• ١٢ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ٢١ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

ملح الأرض والزمن الجميل

د. محمود شاهين*

ملح الأرض والزمن الجميل

لابدّ للذين عاشوا عقود الأربعينيّات والخمسينيّات والستينيّات من القرن العشرين، ويعيشون هذه الأيام، من ملاحظة التغيرات الكبيرة التي حدثت على صعيد المناخ، في بلادنا العربيّة. فثمة تبدلات بيّنة وواضحة طرأت عليه، حوّلت فصول السنة الأربعة، إلى فصل شبه واحدٍ، بحيث لم يعد الإنسان يميز كثيراً، بين الشتاء والصيف، ولا بين الربيع والخريف، إذ بات الاعتدال الحراري قاسمها الرئيس، والخضار والفواكه والنباتات الموسميّة المختلفة، تُستنبت في كلّ فصل. أي خارج مواسمها، وتحضر طازجة إلى موائد الناس، في كلّ الفصول، في حين كانت سابقاً، لا تظهر إلا في فصلها ووقتها، ما يجعلها مرغوبة ومطلوبة وذات نكهة خاصة، خلافاً لخضار وفواكه هذه الأيام، الخالية من النكهة والطعم والمذاق، فهي شكل جميل دون مذاق، بسبب استنباتها ضمن ظروف مناخيّة مصطنعة بوساطة البيوت البلاستيكيّة، أو حفظها في البرادات والجمادات، وإنزالها إلى السوق في غير أيامها ومواسمها، بحيث ينطبق عليها المثل القائل "الفاكهة بالنظر".

يضاف إلى ذلك، أنّ النقطة بين فصل وآخر، لم تعد حادة أو واضحة، بحيث لم يعد يشعر المرء بفروقات كبيرة عند انتقاله من الشتاء إلى الصيف، أو من الخريف إلى الربيع، بسبب المناخ المعتدل، الذي بات سائداً ومسيطراً على كلّ الفصول، إذ لم يعد البرد القارص يزور الشتاء، ويمكث فيه المدة المعتادة، ولا الثلج "ملح الأرض الأبيض الساحر" يظهر خلال شهوره، بما فيها شهر مارس "آذار" الذي كان يهدر بالثلوج والأمطار، بحيث لا يتمكن معها راعي القطعان من الاهتداء إلى باب داره، كما يقول المثل الشعبي "آذار الهدار، فيه الصواعق والأمطار، وفيه يأتي الراعي دون أن يتمكن من رؤية باب الدار" وذلك من شدة الأمطار والرياح والعواصف والثلوج، أو المثل القائل "خبئ قرماتك الكبار لعمك آذار". أي تموّن بجذوع الأشجار الضخمة لبرد وصقيع شهر مارس "آذار". ولم يعد الإنسان يَكّنُ في شهر يناير "كانون الأوّل" أو شهر ديسمبر "كانون الثاني" من شدة البرد، على حد تعبير المثل الشعبي القائل "هذا كانون، كنّ في بيتك يا مجنون"... كلّ هذه الصور الواقعية التي كانت تحملها الأيام والشعور والفصول، بشكل متعاقب ومتباين، تلاشت وغابت، لتظهر صورة جديدة هي تشابه أيام السنة وشهورها وفصولها، إن على صعيد المناخ، أو توفر الخضار والفواكه والأزاهير والنباتات الموسميّة في كلّ الأوقات والفصول، ذلك لأنها صارت تُستنبت في مواسمها وغير مواسمها، حيث لم تعد الغلال الصيفيّة تنقطع في الشتاء، ولا الغلال الشتويّة تغيب عن فصل الصيف، وهكذا هو الأمر مع غلال الخريف والربيع.

 

الزمن الجميل:

بسبب هذا التداخل غير العادي ولا السليم، بين مناخات فصول السنة الأربعة وغلالها، وانتقاء الفروقات الحادة بينها، صار الناس الذين عاشوا جوانب من الأيام الخوالي التي كان فيها الشتاء شتاءً، والصيف صيفاً، والربيع ربيعاً، والخريف خريفاً، ويعيشون هذه الأيام إيقاع المناخ الواحد، الذي يسود أيام العام كافةً، يُطلقون على العقود الماضية "الزمن الجميل" والجمال هنا، لا يقتصر على الفروقات التي كانت قائمة بين فصل وآخر، واشتياقهم للغلال من الخضار والفواكه التي ما كانت تظهر إلا في وقتها، أو يقوم الناس بتخزينها إلى غير مواسمها، مُجففة بوساطة ضوء الشمس، ولفح الريح، وإنما مرده أيضاً، غياب واختلاف وتبدل، العادات والتقاليد، والفنون، والأعياد التي كانت تزخر بها حياتهم، وتتنوع من فصل لآخر، بحيث كان لكل فصل أعياده واحتفالاته المرتبطة بالمناخ الذي يسوده. لهذا فإن مصطلح "الزمن الجميل" ينسحب على كلّ شيء ظهر في تلك الأيام، إن على صعيد المناخ، أو الزراعات الموسميّة، أو المهرجانات والأعياد، أو الفنون والأغاني، أو العادات والتقاليد التي كانت مفعمة بالأصالة، والمحبة، وروح التعاون والتكافل، والبساطة، والطيبة.

