• ٤ تموز/يوليو ٢٠٢٠ | ١٣ ذو القعدة ١٤٤١ هـ
البلاغ

نور الأمل

عبدالحميد محمد الدرويش

نور الأمل

هاهو نبيُّ الله يونس (ع) يرفَلُ في ظلمات وأعماق البحر المخيفة وفي بطن حوتٍ، أمام موتٍ محقق.

فمن أين له النجاة؟!

من بين تلك الظلمات يشرق له نورٌ يترجم له الحياة؛ نور الأمل.

الأمل بالله الخالق، الأمل برحمة الله الواسعة التي ملأت كلّ شيءٍ.

لم يقف مُكبِّلاً يديه عن البحث عن طريق النجاة، إذ أخذ يسبح الله ويذكره.

وهاهو الحوت يلفظه على ساحل البحر.

فلولا الأمل في نفسه.

ولولا تسبيحه لله، وتضرعه، وذكره له، لم يكن يعرف معنى النجاة والحياة من بعد موتٍ محقّقٍ.

ويُروى: أنّ يونس (ع)، سأل جبريل (ع): دُلني على أعبد أهل الأرض. فدلّه على رجلٍ قَطَع الجُذامُ يديه ورجليه، وذهب ببصره، فسمعه يقول: متّعتَني ما شئتَ، وسلبتني حين شئتَ، وأبقيت لي فيك الأمل يا بارُّ يا وَصُول.

وها هي اليابان حوّلتها الحرب العالمية الثانية إلى حطام ودمارٍ شاملٍ لكلِّ مكوِّنات هذه البلد، فلم تقف مكتوفة الأيدي أو ناعية لقتلاها، أو أخذها اليأس إلى الاستلام.

كان هناك نجمٌ لامعٌ في سماء حياتهم، إنّه الأمل.

الأمل الذي أضاء حياتهم، ومدنهم، فنالت اليابان الشهرة والمكانة المرموقة من حيث التقدم الصناعي والعمراني.

نعم: هو الأمل.

عندما نتحدّث عن الأمل، يجب أن نقف طويلاً، ونتأمّل بعمقٍ لنلمس معنىً من معانيه.

الأمل: هو ذلك الحلم الذي لا يتحقّق أبداً، لو تحقّق الأمل لفقدنا الدافعية في الحياة؛ لأنّ الأمل هو تلك الدافعية التي تدفع بنا إلى الأمام إلى نيل العلا، والارتقاء إلى مراتب أعلى وأسمى.

الأمل: هو تلك الشحنة والقوّة.

الأمل: هو تلك الجاذبية إلى الأمام أو الدافعية إلى المستقبل؛ لأننا مشدودون إلى الذي ليس بعد، إلى الانتظار؛ لأنّ الأمل هو ذلك الحلم الذي لم يتحقّق بعد.

الأمل: هو طاقة لا تفنَى ولا تتلاشى ولا يمكن للأمل أن ينعدم، فلو كان بالإمكان انعدام الأمل في انكسارٍ من الانكسارات، أو في خسارةٍ من الخسارات، وفي محاولةٍ من محاولات النجاح، فهذا يعني: أنّنا نبقى في دائرةٍ ضيّقةٍ لا نتحرك، لا نتحرر، بل نبقى في حالة ركودٍ وخمولٍ، وهذا غير مقبولٍ به تماماً.

الأمل: هو النور الذي يشرق من بين عتمة الدنيا، من بين تلك الضبابية.

الأمل: هو تلك الشعلة التي تلتهب بين أعواد دخان اليأس والفشل.

الأمل: هو النور الذي لا يراهُ إلّا الطامحون والعاملون والمشمِّرون عن سواعدهم.

بل من فقد الأمل فقد الحياة.

لأنّ له دوراً مهمّاً في الحياة، لا يمكن أن نستغني عنه، وبدونه لا تسير عجلة التقدم والارتقاء لدى الإنسان.

مع كلِّ إشراقة شمسٍ تشرق أرواحنا بابتسامةٍ على وجوهنا، متناسين همومنا ومشاكلنا وعثراتنا وراءنا، لتذهب مع سواد ذلك الليل البهيم، بل مع غيوم ذلك النهار، لتشرق مع خيوط الفجر الجميل، بروح أجمل، حاملين من الأمل سِلاحاً وقوّةً لتذلل العقبات، وتبدد الأوهام.

لنجعل من الأمل حافزاً للعمل؛ لأنّه بالأمل نواصل حياتنا ونحقق أحلامنا.

فما دمنا نسير في طريق الأمل، فإننا نحقِّق الكثير من الأحلام على أرض واقعنا، فلنجعل من الأمل سُمُوّاً للروح، ورقيّاً للذات، لنجعل آمالنا أكبر في الحياة، لنحقق أحلاماً أكثر.

الأمل في الحياة، هو مَن يدفع المتعثر للنهوض مرّةً أخرى حتى النجاح.

الأمل هو المعلِّم الحقُّ الذي يقول لنا: أن لا نستسلم في حياتنا، أن لا نيأس أو نتشاءم ونكون كما قال الشاعر:

ومَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ *** يجد مُرّاً بهِ الماء الزلالا

لأنّ اليائس يجلد نفسه، مما يستدعي قتل مشاعره ومشاعر من حوله، فيقض مضجعه ومضجع مَن يحب.

 

المصدر: كتاب صناعة الأمل

ارسال التعليق

Top