• ١ حزيران/يونيو ٢٠٢٠ | ٩ شوال ١٤٤١ هـ
البلاغ

نوح (ع).. سيرة الجهاد والصبر

يوسف مزاحم

نوح (ع).. سيرة الجهاد والصبر
(.. قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (هود/ 48-49).
بهذه الكلمات المباركة يخاطب الله سبحانه رسوله الأمين محمد (ص) بعد أن عرض عليه قصة نوح (ع) مع قومه، وليس ذلك إلا لأخذ العبرة وتبيان العاقبة.. والحقّ أنّه ليس هناك مصدر يعتمد عليه في قصص الأوّلين غير القرآن الكريم وكلّ ما عدا ذلك فهو رجم بالغيب إلا ما صحّ من بعض الروايات عن النبي (ص) وأهل البيت (ع). ولنرجع الآن إلى القرآن الكريم لنستلهم منه جوانب وأبعاد تلك القصّة المعبّرة: قصة المعاناة والألم في رحلة الدعوة، والصبر والجهاد المتواصل من قبل نبي الله نوح (ع)، والأذى المتنوع الذي لاقاه من قومه.
ولا نريد أن نستعرض – كما حاول البعض – المراحل السابقة لبعثة النبي نوح (ع) ونَسَبِه وأجداده وآبائه ومثل ذلك عن قومه... ولكننا نريد أن نتوقف في البداية أمام واقع المجتمع والملأ الذين أرسل إليهم نوح (ع).
فلقد كان قوم نوح (ع) مشركين في العبادة: يعبدون الآلهة المتعددة، والأصنام والأوثان:
(وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) (نوح/ 23).
ويقال إنّ هذه الأصنام كانت تماثيل لرجال صالحين قبل نوح (ع) ثمّ انحرف القوم وعبدوها حتى انتقلت أسماؤها إلى العرب قبل الإسلام فيما بعد.
ووصف القرآن الكريم في أماكن أخرى قوم نوح (ع) بالظالمين والضالّين والفاسقين.
وطبيعي أمام انتشار الفحش والظلم والطغيان أن يرسل الله إليهم رسولاً لينذرهم وليأمرهم بالإيمان والصلاح وطاعة الله وعبادته، وترك ما هم فيه من الكفر والرذائل. وما كان الله ليعذبهم قبل أن يَبلِّغهم ويلقي إليهم الحجة، ويبيّن لهم الحق!
قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (نوح/ 1).
وهكذا: انطلقت الرسالة وتحركت مسيرة الدعوة إلى الله:
قال (أي نوح): (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ...) (نوح/ 2-3).
(يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأعراف/ 59).
فتوضحت معالم الحقّ وأهداف الرسالة:
-        الإيمان بالله الواحد وترك الآلهة التي كانوا يعبدونها.
-        الإيمان باليوم الآخر والاستعداد له.
-        الإيمان بالرسول وطاعة الله من خلال طاعة رسوله والالتزام برسالته...
ولكن...! أبى أتباع الشيطان إلا أن يعاندوا ويعصوا ويرفضوا الحقّ، بل أكثر من ذلك فلم يكن يكفي أحدهم بأن يكفر، بل أخذ يدعو إلى الكفر وينهى عن الإيمان والتقوى، زِدْ على أنّهم لجأوا إلى أساليب الخداع والنفاق وإثارة القضايا التافهة في وجه الرسول والرسالة، وتتخلص مواقف قوم نوح (ع) وجدالهم في الأمور التالية:
-        اتّهام نوح (ع) بالكذب والضلال: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الأعراف/ 60).
-        اتّهام نوح (ع) بالكذب والضلال: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) (المؤمنون/ 25).
-        اتّهامه بحب التفضّل عليهم: (مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) (المؤمنون/ 24).
-        لو أراد الله نبياً لجعله ملكاً: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً) (المؤمنون/ 24).
-        غرور الزعماء والأشراف: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا) (هود/ 27).
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ) (الشعراء/ 111).
هذا كلّه في بداية الدعوة والمواجهة، حيث أنّه قد آمن بنوح (ع) قليل من القوم الفقراء ولذا عبّروا عنهم بالأراذل، وهكذا دوماً المستكبرون، والقاسية قلوبهم يرفضون الحقَّ ولا يعطون لأنفسهم فرصة التفكير والتأمل، بل من موقع الطغيان والتكبّر يصرّون على الانحراف والابتعاد عن الحقِّ والنور والخير، لأنّهم قد عميت قلوبهم عن ذكر الله، وعميت بصائرهم عن رؤية النور الوهّاج والضياء اللامع الذي يأتي به الإيمان والحقّ!