 

ملح الأرض:

ولأنّ الثلج.. ملح الأرض وجنرالها المسيطر عليها "إذا ما حط رحاله فيها بالشكل الصحيح" من ملامح الزمن الجميل الذي كان دائم الزيارة لبلداننا العربيّة، في الشتويات القديمة. فقد أصبح ناس اليوم، مفعمين بالحنين إليه، لاسيّما، وأن زيارته لهم أصبحت نادرة هذه الأيام، وإن فعلها، يأتي ضعيفاً، مُنهكاً، يهطل لساعات قليلة، ويذوب في ساعات قليلة أيضاً، الأمر الذي يجعله مثل الفواكه والخضار البلاستيكيّة، بلا نكهة، ولا طعم، ولا مذاق، عكس زياراته في أربعينيّات وخمسينيّات وستينيّات ومطالع سبعينيّات القرن الماضي. يومها كان الشتاء شتاءً حقيقياً، ما أن يحط الرحال بين الناس، حاملاً أمطاره وثلوجه وعواصفه الهُوج وبرده القارص وجليده، حتى تتشبع الكائنات والبيوت والطبيعة والأشياء برطوبته المرافقة لقتامةٍ كئيبة، تسكن الليل والنهار بنفس القوّة والتأثير، وعادةً ما تبقى هذه الحالة مستمرة ومتواصلة، طوال أجندة الشتاء المسطرة في دفتر العام.

كانت الرطوبة الشتوية تتغلغل قي ثياب الناس وأشيائهم لتصل إلى أرواحهم وعظامهم، وتستمر طيلة فصل الشتاء، لعدم قدرة ثياب تلك الأيام، ووسائل التدفئة البسيطة والمحدودة القدرات التي كانت سائدة يومها، على طردها، أو الحد منها، فقد كانت التدفئة في الأرياف العربيّة تقوم آنذاك على عنصر أساس هو "الحطب" اليابس، أو الأخضر الرطب الذي كان يُجلب مباشرةً من الأحراش، ومع ذلك كان يتقد بسرعة، بعد أن يُطلق غيوماً من الدخان في أرجاء البيت، ووسيلة التدفئة هذه، كانت منتشرة بشكل خاص في المناطق الجبليّة الغنية بالأشجار، إذ كان الناس يجلبونه مباشرةً من الجبال إلى المواقد المصنوعة من طين خاص مقاوم للنار، من قبل النسوة، وهي نوعان: الأوّل ويُدعى "موقدة" وهي مثبته في الأرض، أو في ركنٍ من البيت، أو وسط غرف المعيشة، والثانية متحركة يمكن نقلها من مكان إلى آخر في المنزل وتُدعى "كانون". بعدها جاءت المواقد المعدنيّة، التي كانت قليلة ومنتشرة في المدن، أو لدى الميسورين من الريفيين.

 

مُدَفئة العرايا:

في تلك الأيام القاسية والجميلة والمفعمة بالعافية، كانت الشمس الشتويّة الحادة، وحدها القادرة على منح الإنسان الريفي شيئاً من الشعور بالدفء، في حال تمكنت من كشح الغيوم السوداء المدلهمة، وأطلت على الكون الرطب المقرور، فالشمس الشتويّة هي "كما يقول المثل الشعبي" مُدَفِئة العرايا.

لم تك أشعة الشمس، في تلك الأيام المقرورة، من شتويّات الزمن الجميل، تدفئ الإنسان فحسب، بل وموجودات بيته من الحيوانات، وتقوم بتجفيف الأشياء القليلة والبسيطة التي يستخدمها في حياته اليومية، حيث كانت جميعها تخرج في اليوم المشمس لتعانق دفء الشمس القادم من نوافذ الغيوم المفتوحة على الأرض، علها تتخلص "ولو قليلاً" من سطوة الرطوبة المتغلغلة فيها. أما المنازل الجبلية الريفيّة المُشادة من الحجارة الطبيعيّة والطين الممزوج بالتبن أو القش، فقد كانت تنبت على جدرانها وفوق أسطحها الطينيّة بفعل الأمطار الغزيرة والرطوبة، حدائق رافلة بكل أنواع العشب والأزاهير البريّة والنباتات ومنها "البابونج" و"لباس القطة" و"شقائق النعمان". كما كانت تتحول سطوح هذه المنازل، إلى مراعٍ خصبة "للسخالي والجدايا" وهي أبناء الماعز، حيث كانت تُربى بكثرة في المناطق الجبليّة الوعرة من بلادنا، للقدرة على تحمل هذه الطبيعة، والتأقلم معها. ولأنّه أصبح فيما بعد، من عوامل تدمير الثروة الحراجيّة، صدرت قرارات حكوميّة بمنع تربيته في تلك المناطق ومازالت قائمة حتى الآن.

