ أخ أفراح إخوانه إذا فرحوا، وأحزانهم إذا حزنوا.

ومن جميل القول في صفات من يُختار للأخوّة والصحبة ما قاله بعض الأدباء: لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرّك ويستر عيبك فيكون معك في النوائب ويؤثرك بالرغائب وينشر حسنتك ويطوي سيئتك فإن لم تجده فلا تصحب إلّا نفسك.

وقول بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد رجلين.. رجل تتعلّم منه شيئاً في أمر دينك فينفعك، أو رجل تعلّمه شيئاً في أمر دينه فيقبل منك..

وقد أوجز الآداب في اختيار الأصحاب أحد الصالحين فقال يوصي ابنه: يا بني إذا عَرَضَتْ لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإذا صحبته زانك.. اصحب من إذا مددت له يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدّها، وإن رأى سيئة سدها.. اصحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكتَ ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك.. اصحب من إذا قلت صدّق قولك، وإن حاولتما أمراً امّرك، وإن تنازعتما شيئاً آثرك.►

ارسال التعليق

Top