ورغم كلّ المواقف السلبية انطلق نوح (ع) بالأسلوب الهادئ اللطيف، تُحَرِّكُه الرحمة والشفقة، ويدفعه حبّ الخير والصلاح لنفسه ولغيره، يندفع بقوة الإيمان وعزيمة الأنبياء (ع) ليكشف الحقائق وليجلو بعض الصدأ عن قلوب قومه لعلهم يهتدون، ولعلّ نور الله يتسرّب إلى قلوبهم فيضيئها ويهديها إلى سواء السبيل! يتحرك متناسياً ما اتّهموه به من الكذب والجنون، مترفّعاً على الصغائر، كبيراً كِبَرَ الهدف الذي يصبو إليه، عظيماً عِظَم الرسالة التي يحمل، متوكلاً على الله الذي أرسله، لا يهمّه ما قيل عنه ولا ما يقال، ولا ما يُواجه به. كلّ همّه أن يهتدي أكبر عدد من قومه:
قال: (يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف/ 61-62).
(.. أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ... * وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ... * وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ...) (هود/ 28-31).
يفتح لهم قلبه لعل كلامه يدخل قلوبهم، ويخاطبهم بالحقِّ لعلّه يصيب عقولهم فتتحرك لتعرفه وتأمرهم بالالتزام به، ويدعوهم إلى الله والدين باللين ويبيّن لهم أنّه لم يأتهم لمصلحة ولا لهدف ذاتي، وليس له همّ إلا هدايتهم وليس له شغل إلا أن يبعد الغواية عنهم!
ولكن هيهات!! هل كلّ من عرف الحقّ آمن به؟! وهل كلّ من علم الصدق نطق به؟! رفضوا أن يفهموا منه شيئاً، وإن فهموا فقد رفضوا أن يلتزموا بما فهموه ولذا قال عنهم نوح (ع):
(فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (نوح/ 6-7).
وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فظلموا أنفسهم وما كان الله ليظلمهم مثقال ذرة.
وطالت المسيرة، وتوقفت في محطّات ومنعطفات كثيرة، سنة بعد سنة، وقرناً بعد قرن، (.. فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا...) (العنكبوت/ 14).
وقد اختلف المؤرخون والمفسِّرون في عمر نوح (ع) ولا يهمّنا إلا ما نطق به القرآن الكريم في الآية المذكورة أنّه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى الحقِّ ويبيّن لهم وهم معاندون مكابرون. يرفضون أن يسمعوا له، ويفرّون من الحقِّ: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر/ 49-51).
(قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (هود/ 32)، (.. وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ...) (غافر/ 5)، لقد كثر استكبار القوم وعلوا وأكثروا، ولم يكتفوا بالكلام بل لجأوا إلى التهديد بالقتل والرجم والتحدّي (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) (الشعراء/ 116)... فكانت الشرارة التي اشعلت نار الغضب، (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (هود/ 36).
(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (القمر/ 10)، و(قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) (المؤمنون/ 26)، (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء/ 118).
وهكذا يئس نوح من قومه وتيقن من أنّه لن يؤمن إلا مَن قد آمن! فتذكّر العذاب والمعاناة، تذكر الألم والصبر، تذكر السنين الطوال والقرون المتوالية، فتوجّه إلى الله يشكو بثّه وحزنه، ويعرض ما قدّمت يداه ويشكو قومه وأفعالهم:
(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (نوح/ 5-12)، (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) (نوح/ 26-27).
إنّه يشكوهم من صميم القلب والمعاناة، حيث أنّه استنفد الوسائل في دعوتهم حتى بدأ المرحلة الأخيرة معه. ويروى أنّ الرجل منهم كان يأتي بولده وهو صغير فيُقيمه على رأس نوح (ع) ويقول له: يا بني إن بقيت بعدي فلا تطيعنّ هذا المجنون، وكانوا يثورون به فيضربونه حتى يدمى ويغشى عليه!
(فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) (المؤمنون/ 27).
(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (هود/ 37).
(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) (هود/ 38-39).
ويُروى أنهم كانوا يقولون له: يا نوح صرت نجّاراً بعد النبوة، وهل ستجري سفينتك على الرمال؟!
كلّ ذلك والله يُمهلهم ليوم الوقت المعلوم: يوم الطوفان! يوم الغرق!
(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ) (هود/ 40).
وبهذا استدلّ على أنّ الطوفان ملأ الأرض كلّها وإلا فما فائدة حمل زوجين من كلِّ شيء على الأرض.
(فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (المؤمنون/ 28).
(فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا...) (القمر/ 11-14). (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الشعراء/ 119-122). فسبحان ربّك ربّ العزة عما يصفون!
وهكذا انتهت رحلة المعاناة بين نوح وقومه الظالمين، ولابدّ من التوقّف عند نقطة مميّزة في المقام وهي أنّ نوحاً كان يعتقد أنّ ابنه معه وهو مع أهله لأنّه – كما يروي البعض – كان يتظاهر بالإيمان والطاعة للنبي (ع)، ولكنه كان يبطن الكفر فلم يركب في السفينة لكفره ولذا خاطب سبحانه نوحاً بقوله: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود/ 46)، فلم تنفع قرابة ابن نوح (ع) في نجاته من الغرق وكذلك امرأته...
فلا يعتقدنّ أحد أنّ عند الله مقياساً غير مقياس الإيمان والعمل الصالح!
أمر آخر نتوقف عنده وهو: إنّ نوحاً (ع) ومَن معه بعد الطوفان لم يستكبروا ولم يعلوا في الأرض ولم يعيشوا في أجواء الفرح والنصر. بعيداً عن الله وشكره سبحانه.. وهذا شأن المؤمنين المتقين، إذا اتاهم نصر الله وعونه يزداد شكرهم واعتمادهم على الله.. ولذا قال نوح (ع) لقومه عند ركوب السفينة: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (هود/ 41).، وهذا ما يجب أن يلتزم به كلّ إنسان مؤمن في حياته، في كلِّ عمل يقوم به ويؤدِّيه.. ويروى أنّ نوحاً (ع) سجد بمجرد نزوله من السفينة شكراً لله تعالى، وانطلق من معه ليبنوا مسجداً يعبدون الله فيه فيما تذكر الروايات. قال تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (المؤمنون/ 28-29).
(قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (هود/ 47).
وهكذا استجاب الله دعاء نوح (ع) بعد أن صنع ما صنع بعين الله ورعايته. (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود/ 44).
وطهرت الأرض بالطوفان لتفتح صفحة جديدة من صفحات الحياة في هذا الكون، ولتنطلق رحلة الصراع من جديد بين خط الله وخط الشيطان. (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (هود/ 48).
(وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) (الصافات/ 75-77).
فما أعظم القرآن في تعبيره عن عظمة الله وقدرته! و(سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) (الصافات/ 79).
بقي علينا أن نستعرض ما يمكن الاستفادة منه في هذه القصة القرآنية، ويتلخص ذلك في نقاط تحوي دروساً وعبراً:
1- خط الأنبياء واحد: إنّه الخط الذي يدعو إلى الإيمان بالله الواحد وبالأنبياء والرسل وباليوم الآخر.
2- الهداية من الله للبشر بمعنى أنّ الله بعث الرسل وأمر باتباعهم وباتباع الأوصياء والأولياء والعلماء من بعدهم.
3- الإيمان والعمل الصالح يؤدّي إلى المغفرة والرضوان، والكفر والعصيان نتيجته العقوبة والعذاب في الدنيا والآخرة. (الطوفان والنار).
4- على الداعية في سبيل الله أن يرتبط بالله ويتوكل عليه ويخلص في عمله ويشكو أمره إليه وحده، وأن يعمل بعيداً عن المصالح الشخصية والخاصة.
5- على المؤمنين الصبر في مواجهة الكفار والمنافقين وعليهم أن يستنفدوا كلَّ الوسائل لهداية الناس، وأن يكرروا المحاولات كثيراً.
6- المقياس عند الله هو التقوى وليس بين الله وبين أحد قرابة. والله لا ينظر إلى الناس إلا بمقدار عملهم وإخلاصهم سراً وعلانية.
7- شكر الله عند كلِّ أمر وخاصة عند النصر والنعم وطلب الأجر منه خاصة.
8- عدم الاستسلام والضعف والخوف من أعداء الله ولو هددوا المؤمنين بالقتل والسجن وما شابه.
9- أن يكون كلّ عمل يعمله الإنسان بعين الله وفي سبيل الله "بسم الله مجراها ومرساها" وهذا يشمل أعمال الأفراد والجماعات، في العبادات والمعاملات وغير ذلك...
 
المصدر: مجلة نور الإسلام/ العدد الأول لسنة 1988م

تعليقات

  • محمود ابنالشيخ

    الحمد لله وحده. حقا وفق الكاتب في إجمال مسيرة رسول الله توح عليه السلام، من خلال نص القرآن، وفق تسلسل دعوته، مستخلصا ما وفق إليه من استنتاجات ذكية، خلال ذلك، ثم كانت الخاتمة بما رآه خطا دعويا انتهجه رسول الله نوح يمكن أن يفيد كل داعية إلى الله تعالى و إلى الخير.

ارسال التعليق

Top