 

حكايا ثلجيّة:

لا تزال هذه الصور الساحرة، القاسية، والجميلة، محفورة في أذهان من عاشوا في ذلك الزمن الجميل، ومكتوبة على جدران قلوبهم وذاكرتهم ووجدانهم، تواكبها صور وتفاصيل وحكايا عن الشتاء والثلج: ملح الأرض، وجنرال الطبيعة القوي، والأبيض الجميل، والعاشق النرجسي النزعة. فهو إذا هطل، سيطر على كلّ شيء في الطبيعة، بما في ذلك قلوب الناس وأرواحهم، مانحاً السعادة لعيونهم وقلوبهم ولأطفالهم الذين كانوا يبتكرون ألعاباً رائعة منه وفيه، وفي نفس الوقت، كان قدومه، يشكل البشارة والأمل، بقدوم صيف مثقل بالمواسم الطيّبة والخيّرة والوافرة.

كانت كلما "أثلجت أفرجت" على حد تعبير الأجداد والأُمّهات والآباء، إذ غالباً ما تُشرق الشمس عقب كلّ ثلجة، وينتشر الدفء، وتخفف السماء من الجهامة التي كانت ترخي بثقلها على الأرواح، وتنحسر الرطوبة اللاذعة قليلاً عن أبدان الكائنات الحيّة، والأشياء الجامدة، وثمة طيور خاصة، كانت ترافق موجات الثلج هذه مثل: "الزرازير" و"أبو سعد" وهو ما يُعرف أيضاً باسم "القلق" و"الطربيس" وهو طائر سمين، يصعب اصطياده، ما جعل الرجال يتفنون بعملية قنصه.. مع طيور كثيرة ومتنوعة كانت زياراتها إلى بلادنا إحدى قرائن قدوم الشتاء. اليوم اختفت أسراب الطيور هذه، ولم تعد تزور البلاد، لا في الشتاء، وفي الصيف، ولا في الربيع، ولا في الخريف، لأسباب عديدة، أبرزها وأهمها، الاعتداء الغاشم الذي مارسه ويمارسه الإنسان على البيئة وكائناتها وموجوداتها وعناصرها، والتبدل المناخي الحاد الذي حصل في بلادنا.

هذه المتع الرائعة التي كانت ترافق زيارة الثلج المتكررة والاعتياديّة لشتويّات الزمن العربي الجميل، هي الأخرى اختفت من عالمنا المعاصر، بينما لا تزال بلدان عديدة من العالم تعيشها، وبشكل منتظم، إنما بأشكال وطرق ونكهات مختلفة، حيث يقوم الثلج باستعمار بعض هذه الدول لمددٍ طويلة، تغطي غالبية أيام فصل الشتاء، وأسابيع من فصلي الربيع والخريف، لكن دون أن ترافقه سطوة للرطوبة على أبدان ناس تلك البلاد، تصل إلى عظامهم، أو قشعريرة للبرد القارص تهز كياناتهم، أو تطول مرافق حياتهم، من بيوت وأمكنة عمل ولهو وسائل نقل. وفي تلك البلاد، لا تنهمر شلالات النور من نوافذ الغيوم في السماء، بين ساعة وأخرى، عقب كل ثلجة، ذلك لأن انسداد السماء، قد يستمر أياماً وأسابيع وربما شهوراً، بحيث يتشابه فيها الليل والنهار، لكن ناس تلك البلاد، تأقلموا مع هذه الحالة، وأعدوا لها العدة، بتوفير الدفء الكافي لمرافق حياتهم اليومية كافة. كما تحصنوا ضد الثلج، هذا الجنرال الطاغي، بالثياب المناسبة، بدءاً بالقدمين، وانتهاءً بالرأس، إضاف إلى ابتكارهم أنواعاً لا تحصى من المشروبات المضادة لما تحمله شتاءات بلدانهم الطويلة، من ثلج وبرد وضباب جهم، يُقصي ضوء الشمس من نهاراتهم، لأسابيع وشهور، يرافق ذلك كآبة، تستوطن أحاسيس وقلوب الناس، وتسيطر عليها وعلى الطبيعة، معظم أيام السنة.

قُدر لي أن أعيش هذه الأجواء في ألمانيا أثناء دراستي العالية للفنون الجميلة فيها "أواخر سبعينيّات ومطالع ثمانينيّات القرن الماضي"، واستعدتها مؤخراً في الدانمارك أثناء زيارة علميّة لي مع عدد من طلابي في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث حللنا ضيوفاً على جامعة "غولدنغ" للتصميم، ثمّ على عدد من أشهر محترفات فنون التصميم الغرافيكي في العاصمة "كوبنهاغن".

رغم اتخاذنا للاحتياطات اللازمة لمواجهة "الجنرال – ثلج" في تلك البلاد، إلا أن مفاجآت كثير واجهتنا أثناء إقامتنا، لعل أبرزها وأهمها، إنزالنا في شاليهات جميلة التصميم، جدرانها من الزجاج الشفاف، تقع على إحدى البحيرات المغلقة وسط المدينة. لكن المفاجأة عندما وجدنا مياه هذه البحيرة قطعة من الجليد، يمكن التنزه فوقها "باستثناء فتحة صغيرة حفرتها مناقير طيور النورس لتناول الماء منها".

كانت نقلتنا من دمشق و"كنا في شهر فبراير" إلى "كوبنهاغن" نوعية لناحية المناخ، حيث كانت روائح الصيف عابقة في دمشق، أما في "كوبنهاغن" فكانت عابقة بسطوة جنرال ثلج، حيث الحرارة تحت الصفر بدرجات، ومع ذلك شكلت لنا متعة كبيرة، وحالة من الإدهاش استعدنا من خلالها، ملامح لا تنسى من الزمن الجميل الراحل بأيام العمر المفعمة بالسعادة الحقة، والفرح العميق.

كنا أثناء تجوالنا في شوارع تلك البلاد، نضطر إلى إخفاء كل شيء في أ<سامنا، بدءاً من القدمين، وانتهاءً بالرأس واليدين، بحيث يصعب بعدها، أن يتعرف بعضنا على البعض الآخر.

المفاجأة الطريفة التي لا يمكن أن تُنسى، أننا دُعينا أثناء وجودنا في العاصمة لزيارة أحيائها القديمة بوساطة المراكب النهريّة. وبعد مسير ما يربو على ساعة من الزمن، تحت ندف الثلج الساحر والشاق، فوجئنا بالنهر وقد أطبق بأنيابه الجليديّة على المراكب، الأمر الذي فوّت علينا متعة التجوال في أحياء "كوبنهاغن" القديمة الناهضة على ضفاف نهرها المقرور إلى درجة التجمّد، غير أن فرصة التعرف إلى العمارة الدانماركيّة العتيقة "لاسيما المنفذة من الخشب" لم تفتنا، حيث كنا قد قمنا بزيارة إلى مدينة "أروس" للتعرف على متحف الفن الحديث الهام والشهير فيها، ومشاهدة القسم القديم من عمارتها، والتي قامت الدولة بالمحافظة عليه كما جاء من أيام "الفايكنغ" بكامل عافيته، وبما يضم من محترفات، لأنشطة ومشغولات تقليديّة قديمة، كصناعة الخزف، والجلديات، والزجاج، والخبز، والمعادن، والنسيج... إلخ. وبتأثير السطوة القوية التي كان يمارسها جنرال – ثلج على تلك البلاد طيلة يومها، أقفر هذا الجزء من المدينة القديمة من الزوار ومظاهر الحياة، إلا من بضع خدمات محدودة، تقدم لمن يتملكه حب العتيق، والبسيط، والجميل، فيشد الرحال، بين الحين والآخر، إلى تلك المطارح، بهدف إمتاع بصره وبصيرته، بمعالمه، لا سيما في فصل الشتاء الذي تأخذ فيه الطبيعة ومفردات وملامح الزمن الجميل، نكهة خاصة، رغم قسوة المناخ، وشراسة البرد المزود بأنياب حادة. مثل هذه المتع الناهضة بين أحضان القسوة والمشقة والتعب، يبحث عنها وبإلحاح، الفنانون والأدباء والمبدعون عموماً، خلافاً لبقية خلق الله، الذين يحرصون على مواجهة الطبيعة وهي بكامل رونقها وبهائها، أي في فصلي الربيع والصيف، ولعل ممارسات المبدعين الشاذة هذه، هي السبب في نعت بعضهم بـ"الجنون". جنون يحتاجه المبدع أحياناً، لكي تتمكن مخيلته من طرح مولودها الجديد، بشكل صحيح وسليم ومؤثر!!

 

*أكاديمي سوري

 

المصدر: مجلة الكويت/ العدد 360 لسنة 2013م

ارسال التعليق

Top